إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 12 يناير 2016

1027 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الرابع والخمسون الغزو وأَيام العرب الغزو


1027

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
   
الفصل الرابع والخمسون

الغزو وأَيام العرب

الغزو

والغزو في تعريف علماء اللغة: الطلب. وهو مورد من أهم موارد الرزق عند الأعراب، لا سيما في سني انحباس السماء وانقطاع الغيث وغضب السماء على الأرض ونفورها منها، حيث تقطع غرامها بها، فتحبس عنها دموعها المعبرة عن شوق السماء إلى الأرض وعن مكانهم المنكوب إلى مكان آخر فيه ماء: بئر أو ماء جار، أو عين دائمة والاستيلاء عليه عنوةً وقهراً، أو صلحأَ بغيرقتال، وذلك إذا وجد أصحاب الماء أن من غير الممكن لهم، مقاومة الغزاة، وأن خير ما يفعلونه للحفاظ على حياتهم، هو ترضية الغازين والتودد اليهم، وارضائهم من غير حرب ولا قتال، وفي ذلك توفيق بين مصلحة الغازين والقارين.

وقد يقع الغزو لأسباب أخرى لا علاقة لها بانحباس المطر، بل بسبب طمع القبائل بعضها في بعض، ولا سيما القبائل التي ترتبط بروابط حلف مع قبائل أخرى. والعادة أن القبائل القوية تطمع في القبائل الضعيفة لتأخذ منها ما عندها من مال ورزق. فتغزوها لتستولي على ما طمعت به، وقد تنجح وقد تفشل وتخسر. والقبائل الضاربة على أطراف الحضارة، تطمع في الحضر لما عندهم من رزق حرمت منه، من رزق وافر ومن ماء ومن وسائل عيش رغيدة، فتغزوهم ولهذا صار من اللازم على الحضر تعزيز أنفسهم، بناء حصون وآطام ومناظر لمراقبة الغزاة، وبشراء سلاح لا يتوفر عند الأعراب من سيوف ماضية صلبة حادة، ومن اتخاذ حرس من ألرقيق والمرتزقة ليساعدهم في الدفاع عن حاضرهم، أضف إلى ذلك شراء سادات القبائل الضاربين حولهم بالمال وبالهدايا وبالألطاف، لمنع أعرابهم من التحرش بهم، ولمنع الأعراب الغرباء الذين قد يطمعون فيهم من الدنوّ منهم.

أضف إلى ما تقدم من أسباب وقوع الغزو:أثر العلاقات الشخصية بين سادات القبائل، من زواج وطلاق، ومن حسد وتنافس، ومن كلمة نابية قد تثير حرباً بين قلبي شخصين متنافرين، ومن عمل سفيه جاهل يثير غزواً وحرباً بسبب عصبية قومه له، ودفاع الجانب الاخر عن صاحبهم حمية وغيرة. الى غير ذلك من عوامل معقولة مفهومة وعوامل تافهة سخيفة نجد لها مع ذلك مكانة في القلوب فتثير غزواً وتسبب نكبة لأناس مساكين فقراء، لا دخل لهم في كل خصومة، وكل ما لهم أنهم من قوم غضب عليهم قوم آخرون، فزادوا في تعاس إخوانهم المغزوين.والغازي والمغزو مع ذلك معدم محروم من النعم التي وهبتها اطبيعة لغيرهم من البشر، بأن جعلتهم في أرضين خصبة ذات ماء وخيرات وجو حسن، أما هؤلاء التعساء أبناء البادية، فلم يجدوا أمامهم من رزق متيسر سهل سوى الرزق عن طريق هذا الغزو.

فالغزو إذن هو حاصل ظروف طبيعية واقتصادية واجتماعية، ألمت بالأعراب واجبرتهم على ركوب هذا المركب الخشن. كارهين ام مختارين فليس للاعرابي للمحافظة على حياته ولتأمين رزقه غير هذا الغزو. وقد بقي يغزو حتى في الإسلام، مع منع الإسلام له لا يجد فيه مع ذلك غضاضة ولا بأساً. وهو ان امتنع اليوم منه وطلقه، فأنه لم يتركه عن ارادة واختيار وطيب خاطر، وانما امتنع منه لانه يعلم انه ان قام به، فأن هنالك حكومات اقوى منه، لها اسلحة لا يملكها ولا يستطيع التغلب عليها، وعلى رأسها الطائرات، ستفتك به فتكاً ذريعاً، وتكرهه على الخضوع لاحكامها، وعلى الاستسلام لها، وعلى تجريده مما يملكه ومما يستولي عليه لذلك خنس وسكت عن الغزو.

ومن هذا الغزو، غزو وقع في الجاهلية بين قْبائل صغيرة، لذلك لم ينل من أهل الأخبار حظاً من الذكر و الرعاية والعناية، ولم يجد له مكاناً بارزاً في صفحات كتب الأخبار، وغزو كبير خلد الشعر الجاهلي ذكره، فأخذ رواة الشعر يتسقطون أخباره، ويجمعون ما وعته ذاكرة رواة الأخبار من أمره، فوجد له مكاناً فسيحاً رحباً في شروح الشعر الجاهلي وفي كتب إلأخبار والأدب وقد عرف مثل هذا الغزو الخالد ب "أيام العرب" وب "ايام القبائل". وقد ذكر صاحب كتاب "الفهرست" أسماء جماعة من علماء الأخبار ألفّوا فيها، وشغلوا أنفسهم بجمع أخبارها، دوّنوها في كتب وفي جملتها مدونات عن أخبار ايام وقعت بين بطون قبيلة واحدة.

وقد تداول الجاهليون أخبار الغزو، وصيرت القبائل المنتصرة ألأيأم التي انتصرت فيها ملاحم، تعيد قصها في مجالسها وأنديتها، وقد زخرفت قصصها بأخبار الشجعان الذين برزوا فيها، وبالغت في أخبار شجاعتهم حتى طغت على أخبار الغزو نفسه، وصار البطل رمزا للقبيلة، تستمد منه الشجاعة والإقدام في النصر وفي الهزائموالخسائر. فالنصر كما نعلم لا يدوم لاحد، ورب قبيلة وكر عليها طير السعد فسعدها الحظ بالنصر، ثم طار عنها، لأن الأيام الحلوة لاتدوم أبداً. وقد تصاب القبيلة المنتصرة بنكسة،فتعوض عن ذكرى خسارتها، بذكرها انتصارها في الماضي، فيكون الماضي خير مسل لها عن مرارة الهزيمة،وأحسن مشجع وباعث على النصر في غزو المستقبل.

وقد أمدتنا أخبار الغزو بأسماء عدد من أبطال الجاهلية عرفوا بالشجاعة،لا تزال أخبار بعضهم تروى وتقص على الناس. وتقرأ قصتهم في المجالس مثل قصة "عنترة" التي حصلت على النصيب الاوفر من الشهرة والذكر من بين القصص المروي عن أبطال الجاهلية، وهو قصص مهما قيل عنه، ومما ورد فيه من مبالغات، فإنه لا يصل إلى درجة القصص المروي عن أبطال الفرس، القدماء أو اليونان أو الرومان أو العبرانيين في المبالغة بشجاعتهم وبقوة أجسامهم الخارقة.

لقد فرضت الطبيعة على العربي أن يكون محارباً غازياً،فقد حرمته من خيرات هذه الدنيا ومن طيبات ما تنبت الأرض. حرمته من وجود حكومة تحميه وتدافع عنه وحرمته حتى من وسائل الدفاع عن النفس. فجعلته لا يملك شيئأ يكنّ اليه في البوادي ليحمي به نفسه من الرياح السموم ومن أشعة الشمس القاسيةو الحيوانات الوحشية، وجعلته يقابل المرض بمفرده، إذ ليس في البادية طبيب حاذق دارس. فلم يكن أمامه والحالة هذه إلا أن يعلّم نفسه الصبر، وان يصّير محارباً غإزياً لا يبالي بالنصر او بالخسارة، بالحياة أو بالموت. إن خسر هذه المرة، حاول تعويض الخسارة بجولة جديدة وهكذا. لأنه إن يئس وجلس واستسلم للزمان، أكله جار له يطمع في ماله مهما كان،فهو لا بد له من استعداد لغزو جديد.

وفقر البادية قد حدد في الوقت نفسه من غرام الأعراب في الغزو. إذ حعل اسلحتهم محدودة وامكانياتهم في القتال دون امكانيات الحضر يكثير. لذا صار غزوهم للحضر كرٌ سريع وفرّ بأقصى ما يكون من السرعة، للنجاة بما حصلوا عليه من سلب، او للنجاة بأنفسهم من القتل في حالة الخسارة والهزيمة. ولهذا كانوا يحسبون اْلف حساب حين يريدون غزو حدود الحكومات التكبيرة، ولا يقدمون عليه إلا بعد درس وتأمل ووقوف على مواطن الضعف والثغرات في خطوط الدفاع لتلك الحكومات. اما غزوهم بعضهم بعضاً، فأن اسلحتهم فيه متساوية متكافئة. سيوف ورماح ورمي بالسهام. والذي يكسب النصر فيه، من له عدد وافر كثير وخيل وفرسان شجعان، يأخذون الخصم بمباغتة ومفاجأة.


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق