1029
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الرابع والخمسون
الغزو وأَيام العرب
الجمل
وقد أكون مقصراً هنا إذا أهملت الحديث عن صديق جزيرة العرب وأليفها الحبيب: الجمل. لقد تحدثت عنه في الجزء الأول من هذا الكتاب في أثناء تحدثي عن جزيرة العرب وعن ثرواتها بما فيه الكفاية، ولكنني لا زلت بحاجة إلى التحدث عنه بشيء لم أذكره في ذلك المكان، وسأذكره هنا لما له من صلة بهذا الموضع.
والأبل هي المال عند العرب. وبها كانوا يقدرون أثمان الأشياء ويتعاملون في تجارتهم و في اسواقهم. فالجمل عندهم هو وحيدة قياسية في البيع وفي الشراء. وفي تقدير الحقوق كالديات والفدية والمهور والاراشة وما شاكل ذلك. وبمقدار ما يملك الإنسان من جمال تقدر ثروته وينظر إلى غناه،لأنه الحيوان الوحيد الذي في إمكانه قطع البواديَ بخيلاء، رافع الرأس، غير عابىء بما يكون تحت أخفاف أرجله من رمال، هازىء بالعطش إذ هو صبور عليه، لمدة لا يمكن أن يباريه في طولها حيوان آخر. ثم هو يحمل الإنسان ويحمل متاعه. وهو طعام الإنسان إن مضه الجوع، أو جاءه ضيف كبير. وهو يشرب حليب،النوق ويجد فيه شفاءً وعافية وتعويضاً عن الماء والطعام. فلا عجب إذن إن اتخذ الأعرآبي الجمل مقياساً نلثم للثروة والمال.
والإبل على منازل ودرجات فيها الجمل الأصيل المقدر وفيها اجمل الحرود المبتذل. وخير الإبل عندهم: الإبل الحمراء، لأنها أصبر من غيرها على الهواجر، والعرب تفتخر بعدد ما عندها من الجمال الحمر، لغلاء ثمنها بالنسبة إلى الجمال الأخرى ومن هنا ضرب العرب بها المثل حين قالوا: لا ما أحب ان لي بمعاريض الكلم حمر النعم "ا. فالمراد بحمر النعم: الإبل الحمراء.
والإبل الصهباء من الإبل الجيدة الشريفة في نظر ! العرب. "قال ابن الأعرابي: تقول قريش: الإبل صهبها وأدمها، يذهبون في ذلك إلى تشريفها على سائر الإبل. وقد أوضحوا ذلك بقولهم: خير الإبل: صهبها وحمرها. فجعلوها خير الإبل". وقيل الأصهب من الابل الذي يخالط بياض حمرة. وهو ان يحمر أعلى الوبر ويبيض أجوافه. وقد عرفت هذه الإبل بسرعتها. والصهباء الناقة الصهابية.
وفي الحديث: كان يرمي الجمار على ناقة صهباء. وإبل صهابية منسوبة إلى فحل اسمه "صهاب"، أولد الإبل الصهابية.
وعدت ألإبل الرمكاء، من أبهى إبل العرب. وأما النوق الخور، فهي النوق التي تمتاز عن غيرها بكثرة ألبانها، وتكون ألوانها بين الغبرة والحمرة وفي جلودها رقة. وقد عدت من الجمال الرقيقة الحسنة. قالت العرب: الحمر من الإبل أطهرها جلداً والورق أطيبها لحماً والخور أغزرها لبناً. وقد قال بعض العرب: "الرمكاء بهياء والحمراء صبراء والخوّارة غزراء ".
ويقسم اهل الاخبار الابل الى ثلاثة اصناف: يماني، وعراب، وبختي. فاليماني هو النجيب وينزل بمنزلة العتيق من الخيل. والعرابي كالبرذون. والبختي كالبخل.
وذكر أن في الإبل ما هو وحشي وانها تسكن أرض وبار، وهي غير مسكونة بالناس. وتسمى الإبل الوحشية "الحوشي". ويذكرون أنها من بقايا إبل "عاد" وثمود. والمهرية منسوبة الى "مهرة"، وهي سريعة إلعو، ويعلفونها من قديد سمك يصطاد من بحر عمان، وذكروا أن "الحوشي" الوحشيّ من الإبل وغيرها. منسوب إلى بلاد ألجن من وراء رمل "يبرين"، لا يمرّ بها أحد من الناس. وقيل هم من بني الجن. وقيل هي فحول جن، تزعم العرب أنها ضربت في نعم بني مهرة بن حيدان فنتجت النجائب المهرية من تلك الفحول الوحشية،فنسبت اليها، فهي لا يكاد يدركها التعب.
ولتحمل الإبل الجوع والعطش ولصلاحها على المشي في البوادي صارت خير أليف للعرب. وقد اشتهر بعض منها، لاشتراكه في الغزو والحروب. وكانوا يسابقون بين الإبل. وسابق الرسول بين،الإبل، وكانت ناقته القصواء سريعة الجري فسبقت مراراً. وتعدّ لحوم الإبل من اللحوم الطيبة عند الجاهليين. أما أليهود، فكهانوا يحرمون عليهم أكل لحومها. وذكر "النويري" أن من الناس من قال:"إن العرب إنما اكتسبت الأحقاد لأكلها لحوم الجمال ومداومتها "، لاتهامهم الجمل بالحقد واللؤم، وبعدم نسيانه الإساءة.
والجمل من الحيوانات القانعة الصابرة. وهو الحيوان الوحيد الذي رضي بمرافقته الأعراب ومصادقتهم منذ آلاف السنين. ولولا هذا الجمل لما كان في استْطاعة العرب اختراق جزيرتهم، والتنقل فيها من مكان إلى مكان. وبفضله اتصل عرب جزيرة العرب بعضهم ببعض وقامت المستوطنات في مواضع نائية منعزلة من بلاد العرب وقهر العربي ظهر باديته. وتكونت فيها تجارة بريّة. وطرق برية طويلة يخترقها الجمل بغير كلل ولا ملل صابراً على العطش حتى يصل إلى مرحلة بعيدة فيها يكون فيها ماء وفي استطاعة الجمل تحمل العطش مدة أربعة أو خمسة أيام في الصيف، ومدة خمسة وعشرين يوماً في الشتاء. لانه بختزن الماء في جوفه ويعيش.عليه. حتى صار هذا الماء المخزون في جوف البعير سنداً للاعراب وأملهم الوحيد في انقاذ حياتهم عند اشتداد العطش بهم، وانقطاع الماء عنهم. ولما عبر خالد بن الوليد البادية لفتح بلاد الشام اختزن الماء في اجواف الابل، لقلة الماء في البادية، فلما اشتد العطش بجيشه، ذبح بعض الابل واسقى من الماء المخزون في اجوافها، وبفضله تمكن الجيش من الصمود امام اهوال العطش ومن الوصول إلى بلاد الشام بسلام. وهكذا ساهم هذا الحيوان في انتصار خالد على جيش الروم.
ولا زال الجمل عماد الأعراب في حياتهم. ولا يمكن أن نتصور وجود أعرابية بغير جمل وقد أناط إنسان القرن العشرين به أعمالاٍ جديدة لم يكن يعرفها، فعهد إليه نقل الآلات الحديثة ومنتوجات حضارة هذا القرن في البوادي فنجح في أدائها أحسن نجاح. ومع ذلك، فان الزمن ضده، فالجمل بطئ لا تتناسب سرعته وسرعة عصور السرعة وطفرات التطور الحديث ولا بد وأن يأتي عليه يوم سيحال فيه على التقاعد عن العمل، فيقل بذلك وجوده، ويصير مكانه في حدائق الحيوان.
ولتمييز الإبل وتعيين أصحابها، وسمت بسمات وعلمت بعلامات عرفت عندهم ب "سمة" و "سمات"، توسم في الخد والعنق والفخذ، على صور شتى، مثل المشط والدلو والخطاف، أي على صورة هذه الأشياء. ويكون وسم الإبل بالميِسم: حديدة تحمى فيكوى بها، فتترك أثراً على الموضع الذي كوي. وذكر ان الوسم أثر.، أثر كيةّ، يقال: موسوم، أي قد وسم بسمة يعرف بها، إما كيةّ، وإما قطع اذن أو قرمة تكون علامة له. والوسام والسمة ما وسم به الحيوان من ضروب الصور. وفي الحديث انه كان يسم إبل الصدقة، أي يعلم عليها بالكي.
وسمات الإبل: السطاع، والرقمة، والخباط، والكشاح، والعلاط، وقيد الفرس، والشعب، والمشيطفة، والمعفاة، والقرمة والجرفة، والخطاف والدلو، والمشط، و الفرتاج، و الثؤثور، والدماغ، والصداع، و اللجام، والهلال، و الخراش، و العراض، و اللحاظ، والتلحيظ، و التحجين، والصقاع، و الدمع.
ويقع الغزو في وجه الصباح في الغالب، ولذلك يقال: طصبحوا ب ..." أي اتوا صباحاً. وقد يقال: "صبحه بكذا"، أي بعدد يذكر من رجال الغزو. ومن ذلك قول بجير بن زهير المزني: صبحناهم بألف من سـلـيم وسبع من بني عثمان وافى
أي أتيناهم صباحاً بألف رجل من "بني سليم".
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق