920
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل التاسع و الأربعون
الخمور
وفي مجتمعٍ الحياة فيه على وتيرة واحدة، والفراغ فيه أكثر من العمل، ومرافق اللهو والتسلية فيه قليلة أو معدومة، والفقر فيه أكثر من الغنى، وتشغيل الفكر. فيه محدود ضيق-في مجتمع كهذا المجتمع لا بد وان يقبل الناس فيه على قتل فراغهم بالبحث عن شيء ينسيهم فراغهم وفقرهم وشدة حاجتهم، ويلهيهم عن قساوة الطبيعة عليهم، ويبعث فيهم الأمل والطرب والنشوة، والشعور بأنهم سادة ملكوا الدنيا، وان كل واحد منهم هو "رب الخورنق والسدير"، فكان إقبالهم على الخمر شديداً، حتى أفرطوا في شربه وآذى بعضهم نفسه من شدة لا إقباله عليه، فصار آفة من الآفات، حتى ضحى شاربه بمركزه وماله في سبيله، فكان ذلك من عوامل تحريمه في الإسلام.
وقد كان الخمر من متع الحياة الثلاث بالنسبة للشباب. والمتع الثلاث: الخمر والقمار والنساء. فإذا أضيفت الشجاعة إليها صار الفتى من خيرة الفتيان، لذلك كان الشباب يفتخرون إذا جمعوا بين هذه المتع ويتباهون على غيرهم بها. وربما ارتكبوا المعاصي والمخالفات في سيبل الحصول على المال للأنفاق على متعهم هذه وعلى ملذاتهم وملاهيهم في هذه الحيان.
ومن أسماء الخمر: العقار، سُميت لمعاقرتها أي لملازمتها السنّ. والمعاقرة الإدمان ومعاقرة الخمر إدمان شربها. وقيل سميت عقاراً لأن أصحابها يعاقرونها أي يلازمونها أو لعقرها شاربها عن المشي، وقيل هي التي لا تلبث إن تُسكر.
والسكران نقيض الصاحي. والسكر حالة تعترض بين المرءِ وعقله. وأكثر ما يستعمل ذلك في الشراب المسكر. و "السكّير" الكثير السكر. و "المدمن" هو الملازم للشراب وغيره، لم يقلع عنه، فهو يلازمه ولا يقلع عن شربه أو شرب الخمر.
وقد أدمن كثير من أهل الجاهلية على شرب الخمر، وهلك قسم منهم بسببها. وقد حذر من ذلك الإسلام فورد: "مدمن الخمر كعابد الوثن"، و "لا يدخل الجنة مدن خمر" وعرف علماء اللغة "الخمر" بما أسكر من عصير العنب ومن عصير كل شيء يُسكر. ولما نزل الأمر بتحريم الخمر، كان شرابهم بالمدينة يومئذ الفضيخ، البُسْر والتمر في الغالب. غير إن الجاهلين كانوا يصنعون الخمر من أي شيء يقع في أيديهم مما يمكن تخميره للحصول على مادة مسكرة منه مثل الحبوب الأعشاب وغير ذلك، بل كان منهم من يخمر اللبن، ولا سيما للبان الإبل، الانتشاء بها. و "النشوة" السكر.
وكان أهل المدينة يسقون ضيوفهم شراباً من الفضيخ. فإذا جاءهم ضيف سقوه منه. كانوا يضعونه في قِلال وجِرار وهو خليط من بسر وتمر، ومن تمر وزهو. والزهو هو البسر اَلملون الذي ظهرت فيه الحمرة والصفرة، كما كانوا يصنعونها من خلط الزبيب والتمر أيضاً. وكانوا يجلسون مجلسهم، ويسقيهم أحد أبناء صاحب الدار أو خادم من خدمه، من قلال أو كؤوس يدرر بها عليهم قليلاً قليلاً.
واستخرج أهل اليمن من الشعر شراباً عرف عندهم باسم "المزر". وذكر إن "المزر" نبيذ الذرة والشعير والحنطة والحبوب، وقيل: نبيذ الذرة خاصة. وذكر أبو عبيد إن ابن عمر فسّر الأنبذة، فقال: البِتع نبيذ العسل، والجعة نبيذ الشعير، والمزر من الذرة، والسكر من التمر، والخمر من العنب. وورد إن أهل اليمن كانوا يتخذون شراباً مسكراً من القمح يستعينون به على برد بلادهم ويتقوّون به على عملهم. وقد منعوا عن ذلك في الإسلام حين. نزل الأمر بتحريم الخمور.
ومن الخمور نوع اشتهر في العراق باسم "الخمور الصريفية" نُسبت إلى قرية "صريفون" عند "عكبراء" في العراق، وإياها عنى الأعشى بقوله: وتجبى إليه السيلحون ودونـهـا صريفون في أنهارها والخَوَرْنَقُ
ووصف الأعشى في شعر آخر الخمر الصريفية فقال: تعاطي الضجيع إذا أقبلت بُعَيْدَ الرقاد وعند الوَسنْ
صريفيةّ طيبٌ طعمهـا لها زبد بين كـوُب ودن
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق