904
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل التاسع و الأربعون
الزواج
والزواج هو من أهم الأفراح في حياة الإنسان؛ وهو ما زال وسيبقى من أهم الأفراح في حياته، لما له من علاقة سعيدة به. ولهذا يحتفل الناس به عادة؛ بإقامة المآدب فيه وبدعوة ذوي القرابة والأصدقاء إليها لمشاركة الزوجين أفراحهما. وقد صنف "روبرتسن سمث" زواج العرب ثلاثة أصناف: زواج يكون في حدود القبيلة فلا يتعدّاه، ولا يسمح لرجال القبيلة ألا بالزواج من بنات القبيلة نفسها، وهو ما يسمى ب "Endogamous"، وزواج يفرض فيه على الرجل أن يتزوج امرأته من قبيلة أخرى، وهو ما يعرف ب "Exogamous" أي "زواج خارجي". وزواج يجمع الطريقتين المذكورتين، أي الزواج في داخل القبيلة والزواج من خارجهاا.
ويظهر من دراسة كل ما ورد في كتب أهل الأخبار وفي كتب التفسير والحديث عن الزواج والطلاق عند الجاهليين أن أهل الجاهلية لم يكونوا يسيرون على سنّة واحدة في عرف الزواج والطلاق، ولكن كانوا يسيرون على أعراف مختلفة اختلفت باختلاف الأماكن وباختلاف الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية واتصالها بالخارج. وقد وردت إلينا مسميّات بعض تلك الأنواع، مثال، "الخدن" و "المتعة" و "البدل" و "الشغار" و "البعولة" وزواج ذوات الرايات وغير ذلك مما ورد وصفه وشرحه، ولكنه لم ينعت باسم معين.
وأنواع الزواج هذه، ليست خاصةً بالجاهليين، وإنما هي معروفة عند غيرهم أيضأ، ولا سيما عند الشعوب السامية، وهي مراحل مرّ بها جميع البشر، ولا يزال الكثير منها قائماً في أنحاء متعددة من العالم. وهي في الغالب مرآة صافية الظروف التي يعيش فيها الناس. وبعض هذه الأنواع زناء معيب في عرفنا، غير أننا يجب أن نفكر دائماً إن أولئك القوم كانت لهم مقاييس دينية وخلقية خاصة بهم، وهي سليمة صحيحة بالقياس إليهم، وأنهم عاشوا قبل الإسلام وفي ظروف تختلف عن ظروفنا، وأن ما نسميه عيباً لم يكن عيباً بالقياس إلى المراحل التي كانوا فيها والى عرف ذلك العهد.
ويقال الرجل العزب الذي لا زوج له "الخالي"، قال امرؤ القيس: ألَمْ ترني أصْبي، على المرء عِرْسهَُ وامنعُ عِرسْي إن يزَن بها الخالي
وللرجولة عند العرب أثر بارز، لما، في طبيعة بلادهم من الحرّ وعدم وجود أمور مسلّية لديهم تصرف ذهنهم عن التفكر فيه وتلهيهم بعض الشيء عن العريزة الجنسية. ونجد في الأدب العربي شيئاً. كثيراً مما يتعلق بهذا الموضوع. وللغلمة المفرطة صار العربي مزواجاً، يتشبب بالنساء ويتغزل، والتشبيب من أمارات الرجولة عند الجاهليين.
ونجد في القصص المنسوب إلى الجاهليين وفي شعرهم في شيئاً كثيراً يتعلق بالحب: حب الرجل المرأة، وليس العكس، ذلك لأن في طبع الرجل التباهي والتفاخر بحبه النساء. أما المرأة فإن في طبعها الخجل الذي بمنعها من إظهار حبها وتعلقها برجل ما، ثم إن المجتمع لا يسمح لها بذلك، وهو يردعها عن أن تبوح بحبها لرجل ما، ويعد ذلك نوعاً من الخروج على الآداب العامة وجلب العار إلى البنت والى الأسرة. ويعبر عن النسيب بالنساء، أي يذكرهن في ابتداء القصائد، ب "التشبيب". ويعد ابتداء القصيدة بالتشبيب من العرف الجاهلي، ويقولون إن في ذلك ترقيقاً الشعر.
والنسيب في الشعر، التشبب بالمرأة والتغزل بها، وذلك في أول القصيدة، إذا ذكرها في شعره ووصفها بالجمال والصبا، ووصف أعضاء جسمها وغير ذلك. ثم يخرج الشاعر بعد ذلك إلى المديح. ويدخل في النسيب، ووصف مرابع الأحباب ومنازلهم واشتياق المحب إلى لقائهم ووصالهم وغير ذلك.
والغزل في نظر بعض العلماء كالتشبيب والنسيب، كلها بمعنى واحَد. وهو وصف الأعضاء الظاهرة من المحبوب، أو ذكر أيام الوصل والهجر أو نحو ذلك. وفرق بعض آخر بينها، بأن جعل التشبيب ذكر صفات المرأة وهو القسم الأول من النسيب، فلا يطلق التشييب على ذكر صفات الناسب ولا على غيره. والتغزل بمعنى النسيب ذكر الغزل. فالغزل غير التغزل، والنسيب والغزل في رأي بعض آخر هو الأفعال والأقوال والأحوال الجارية بين المحب والمحبوب. نفسها. وأما التشبيب فهو الإشادة بذكر المحبوب وصفاته وإشهار ذلك والتصريح به. وأما النسيب فذكر حال الناسب والمنسوب به والأمور الجارية بينهما. وقال بعض: الغزل إنما هو التصابي والاستهتار بمودّات النساء. والى غير ذلك من آراء لا صلة لها بهذا الموضوع.
والعادة أن يتغزل الرجل بامرأة فيجعلها بطلة غزله. يلف ويدور في غزله حولها ويلج ويلهج بذكرها. وقد يذكر اسمها وقد لا يذكره. وهي قد تكون امرأة حقاً، رآها الشاعر فأعجب بها، وقد لا تكون امرأة معينة خاصة، وإنما امرأة تخيلها ذهن الشاعر، فصار يتغزل. بها ويلهج بذكرها ويلج في إظهار وصفها وفصاتها وما قالت له وما قال لها إلى غير ذلك. وسبب ذلك هو أذواق أهل ذلك العهد، وعادتهم في وجوب الابتداء بالقصيدة بهذا النوع من المقدمات، حتى يكون شعراً رقيقاً مرموقاً، وقد أدى تغزل بعض الشعراء بنساء رجال معروفين. أو ببناتهم إلى وقوعهم في مهالك. ومن أمثلة ذلك ما زعم من تغزل "النابغة الذبياني" بالمتجردة زوج الملك. "النعمان بن المنذر"، وما كان من غضب الملك عليه وتهديده له بالقبل، مما اضطر النابغة إلى الهَرَب إلى الغساسنة أعداء النعمان، ليسلم بريشه من سيد الحيرة وما ورد في قصة الشاعر "طرفة بن العبد".
والطابع العام في هذا الغزل البراءة والعفة ونقاء الألفاظ المؤدّبة، لا يتطرق فيه الشاعر إلى ما وراء إظهار الوجد والحب والتلهف إلى زيارة معشوقته له، أو زيارته لها، وذكر الأيام الجميلة وأحلام الحب الصافية الخالصة النقية، وقلمّا نجد في الشعر الجاهلي إقذاعاً وفحشاً. فالشاعر متأدب في شعره، يعرف حدوده في الغزل فلا يتجاوزها، لأنه يعلم حقاً انه إذا ذكر الفحش في شعره وتعرض بامرأة معينة، فأصابها بسوء قول، فأنها لن تسكت عنه، واذا سكتت هي، فلن يفلت من عقاب أسرتها وآلها له. وقد يكون ذلك العقاب القتل.
وقد ضرب العرب المثل ببعض الرجال في شدة النكاح وكثرته. ومن هؤلاء "حوثرة" رجل من بني عبد القيس، ضربت به العرب المثل في ذلك فقالت "أنكح من حوثرة"، و "خوات بن جبير الأنصاري"، وكان. يأتي أحياء العرب يتطلب النساء، فإذا سئل عن حاجته قال: قد شرد لي بعير فخرجت في طلبه. وأدرك لم الإسلام، ورأى الرسول، فقال له: ما فعل بعيرك الشرود? فقال: أما منذ قيده الإسلام فلا. وكان يحسن الغناء. وكان إذا رأى النساء لبس حلته وجلس اليهن. وذُكر انه "صاحب ذات النحيين".
ويقال: "اغتلم الرجل" إذا هاج من الشهوة، وكذلك الجارية وفي الحديث: " خير النساء الغِلمةُ على زوجها". والغلمة: شهوة الضراب، "وفسره جماعة بالشبق واشتهاء الغلمان". و "الَشبق" شدة الغلمة وطلب النكاح، يقال: رجل شبق، وامرأة شبقة. وقد ذكر أهل الأخبار أسماء رجال عرفوا بالشبق والغلمة، ومن هؤلاء "ابن الغز". فذكر إن عبد الملك ابن مروان ذكر إياداً، فقال:" هم أخطب الناس لمكان قس، وأسخى الناس لمكان كعب، وأشعر الناس لمكان أبي دؤاد، وأنكح الناس لمكان ابن الغز".
وفي المثل: "أنكح من ابن الغز"، وهو من بني إياد، واسمه سعد أو عروة أو الحارث بن أشيم. وذكروا أنه كان نكّاحاً عظيم الأير، زعموا إن عروسه زفت إليه، فأصاب رأس أيره جنبها، فقالت: أتهددني بالركبة.
وقد عرف من يحب محادثة، النساء ومجالستهن ومخالطتهن ب، "الزير"، ومن هنا قيل: "زير نساء". وقد ذكر أهل الأخبار أسماء نفر من المشهورين بذلك.
ويقال لمن لا يأتي النساء عجزاً أو لا يريدهن "العنين". كما يقال المرأة التي لا تريد الرجال. ولا تشتهيهم "العنينة" على بعض الآراء. ويقال امرأة مساحقة. وامرأة سحاقة، لمن تشتهي النساء. ويقال إنها لفظة مولدة.
وقد عرف "التبتل" عند بعض الجاهليين، ممن تأثر بآراء الرهبان. ويراد به ترك النكاح والزهد فيه، ويكون ذلك الرجال كما يكون النساء. وتعرف المرأة المنقطعة عن الرجال ب "البتول". وقد نهى الرسول "عثمان بن مظعون" عن التبتل. وورد في الحديث: "لا رهبانية ولا تبتل في الإسلام". ويقال لمن لم يأت النساء ولم يتزوج "الصارور". و "الصارورة"، المتبتلة، فلم تتزوج ولم تتصل برجل. ومن ذلك: "لا صرورة في الإسلام". و "الصرورة" عند الجاهليين أرفع الناس في مراتب العبادة، وقد أطلقت على الراهب المتعبد، كما جاء ذلك في شعر "ربيعة بن مقروم" الضبي، من مخضرمي الجاهلية والإسلام: لو أنها عَرَضت لاشمط راهب عبد الإله صرورةّ متبـتـل
لدنا لبهجتها وحسن حديثـهـا ولهم من تاموره بـتـنـزلِ
وقد عيب العازف عن اللهو والنساء، والذي لا يطرب للهّو ويبعد عنه. ولا يقرب النساء، ولا يحدثهن ولا يريدهن ولا يلهو. فإن مثل هذا الرجل هو كالحجر الصلد الجلمد، وفيه غفلة. ويقال له "العزهاة".
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق