إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 12 يناير 2016

1032 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الرابع والخمسون الغزو وأَيام العرب أيام العرب


1032

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
   
الفصل الرابع والخمسون

الغزو وأَيام العرب

أيام العرب

ويوم الكلاب الأول وعين أباغ ويوم حليمة ويوم اليحاميم، وأيام الأوس والخزرج. وأما أيام القحطانيين والعدنانين، فمنها: يوم البيضاء، ويوم طخفة، ويوم أوارة الأول، ويوم أوارة الثاني، ويوم السلاّن، ويوم خزار ويوم حجر، ويوم الكلاب الثاني، ويوم فبف الريح، ويوم ظهر الدهناء.

وأما الأيام التي وقعت بين القبائل العدنانية، فمنها ما وقع بين قبائل ربيعة فيما بينها، ومنها ما وقع بين ربيعة وتميم، ومنها ما وقع بين قبائل قيس فيما بينها، ومنها ما وقع بين قيس وكنانة، ومنها ما وقع بين قيس وتميم، ومنها أيام ضبة وغيرهم.

وهناك أيام وقعت بين العرب والفرس مثل يوم الصفقة ويوم ذي قار. وقد تحدثت عن الأيام التىِ وقعت بين القبائل القحطانية، وعن الأيام التي وقعت بين العرب والفرس في الأماكن المناسبة الخاصة بها. فلست أجد حاجة هاهنا إلى الكلام عليها مرة ثانية، وسأقتصر هنا على الأيام الأخرى.

والأيام بين ما يسمى بالقبائل العدنانية أكَثر بكثير من الأيام التي وقعت بين القبائل القحطانية، وسبب ذلك هوانها أكثر بداوة وأعرابية من القبائل الثانية، وأن من طبع البداوة: الفردية والخصومة والتنازع والتحاسد، بسبب ضيق العيش وقلة المال وتحول القبائل من مكان الىا مكان وراء الماء والكلا. لذلك قل اجتماع العدنانيين تحت رئاسة رئيس واحد، وتقاتلوا وتخاصموا، وفضلوا الخضوع لحكم رئيس بعيد عنهم على الخضوع لرئيس منهم، لأن النفسية الأعرابية ترى في خضوع أعرابي لأعرابي من جنسه استكانة ومذلة.أما خضوعها لحكم غريب عنها، فليس فيه شيء من ذلك، ولهذا خضعت لملوك المناذرة أو الغساسنة أو لكندة أو للتبابعة، ونفرت من الخضوع لرئيس عدناني لعقدة التنافس والتناحر بين ذوي القربى.

والقبائل العدنانية، قبائل خشنة شديدة المراس، القتال عندها طبيعة، ولو اتحدت وجمعت كلمتها ووحدت أمرها، لكانت قوة لا تغلب، ولكنها، وهي على هذه الصفة من التخاذل، والتنافر، صارت خاضعة لحكم القحطانيين، وأخصّهم التبابعة على ما يذكره الرواة. فكانوا يعينون عليهم حكاماً وينصبون عليهم أمراء منهم، بل يذكر أهل الأخبار أن العدنانيين كانوا يذهبون هم أنفسهم إلى أولئك التبابعة أحياناً يطلبون منهم تنصيب شخص منهم،أو تعيين أمر عليهم من أصحاب المنزلة والمكانة، لأنهم سئموا من التقاتل والتشاحن، بقوا على ذلك دهراً حتى سئموا حكم التبابعة والقحطانيين لهم، فثاروا عليهم كما يذكر أهل الأخبار.

وساًقتصر في هذا الفصل على الأيام المهمة التي كان لها في شؤون السياسة القبلية شأن وخطر. أما الأيام الصغيرة التي لم يكن لها شأن يذكر، فأدع الحديث عنها إلا بقدره. وأما الخامل منها، فسأترك أمره إلى كتب الأخبار والأدب، لعدم وجود مكان لها في حديثنا العام عن تأريخ العرب قبل الإسلام.

ومن أمهات الأيام التي وقعت بين القحطانيين و العدنانيين: يوم طخفة، ويوم أوارة الأول، ويوم أوارة الثاني، ويوم السلاّن، ويوم خزاز، ويوم حجر، ويوم الكلاب الثاني، ويوم فيف الريح، ويوم ظهر الدهناء. وقد تحدثت عن بعضها في أثناء كلامي على ملوك الحيرة أو الغساسنة، و سأتحدث عما لم أتناوله من قبل.

ومن الأيام التي وقعت بين قبائل قحطانية وقبائل عدنانية، يوم يسمى ب "يوم البيضاء" "البيداء" وكان سببه مجيء مذحج، وهي قبيلة قحطانية من اليمن، قاصدة متسعاً من الأرض وموطناً جديداً صالحاً، فاصطدمت بقبائل معد النازلة بتهامة، وتهامة هي موطن معد القديم فيَ عرف أهل الأخبار، فبرزت لها قبيلة عدوان ورئيسها يومئذ عامر بن الظرب العدواني. جمع عامر هذا من كان في تهامة من قبائل معد،وهاجم مذحجًا فغلبها في موضع "البيضاء". يقول الأخباريون إن هذا اليوم هو أول يوم اجتمعت فيه معد تحت راية واحدة، هي راية عامر ابن الظرب. وقد اجتمعت بعدها مرتين تحت راية واحدة: مرة تحت راية ربيعة ابن الحارث في قضاعة، ومرة أخرى تحت راية كليب بن ربيعة. فهذه المعركة هي من المعارك القديمة التي وقعت بين العدنانيين والقحطانيين على رأي الأخباريين.

وعامر بن الظرب هذا، رجل يعدّه الأخباريون من قدماء حكماء العرب وأئمتهم الذين تحاكم اليهم الناس، وصارت أحكامهم سنة يتبعونها. وقد ذكرأهل الأخبار أنه أول من قرعت له العصا. ويرون في تفسير ذلك أنه كان قد كبر و هرم، وكان الناس يأتون مع ذلك اليه ليحكموه فيما يقع بينهم من خلاف.

فقال له أحد أولاده: " إنك ربما أخطأت في الحكم فيحمل عنك "، فقال عامر: "فاجعلوا لي أمارة أعرفها، فإذا زغت فسمعتها رجعت إلى الصواب ": فجعلوا قرع العصا أمارة ينبهونه بها. فكان يجلس قدام بيته ويقعد ابنه في البيت ومعه العصا، فإذا زاغ أو هفا قرع له الجفنة فيرجع إلى الصواب.

ولأهل الأخبار قصص عن عامر، فقد ذكروا أنه كان أول من جلس على منبر أو سرير وتكلم، ولجلوسه على منبر، سموّه ذا الأعواد، ونسبوا اليه أحكاماً وحكما" وأقوالاً وعمراً طويلاً، وعدّ وه من الفصحاء البلغاء، وجعلوا أقواله مضرباً للأمثال.

وأخذ رؤساء معدّ على عاتقهم الخروج على طاعة حكام اليمن، أو من عينه هؤلاء الحكام عليهم،وذلك بعد ما تبين لهم من ضعف الحكم في اليمن ومن تقاتل المتنفذين فيها بعضهم مع بعض، ومن تدهور الأحوال هناك. وكانت اليمن قد ولت "زهير بن جناب" زعيم كلب على قبائل معد. وكلب من قبائل قضاعة، فوافقت معد على تعيينه وخضعت لحكمه، وأخذت تؤدي الإتاوة له. وكان يخرج في حاشية لجمع الإتاوة، فأصاب معداً ضيق شديد، وأجدبت أرضهم، فتأخروا عن الدفع، فجاءهم زهير و ألحَّ في مطالبتهم، فشكوا عجزهم،وطلبوا إمهالهم والتخفيف عنهم. فما كان منه إلاّ أن منعهم النُّجْعة والمرعى، فنقموا منه، وأصابهم من ذلك بلاء، فغضب عليه رجل منهم من بني "تيم الله"، اسمه زيابة، واندس اليه وهو نائم فطعنه، وظن أنه قتله، ورجع إلى قومه فاخبرهم بخبره، ولكن "زهيراً" لم يصب بسوء، ونجا من الطعنة، وكان قد أخمد أنفاسه ولم يتحرك حتى يوهم "زيابة" أنه قتله ومات، ثم أوعز إلى حاشيته أن يعلنوا أنه مات، وشاع خبر موته بين الناس ولكنه كان قد فَرَّ مع حاشيته إلى قومه، حيث جمع جمعهم، ثم هجم بهم على بكر وتغلب،وقاتلهم قتالاّ شديداً أدى إلى هزيمة بكر، ثم إلى هزيمة تغلب من بعدها،وأسر "كليباَ" و "مهلهلا" ابنيْ ربيعة، وجماعة من أشراف تغلب. فتأثرت قبائل ربيعة من هذه الهزيمة، وعينت "ربيعة بن مُرٌة بن الحارث بن زهير التغلبي"، والد "كليب" و "مهلهل" رئيساً عليها، فحمل ربيعة ومن انقاد اليه على زهير، واسترجع الأسرى،ولكن زهيراً لم يلبث أن عاد إلى ما كان عليه من جمع الإتاوة من معد.

وإذا أخذنا برأي الأخباريين القائلين إن تعيين زهير بن جناب على بكر وتغلب ابني وائل كان بأمر أبرهة الذي غزا نجداً، وتوسع فيها، فجاءه زهير ليتقرب اليه، وليعينه على بعض القبائل، يكون حكم زهير على هذا القول في القرن السادس للميلاد.

وفي عهد رئاسة "كليب بن ربيعة"، جددت قبائل ربيعة محاولاتها للتخلص من حكم اليمن، وكان "كليب" شخصية قوية، فاختارته قبائل معد رئيساً عليها، واجتمعت تحت لوائه، والتقت باليمن في "يوم خزار " فانتصرت معد فيه، وعدَّ من أيامها الكبرى قبل الإسلام. ونظرت معد إلى كليب نظرة تجلة و إحترام، وجعلت له قسم الملك وتاجه وطاعته، لأنه وحدّهم وأنقذهم من تعسف اليمن بهم.

وقد داخل "كليب بن ربيعة" زهو شديد بعد هذا النصر، وبعد سيادته بني معد، فبغى على قومه، وصار يتعسف في احماء الحمى، فلا يرعى حماه اًحد، ولا يصاد فيه ولا ترَِدُ إبل مع إبله، ولا توقد نار مع ناره، وبقي كذلك حتى قتله "جساّس بن مرّة الوائلي"، فتوالت الحروب بين تغلب وبكر وائل بسبب ذلك.

وقد اختلف الأخباريون في هذا اليوم، واختلفوا في اسم قائد قبائل معد فيه، واختلفوا في اسم مَلك اليمن الذي في عهده وقع، واختلفوا في زمن وقوعه، وفي سببه، فقالوا: إن رئيس معد فيه هو "كليب بن ربيعة"، و قالوا: بل هوُ زرارة بن عدس، وقالوا: لا، وإنما هو ربيعة بن الأحوص بن جعفر. ويذكر بعضهم أنه وقع بعقب يوم السّلاّن،وأنه كان لجموع ربيعة ومضر وقضاعة على مذحج وغيرهم من اليمن.

وذكر جماعة من أهل الأخبار، أن "الأحوص بن جعفر بن كلاب"، كان على نزِار كلها يوم خزاز، ثم ذكرت ربيعة أخيراً من الدهر أن كليباً كان على نزار. وتوسطت جماعة بين الرأيين، فقالت: كان كليب على ربيعة، وكان الأحوص على مضر.

وسبب اختلافهم في ذلك هو دور العصبيات القبلية، والنزعات العاطفية عند الرواة. ذكر أهل الأخبار ان جماعة من وجوه أهل البصرة، كانوا يتجالسون يوم الجمعة ويتفاخرون ويتنازعون في الرياسة يوم خزاز، فتعصب كل قوم لرئيس من الرؤساء الذين ذكرت. وقد تحاكموا إلى "عمر بن العلاء" وكانوا في مجلسه، فقال: ما شهدها عامر بن صعصعة ولا دارم بن مالك، ولا جُشمَ بن يكر، اليوم أقدم من ذلك. ولقد سألت عنه، فما وجدت أحداً من القوم يعلم من رئيسهم ومَنْ الملكْ. وقد أنكر بعضهم اْن يكون لكليب بن ربيعة دور بارز فيه. والظاهر أن روايات الرواة عن هذا اليوم، وهي شفوية بالطبع،كانت متضاربة تضارباً كبيراً بسبب بعد عهد ذاكرتهم عنه، كما كانت متنافرة بسبب العواطف والنزعات القبلية، وتعصب كل راوٍ لقبيلته. فلما جاء مدوّنو الأخبار لجمع ما في حافظة رواة القبائل عن هذا اليومً، وجدوا اختلافاً كبيراً، حاولوا جهد امكانهم التوفيق بينه، واستخراج قصة موحدة عنه، فجاؤوا بهذا الذي جاؤوا به.


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق