1030
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الرابع والخمسون
الغزو وأَيام العرب
أيام العرب
عرفت الحروب والمناوشات التي وقعت بين القبائل بعضها مع بعض، أو بين ملوك اليمن والقبائل أو بين الفرس والعرب أو بين الملوك العرب والقبائل ب "الأيام" وب "ايام العرب". وهذه الأيام تؤلف - في الواقع - القسط الأكبر من علم الأخباريين بتأريخ الجاهلية، ومادتها القصص الذي تناقله الناس عمن شهدوها، وحفظوه في صدورهم، إلى أن كان التدوين فدوّن. وهو مادة محبوبة تناولها الناس في الجاهلية و الإسلام بلذة وشوق، فكَونت هي والشعر الجاهلي من أهم المجالس. "قيل لبعض أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما كنتم تتحدثون به إذا خلوتم في مجالسكم قال: كنا نتناشد الشعر، ونتحدث بأخبار جاهليتنا"، وأهم أخبار الجاهلية هي هذه الأيام.
ومادة هذه الأيام عربية خالصة، يتخللها شعر قيل بالمناسبة في تلك الأيام في الفخر والحماسة وفي هجاء الخصم والانتقاص منه. والفضل هو لهذا الشعر في حفظ اًخبار تلك الأيام، وصيانتها من النسيان، لاضطرار الراوي والسامع إلى الاطلاع على المناسبة التي قيلت فيها تلك الأشعار. وعلى هذه المادة العربية اعتماد المؤرخ في تدوين تأريخ العرب في الجاهلية، وتتبع التطورات السياسيه التي حدثت قبيل الإسلام.
وفي شعر المخضرمين وشعر الشعراء الإسلاميين الذين نبغوا في العهد الأموي مادة تفيدنا في الوقوف على خبر تلك الأيام. فقد حفظ تفاخر الشعراء بقبائلهم ومهاجاة بعضهم لبعضّ اثار تلك الأيام، فدونت في شعر الهجاء والتباهي والتفاخر، وزاد بذلك علمنا الذي أخذناه من أخبار الأيام ومن الشعر الجاهلي الذي أشر فيه اليها.
وموضوع كموضوع الأيام، لا بد أن يقبل العلماء عليه اقبالاً كبيراً، وهذا ما وقع، فألف فيه جماعة، منهم "أبو عبيدة" المتوفى سنة "210" أو "211" للهجرة، وأدخله قوم في مؤلفاتهم، فأفردوا له باباً أو أبواباً، ولكنا لا نملك حتى اليوم كتاباً قديماً قائماّ بذاته في الأيام. وكل ما نملكه هو هذه الأبواب الداخلة في بطون كتب الأدب في الغالب وفي بعض كتب التأريخ والجغرافيا، سأشير اليها في أثناء حديثي عن الشهر من هذه الأيام.
وقد أشار "ابن النديم" وغيره إلى أسماء مؤلفين ألّفوا كتباً في أيام العرب. منهم من ألف عنها كلها، ومنهم من ألف عن بعضها. ومنهم من ألف في أيام قبائل معينة. لكنها لم تطبع، ولعل من بينها من قد يطبع في المستقبل. وقد ورد أن "أبا الفرج الأصبهاني" قد استقصى أيام العرب في كتاب أفرده لذلك، فكانت أيامه ألفاً وسبعمائة يوم.
ولكن هذه الأيام غير منسقة ويا للاسف، ولا مبوّبة على حسب ترتيب الوقوع، وتسلسل الزمن. ثم إن من الصعب استخراج مستند منها يمكن الاعتماد عليه في تصنيف هذه الأيام، وتنظيمها على أساس تأريخي، مع انها مادة المؤرخ الذي يريد كتابة تأريخ جزيرة العرب قبل الإسلام ودراسة التطور السياسي فيها. وقد حاول المستشرقِون تنسيقها وترتيبها على أساس تواريخ الوقوع، فلم يفلحوا إلى الان في الوصول الى نتيجة مرضية. ولو كانت لدينا معارف عن أحوال من أسهم فيها وأجّج نارها ومن قال شعراً فيها، ثنير لنا السبيل لتثبيت التأريخ وضبط المدنين، لصار في امكاننا ضبطها وتعين تواريخها استناداً إلى هذا المروي عن أولئك. ولكن ما نعرفه عن هؤلاء الرجال، وهم أبطالها وأصحابها، لايقل غموضاً وابهاماً من حيث التواريخ والسنين عن غموض تواريخ تلك الأيام وإبهامها، ولذلك فكل ما يقال عن تواريخ الأيام وترتيبها والسنين التي وقعت فيها، هو حدس وتخمين. وسيبقى الحال على ذلك، حتى تتهيأ مادة جديدة كنصوص جاهلية مدونة أو موارد أخرى قد تتعرض لتلك الأيام بتأريخها أو بتأريخ من اشترك فيها على وجه مضبوط صحيح. وعندئذ يكون في الآمكان تدوينها على نحو علمي يشرح لنا تطور الحوادث عند العرب قبيل الإسلام.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق