1034
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الرابع والخمسون
الغزو وأَيام العرب
أيام العرب
ونعت بعض أهل الأخبار اليزيديين الأربعة المذكورين وهم قادة القوم: يزيد ابن هوبر، ويزيد بن عبد المدّ ان، ويزيد بن المأموم، ويزيد بن المخرم،
ب "أربعة أملاك". ويدل ذلك على انهم كانوا يلقبون بلقب ملك، وأن"بني الحارث" كانوا قد نصبوهم عليهم، وإن كان لقب "ملك" لا يتجاوزفي الواقع لقب "شيخ" في عرف هذا اليوم.
وكان من ابرز رجال تميم في هذا اليوم سبعة من رؤسائهم، هم: أكثم بن صيفي، والأحيمر "الأعيمر" بن يزيد بن مُرّة المازني، وقيس بن عاصم المنقري، وأبير بن عصمة التيمي، والنعمان بن جساس "الحسحاس." التيمي، وأبين بن عمرو السعدي، والزبرقان بن بدر السعدي. وبرز فيه اسم "مصاد بن ربيعة بن الحارث" و "عصمة بن أبير التيمي" وهو الذي أسر "عبد يغوث"، و "قبيصة بن ضرار الضبيّ"، وهو الذي شدّ على "ضمرة بن لبيد الحماسي الكاهن" فطعنه وخرّ صريعاً،فقال له قبيصة: ألا انبأك تابعك بمصرعك اليوم.
وأما "الكلاب الأول"، فكان لسلمة ين الحارث بن عمرو المقصور،ومعه: بنو تغلب والنمر بن قاسط، وسعد بن زيد مناة والصنائع، على أخيه "شرحبيل ابن الحارث بن عمرو"، ومعه بكر بن وائل بن حنظلة بن مالك، وبنو أسد، وطوائف من بني عمرو بن تميم، والرباب. فقتل "شرحبيل"، قتله "أبو حنش عاصم بن النعمان الجشمي"، ويقال: بل قتله "ذو الثنيةّ حبيب ابن عُتبة الجشمي".
ومن هذه الأيام يوم "فيف الريح"، وهو موضع بأعلى نجد، وقع بين مذحج وعامر. وسببه أن "بني عامر " كانوا يطلبون " بني الحارث بن كعب " بأوتار كثيرة، فجمع لهم الحصين بن يزيد الحارثي، وكان يغزو بمن تبعه من قبائل مذحج وأقبل في بني الحارث وجُعفي، وزبيد، ومراد، وقبائل سعد العشيرة، ومراد، وصداء، ونهد، واستعانوا بقبائل خَثعم وعليهم أنس بن مدرك، فخرج شهران وناهس وأكلب عليهم أنس بن مدرك، وأقبلوا يريدون بني عامر، وهم منتجعون "فيف الريح"، ومع مذحج النساء والذراري، حتى لا يفروا، إما ماتوا جميعاً.فاجتمعت بنو عامر كلها الى عامر بن الطفيل "عامر بن مالك ملاعب الأسنة"، والتقى الجمعان في قتال لم يعط نصراً بيناً لأحد الطرفين، إذ وقع القتل في الفريقين، ولم يستقلّ بعضهم عن بعض غنيمة، وكان الصبر والشرف لبني عامر. وممن قتل أو جرح فيه: الصُميل بن الأعور الكلابي، وحسيل بن عمرو الكلابي، وخليف بن عبد العزى النهدي، وكعب الفوارس بن معاوية بن عبادة بن البكاء، وعامر بن الطفيل.
ومن أيام القحطانيين مع العدنانيين "يوم ظهر الدهناء". كان أوس بن حارثة بن لأم سيداً في قومه طيء، مطاعاً فيهم، جواداً معروفاً. جباه النعمان ابن المنذر حلة على العادة المتبعة عند ملوك الحيرة في تكريم الرؤساء الذين يفدون عليهم، وفضله على غيره، بأن طلبه وكان غائباً دون قوم من السادة الأشراف، فاغتاظ حساده من ذلك وأوعزوا إلى بعض الشعراء بهجائه،فهجاه بشر بن ابي خازم وهو من بني أسد، وأسرف في هجائه، فاغتاظ أوس من ذلك، وجمع قومه. من طيء، وأوقع ببني أسد بظهر الدهناء، وقتل منهم قتلاً ذريعاً، فانهزمت منه، وهرب بشر، فجعل لا يأتي حياً يطلب جوارهم إلا امتنع من إجارته على أوس إلى ان التجأ إلى أم أوس، فأجارته، وأجاره أوس عندئذ، وعفا عنه، ومنّ عليه وأعطاه وحباه، فانقلب مادحاً له.
والأيام التي ذكرها الأخباريون عن حروب العدنانيين مع ملوك اليمن للحصول على استقلالهم، قليلة. ولا يعني حكم اليمن للعدنانيين أن تبابعة اليمن كانوا يحكمون تلك القبائل حكماَ مباشراً، وانما هو في الواقع وكما يظهر من غربلة هذه الروايات حكم كان يتسع ويتقلص تبعاً لقدرة الحكام وشخصياتهم، ولاتفاقاتهم مع سادات تلك القبائل،ولأن القبائل العدنانية هي قبائل بدوية في الغالب لا تستقرعلى حال، ومن طبع البداوة التنازع والتخاصم. ثم إن سادات القبائل كانوا كما هو شاًنهم في كل وقت متنافسين متخاصمين، لذلك وجد ملوك اليمن، وهم ملوك شعب أكثريته مستقرة، من السهل عليهم التدخل في شؤون تلك القبائل بتأييد هذا الرئيس على منافسه، وبتعيين رئيس من رؤساء القبائل الكبيرة على قبيلة أو جملة قبائل أخرى ضعيفة أو متخاصمة، لتهيئة الحال واقرار الأمن. فصار من العادة بين القبائل العدنانية، بل بين القبائل القحطانية كذلك، أو بين كبار سادات القبائل، أن يلجأوا إلى التبابعة للتدخل في الخصومات واقرار الأمن بالحكم بين المتخاصمين، أو بعيين رجل محترم كبير من اليمن أو من غير اليمن عليهم.ونجد بين روايات الأخباريين روايات تؤيد هذا الرأي.
ويدخل الأخباريون في أيام العدنانيين مع القحطانيين الأيام التي وقعت بين القبائل العدنانية وبين ملوك الحيرة لاعتدادهم من قحطان. وكذلك يدخل أهل الأخبار في أيام القحطانية مع العدنانية، والأيام التي وقعت بين ملوك بني سليح والغساسنة من بعدهم وبين القبائل العدنانية، والأيام التي وقعت بين كندة وبين القبائل العدنانية.
وإذ أسلفت الكلام على ايام تلك الحكومات مع القبائل العدنانية في المواضع المناسبة، فإني أكتفي بالاشارة اليها، على أمل الرجوع إلى تلك الأماكن لمن يريد الوقوف عليها.
أما أشهر اًيام القحطانيين، فالأيام التي وقعت بين المناذرة والغساسنة، والأيام التي وقعت بين هؤلاء الملوك وملوك كندة وأمرائها، ثم الأيام التي وقعت بن القبائل المنتسبة إلى اليمن، مثل الأيام التي وقعت بين الأوس والخزرج، والأيام التي وقعت بين قبائل طيء، وأمثال ذلك. ولما كنت قد تحدثت عن معظم هذه الأيام، فسأكتفي بما تحدثت عنها، وأتحدث عن النابه من بقية الأيام فقط مما لم أتحدث عنه سابقا.
وتؤلف الأيام التي وقعت بين القبائل العدنانية الجزء الأكبر من أيام العرب، وهي أهمها وأغناها بالشعر والأمثال والقصص. وكان لتميم وبكر وتغلب أثر خطير فيها. وأشهر هذه الحروب، الحرب المسماة بحرب البسوس، وقعت بين بكر وتغلب ودامت أربعين عاماً على ما يذكره الأخباريون.
وتغلب وبكرهما من قبائل ربيعة، لذلك تكون حرب البسوس من الحروب التي وقعت بين قبائل ربيعة، لأن أيام العدنانيين هي أيام وقعت بين قبائل ربيعة وحدها، وأيام وقعت بين قبائل من ربيعة وقبائل من مضر، وأيام وقعت بين قبائل مضر.
وذكر بعض أهل الأخبار أن أشهر أيام بكر وتغلب، خمسة أيام مشاهير. أولها يوم عنيزة و تكافأوا فيه، والثاني يوم واردات، وكان لتغلب على بكر.
والثالث يوم الحنو، وكان لبكر على تغلب. والرابع يوم القصيبات، وكان لتغلب على بكر. والخامس يوم قِضة، وهو آخر أيامهم، وكان لبكر. وفيه أسر مهلهل بن ربيعة.
وتولد من هذه الحرب قصص وشعر، ونسب إلى أبطال الأيام التي وقعت فيها، وأمثلةُ ذكر انها قيلت في المناسبات، صارت على العادة أمثلة شائعة بين الناس.
وليست حرب البسوس في الواقع حرباً واحدة، انما هي حروب عدة وقعت في تلك المدة المذكورة وفي اوقات متقطعة إلى أن انقطعت بوساطة المنذر بن السماء وتدخله بين الفريقين.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق