939
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الخمسون
تنظيف الأجسام
ولتنظيف الجسم من الأوساخ والأدران استعملت الحمامات. وذلك عند الحضر بالطبع. أما حمامات البدوّ، فهي بيوتهم والعراء، يسكبون الماء على أجسامهم ويغتسلون. وقد عرف أهل القرى والمدن الحمامات ولها مساخن تسخن لهم الماء ليغتسلوا بها. وكانوا يستعملون النورة في الحمامات لإزالة الشعر. وإذا خرج أحدهم من الحمام قيل له: طابت حمتك. وذكر أن من أسماء الحمام "الديماس". وزعم بعضهم أن الديماس من الألفاظ المعربة. عربت من لغة الحبشةْ.
وكانت الحمامات العامة قليلة العدد وربما لم تكن معروفة، إذ لم تكن شائعة بين الناس في الشرق الأدنى، لأنهم كانوا يستحمون في بيوتهم في الغالب، فجزيرة العرب حارة ومن الممكن الاغتسال في البيوت بكل سهولة. ولم يعرف اليهود الحمامات ألعامة، وإنما تعلّموها من الروم والرومان. وكانوا يستحمون في المياه الجارية وفي البيوت. وقد ورد أن الرسول لم يدخل حماماً قط، ولم يصح في الحمام حديث. مما يدل على أن الحمام العام لم يكن شائعاً في أيامه. فكان الرسول يغسل جسمه في بيته. وإذا وجد الحمام العام فلم يكن الأغنياء وذوو اليسار وأهل البيوت يقصدونه، إذ كانوا يرون أن في تعري الرجل من ملابسه أمام الغرباء زراية ومنقصة، وأن في مخالطة الناس والاغتسال معهم في حمام، مثلبة ودلالة على نقص في البيت. فاستحموا في بيوتهم.
وقد قام السدر في الحجاز مقام الصابون في الاغتسال، فكانوا إذا أرادوا تنظيف أجسامهم استعملوا ورق السدر مع الماء، فيخرج له رغاء ابيض، وذلك بعد طحن الورق أو دقه. وقد جرت العادة بغسل الميت به. وذكر ان الرسول امر قيس بن عاصم بأن يغتسل بالماء والسدر.
وعندما تغتسل المرأة، تغسل رأسها بالخطمي والطين الحرّ والأشنان ونحوه.
ثم تمشط شعرها. وقد تستعمل المرأة المتمكنة ورق الاس يطرى بأفاويه من الطيب لتمشيط شعرها به.
ونظراً لقلة وجود الماء في البادية، اقتصدوا في استعماله كثيراً، حتى أنهم لم يكونوا يشربون منه إلاّ قليلاً وعند الضرورة، وذلك خوفاَ من إلإسراف فيه، فينفذ ويهلكون عطشاً، لذلك كان من الطبيعي بالنسبة لهم عدم غسل اجسامهم حتى صار عدم الاستحمام بالماء شبه عادة لهم. وقد ادى ذلك إلى توسخ اجسامهم وظهور رائحة الوسخ منهم. ورد في حديث "عاثشة": "كان الناس يسكنون العالية فيحضرون الجمعة وبهم وسخ، فإذا اصابهم الروح سطعت ارواحهم، فيتأذى به الناس. فأثروا بالغسل". وكان منهم الفقراء من اهل الحضر كذلك، ممن لا يملكَون بيتاً ولا يجدون لهم مكاناً يغسلون اجسادهم فيه. وكان من بينهم عدد من الصحابة الفقراء.
وكانوا إذا ارادوا قضاء الحاجة دخلوا الخلاء". وهو موضع قضاء الحاجة. وتكون في بيوت الحضر. وقد تكون غرفة وقد تكون ستراً. ويستنجي بالماء إنْ وجد وبالحجارة، والنجو ما يخرج من البطن من ريح أو غائظ. وقيل العذرة نفسها. واستنجى مسح النجو أو غسله. وكانوا إذا ذهبوا في سفرهم للحاجة انطلقوا الى موضع يتوارون فيه عن أصحابهم. ليقضوا حاجتهم به. وربما تستروا بالهدف وفي حشائش النخل وبشجر الوادي. ويقال للكنيف المشرف في أعلى السطح المتصل بقناة إلى الأرض "الكرياس". أما إذا كان أسفل فليس بكرياس. وقد تكون للغرف "مراحيض". والكنيف المرحاض كأنه كنف في أستر النواحي.
وكانوا إذا أرادوا أن يبولوا ابتعدوا عن أصحابهم بعض الشيء ثم بالوا.
وأكثر ماس يبولون قعوداً. ولكنهم كانوا يبولون وقوفاً أيضاً، وهو في الأقل. وإذا أرادوا قضاء حاجتهم أو التبول لم يرفعوا ثوبهم بل جعلوه يتدلى حتى يدنو من الأرض، إلاّ من الأمام حيث يرتفع بعض الشيء، ويبعد من الخلف أو يرفع قليلا حتى لا يتأذى بالعذرة.
ويرى العرب أن ما بين السَرّة والركبة من الرجل عورة، لذلك يجب ستره.
والعورة السوأة من الرجل والمرأة. وكانوا يرون ظهورها عاراً أي مذمة. لذا حرصوا على انزال ثيابهم إلى الأرض لسترها قدر الامكان، وذلك عند قضاء الحاجة.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق