1036
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الرابع والخمسون
الغزو وأَيام العرب
أيام العرب
وصارت الرئاسة إلى قيس بعد مقتل والده "زهير بن جذيمة العبسيّ"، ويصفه الأخباريون بجودة الرأي وبحسن التجارب،ويقولون إنه لذلك عرف ب "قيس الرأي"، ويذكرون له في ذلك أقوالاً وحكماً ونصائح، ويروون طائفة من ذلك، ولا سيما مما قاله في مناسبات حرب داحس والغبراء.
ويذكر أهل الأخبار أن قيس بن زهير بن جذيمة العبسي، كان قد سار الى المدينة ليتجهز لقتال عامر، والأخذ بثاًر أبيه، فأتى "أحيحة بن الجُلاح" ليشتري منه درعاً موضونة، فقال له: لا أبيعها، ولولا أن تذمني بنو عامر لوهبتها منك، ولكن خذها بابن لبون. ففعل ذلك، وأخذ الدرع، ووهبه أحيحة أدراعاً، و عاد قيس الى قومه، فاجتاز بالربيع بن زياد العبسي، فدعاه إلى مساعدته.على الأخذ بثأره، فأجابه إلى ذلك. فلما أراد فراقه، نظر إلى عيبته فقال: ما في حقيبتك ? قال: متاع عجيب،لو أبصرته لراعك،وأناخ راحلته، وأخرج الدرع، فأخذها ومنعها من قيس، ولم يعطه اياها، وترددت الرسل بينهما. فلما طالت الأيام على ذلك، سيّر قيس أهله إلى "مكة، فأغار قيس على نعم الربيع، واستاق منها أربع مئة بعير، وسار بها إلى مكة وباعها من عبد الله ابن جدعان واشترى بها خيلاّ، وتبعه الربيع فلم يلحقه، فكان فيما اشترى من الخيل داحس والغبراء.
وقد اقترن اسم قيس بهذه الحرب الشهيرة التي يتناقل الناس قصصها الطريفة حتى اليوم، وهي حرب ثارت بين عبس و ذبيان بسبب إختلاف على سباق خيل كان قد تراهن عليه حذيفة بن بدر بن فزارة سيد ذبيان و قيس بن زهير، اشتركت فيه خيار خيل قيس و حذيفة وفي مقدمتها داحس والغبراء والخطار والحنفاء. وقد ادعى كل واحد من المتنافسين أن فرسه كان السابق، وانه هو الكاسب للرهان في قصص طويل يتخلله شعر وكلام وجواب. وانتهى النزاع الى ما ينتهي اليه كل نزاع من هذا القبيل، وهي الحرب.
وهي حرب استمرت سنين،قتل فيها حذيفة بن بدر وعدة رؤساء،واشركت فيها شيبان وضبة وأسد وغطفان وقبائل أخرى، كما ساهم فيها ملك هجر، وامتدت إلى أن اتصلت بالإسلام. وللشاعر زهير بن أبي سلمى ذكر فيها. ولم تنته إِلا بتوسط الرؤساء حيث سوّيت بدفع الديات، وبإنهاء تلك الحرب التي شغلت تلك القبائل وأقلقت الأمن لذلك السبب التافه على زعم قول الرواة.
وفي جملة حروب داحس والغبراء، يوم العذق، وهو ماء، انهزمت فيه فزارة، وقُتلوا قتلاً ذريعاً، وأسر حذيفة، فاجتمعت غطفان وسعت للصلح، فاصطلحوا على أن يهدر دم بدر بن حذيفة بدم مالك أخي قيس، وتساووا فيما بقي، فأطلق حذيقة من أسره.
ثم وقعت حرب أخرى، مثل يوم "البوار"، وكان الفوز فيه لعبس على فزارة وأسد وغطفان، و يوم الهباءة، ويوم الجراجر، إلى غير ذلك من أيام.
ولامتداد هذه الحرب سنين عديدة، وانتشارها خارج نطاق حدود قبيلتي عبس وذبيان، شملت أرضين واسعة، وتخللتها جملة أيام لها اسماؤها. وهي بالطبع كلها من أيام هذه الحرب: حرب داحس والغبراء.
وإذا قرأت قصة داحس والغبراء، قرأت قصص شجاعة بطل مغوار أظهرشجاعة فائقة في هذه الحرب، وكان له فيها شعر، هو عنترة بن شدّاد العبسي. وقصص شجاعة عنترة معروفة حتى اليوم،مشهورة، يسمعها الناس بشوق ورغبة، وهي عندهم أشهر من قصص داحس والغبراء: هذه الحرب التي خلد اسمها هذا الشعر وأمثاله.
وفي يوم الرقم، غزت بنو عامر غطفان وعليهم عامر بن الطفيل شاباً لم يرأس بعد، فخرجت اليهم بنو مُرّ ة بن عوف، وأشجع، وناس من فزارة،وكلهم من غطفان، فقاتلوا بني عامر، وتغلبوا عليهم. وفَرّ عامر بن الطفيل، وشنق الحكم بن الطفيل نفسه، ليتخلص بذلك من الأسر. ويروي الأخباريون لعروة ابن الورد وللنابغة الذبياني ولعامر بن الطفيل شعراً ذكروا أنهم قالوه في هذا اليوم.
وقد منيت بنو عامر بهزيمة أخرى يوم النتاءة، وكانت قد خرجت إلى غطفان تريد الأخذ بثأرها من هزيمة يوم الرقم، فأغارت على نعم بني عبس وذبيان وأشجع فأخذوها، فتعقبتها عبس وأشجع وفزارة حينما عادوا بالغنائم، والتحموا بها، وأوقعوا بها هزيمة كبيرة، وقتلت كثيراً منهم، ونجا عامر بن الطفيل بفرسه المشهور المسمى الورد.
وقد منيت بنو عامر بهزيمة أخرى يوم شواحط الذي وقع بين بني عامر وبني محارب بن خصفة، وذلك حينما أغارت جماعة من بني عامر على بلاد غسان.
ويعدّ عامر بن الطفيل من فرسان العرب المشاهير. وهو من المعاصرين للرسول، وقد تعرّض لنفر من أصحاب رسول الله كان الرسول قد أرسلهم بناءً على رغبة "أبي براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب" ملاعب الأسنة. وكان سيد بني عامر بن صعصعة،وذلك ليعلّموا أهل نجد الإسلام ويفقهوهم في الدين. وقد تعهد للرسول بأن يحميهم، وأن يكونوا في جواره. فلما بلغ النفر "بئر معونة "عدا عليهم "عامر بن الطفيل" فقتلهم، واستاء من ذلك أبو براء.
ووقعت بينُ سليَم وغطفان حرب بسبب مقتل معاوية بن عمرو بن الشريد السُلمي، يوم حوَْزة الأول، وكان سبب هذا اليوم تأثر معاوية من كلام امرأة من بنيُ مر"ة كانت جميلة وسيمة دعاها لنفسه، وقد رآها بعكاظ، فامتنعت، فغزا لذلك بنيُ مرة. فلما علمت بنو مرة بقدومه عليهم، تجهزوا له وقتلوه. فقرر صخر بن عمرو الشريد السُلمي الانتقام من قتلة أخيه، فأغار على بني مرة في يوم حوزة الثاني، وقتل دريد بن حرملة أخا هاشم بن حرملة رئيس بني مرة. ثم قتل رجل من بني جشم هو عمرو بن قيس الجشمي هاشم بن حرملة،فاستراحت بذلك بنوُ سليم، وسرّت الخنساء بمقتل هاشم، ولها شعر كثير في رثاء أخويها معاوية وصخر.
وقد توفي صخر على أثر إصابته بجرح ظل يفتك به مدة طويلة، أصيب به في غزوة غزا بها بني أسد بن خزيمة. فتعقبته بنو أسد لتخلص إبلها منه،وكان قد اكتسحها منهم في هذا الغزو، فلما كان في موضع ذات الأثل، لحقت به وجرحته فقضى هذا الجرح عليه.
ومن أيام هوازن وغطفان يوم اللّوى، وقد قتل فيه عبد الله بن الصمة أخو دريد بن الصمة. وكان عبدالله قد غزا مع بني جشم وبني نصر أبناء معاوية بن بكر بن هوازن غطفان، فظفر بهم وساق أموالهم. وبينما كان عائداً بغنائمه، فاجأته عبس وفزارة وأشجع في موضع اللوّى، فقتلوه واستعادوا ما كان قد غنمه منهم، وجرح دريد أخوه. فلما شفي دريد من جرحه، أغار على غطفان لينتقم منها لمقتل أخيه، وقتل رجالاً منهم، واستاق جملة أسرى. وقد عرف هذا اليوم بيوم الغدير.
ويذكر أهل الأخبار أنه قد كان بين "دريد بن الصمة" و "ربيعة بن مكدم" يوم، عرف ب "يوم الظعَّينة". وكان دريد قد خرج في فوارس من "بني جُشَمَ" حتى إذا كان في واد يقال له: "الأحزم " وهم يريدون الغارة على بني كنانة،رفع له رجل في ناحيًة الوادي ومعه ظعينة، فأرسل فرساناً من فرسانه ليأتوا اليه بخبره، فلم يعودوا، فذهب "دريد" بنفسه اليه ليراه، فأخذ الرجل منه رمحه وخلىّ، ثم انصرف دريد إلى أصحابه، ثم لم تلبث "بنو كنانة" أن أغارت على بني جُشمَ، فقتلوا وأسروا "دريد بن الصمة"، وكان الرجل الذي أخذ رمح دريد يوم الظعينة، هو "ربيعة بن مكدم"، فلما سأل "دريد" وهو في الأسر عنه، قيل له: "قتلته بنو سليم"، ثم أطلق، وجهز، ولحق بقومه. فلم يزل كافاً عن غزو بنى فراس حتى هلك.
ولدريد يوم مع غطفان عرف ب "يوم الصلعاء". وقد انتصرت فيه هوازن على غطفان، وقتل فيه دريدُ ذؤاب بن زيد بن قارب.
ودريد بن الصمّة من الفرسان المعروفين كذلك، وقد ترأس قومه في عدة غزوات. ويعده الأخبارّيون في جملة البرص الأشراف، وهو ممن أدرك الإسلام.
و "ربيعة بن مكدّم" فارس مشهور، وهو فارس بني كنانة، وبنو كنانة من أنجد العرب، عرفوا بالشجاعة حتى قيل إن الرجل منهم يعدل بعشرة من غيرهم. وصادف أن قتلت "بنو فراس" رجلين من بني سُليَمْ، فحقدت بنو سليم عليهم. فلما كان ظعن من بني كنانة ب "الكديد"، وفيهم ربيعة بن مكدّم، تلقاهم قوم من "بني سلُيم"، فاقتتلوا معهم، وقتل ربيعة في ذلك اليوم. ولما دفن عقر على قبره. وكان "يعقر على قبره في الجاهلية، ولم يعقرعلى قبر أحد غيره".
ولما قتلت بنو سليم "ربيعة بن مكدّم"، غزا "مالك بن خالد بن صخر ابن الشريد" سيد "بنيُ سليم" "بني كنانة". وكان بنوُ سُليم قد توّجوا مالكاً وأمروه عليهم، حتى عرف ب "ذي التاج". فأغار "ذو التاج" على "بني فراس" وهم من "بني كنانة" ب "بزرة". وكان رئيس بني فراس "عبد الله بن جدل"، فدعا "عبد الله" "ذا التاج" إلى البراز، فشدّ عليه، وقتله. وعرف هذا اليوم ب " يوم فزارة ". و ب " يوم بزرة".
ثم إن بني الشريد حرّموا على أنفسهم النساء والدهن أو يدركوا ثأرهم من كنانة فأغار "عمرو بن خالد بن صخِّر بن الشريد"، بقومه على بني فراس، فقتل منهم نفراً، وسبى سبباً فهم ابنة مكدّم أخت ربيعة بن مكدّم.
وتميم من القبائل التي يرد اسمها في الأيام. ومن هذه الأيام عدة أيام وقعت بينها وبين قبائل ربيعة وأيام أخرى وقعت بينها وبين قيس. ومن أيامها مع قبائل ربيعة: يوم الوقيط ويوم ثيَتل "نبَتل "، ويوم جدود، ويوم زرود، ويوم ذي طلوح، ويوم الغبيط، ويوم قشاوة، ويوم زبالة، ويوم مبايض، ويوم الزورين، و يوم عاقل.
أما يوم الوقيظ، فكان بين اللهازم من ربيعة وبين تميم. وأما "ثيتل" "نبتل" فيذكر مع يوم النباج أيضاً، وهما يومان متقاربان وقعا في موضعين متقاربين.
وقد وقعا بسبب خروج قيس بن عامر المنقري رئيس مقاعس بجماعته ومعه سلامة ابن ظرب رئيس الأجارب لغزو بكر بن وائل. فلما وصلا إلى النباج وثيتل، وجدا اللهازم وبني ذهل بن ثعلبة وعجل بن لجيم وعنزة بن أسد بهذين الموضعين، فأغار قيس على أهل النباج واقتتل معهم، فانهزمت بكر. فعاد قيس بغنائم عديدة فوجد سلامة، وهو في موضعه لم يغر بعد على من بثيتل من ناس، فأغار قيس عليهم، وسلم ما غنمه إلى سلامة.
ووقع يوم جدود بسبب عزم الحارث بن شريك على غزو بني سليط بن يربوع.جمع الحارث بني شيبان وذهلاً واللهازم ثم سار بهم إلى أرض بني يربوع راجياً مباغتتهم. ولكنه ما كاد يصل إلى بلادهم حتى شعروا به، وهاجوا عليه. فلم يتمكن من غزوهم، فتركهم وذهب نحو بني رُبيَعْ بن الحارث بجدود، فأغار عليهم، وأصاب سبياً ونعماً. فبعث بنو ربيع صريخاً إلى بني كليب بن يربوع يطلب العون، فلم يجيبوهم، فذهب الصريخ إلى بني منقر بن عبيد، فركبوا في الطلب، ولحقوا بكر بن وائل واصطدموا بهم وانتصروا عليهم فرجعوا بأموال وغنائم وبما كانت بكر بن وائل سلبته من بني ربيع بن الحارث. وكان رئيس بني يربوع في هذا اليوم: قيس بن عاصم المنقري.
ويعد الحارث بن شريك من الجرارين في ربيعة، ويعرف بالحوفزان. وفي يوم ذي طلوح وقع أسيراً في أيدي بني يربوع. فلما غزا مع قومه بني يربوع في هذا اليوم، كانت يربوع يقظة عارفة بعزم بكر. فأخذوا بكراً على غرة،وسقط الحوفزان أسيراً فجزت ناصيته،ودفع مئتين من الإبل حتى فدى نفسه من الأسر.
وأما قيس بن عاصم المنقري، فهو من سادات "منقر" من تميم، ويعد من سادات أهل الوبر، ومن حلماء بني تميم، وممن حرّم الخمر على نفسه في الجاهلية.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق