897
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل التاسع و الأربعون
اللحية
ومن الرجولة الشجاعة والأقدام وعدم المبالاة والمحافظة على مقومات الرجل وما منحته الطبيعة إياه من ملامح ميزته عن المرأة، وأهمها: اللحى. فاللحية عند العرب رمز الرجولة وزينتها وسيماء تكريم الرجل وتقديره. وإهانة اللحية عند العرب وعند الساميين هي من اعظم الإهانات التي لا تغتفر، وتقبيلها عندهم من علامات التقدير والاحترام والاجلال. ويعد نتف اللحية أو جزها أو حلقها إهانة كبيرة تنزل بصاحبها. يفعلها من يريد الازدراء بشأن الملتحي، ويعد عدم الاكتراث بتسوية اللحية من سيماء الحزن أو الغيظ أو المرض أو الارتباك وتضعضع الحال. وفي في التوراة إن في جملة الإهانات التي تلحق بالناس حلق أنصاف لحاهم. ويقسم باللحية، ويعدّ القسم بها من الإيمان المغلظة. يمسك بها الحالف بيده اليمنى فيحلف في انه لا يكذب أو انه سيفعل، أو-ما شابه ذلك. ولكن العادة إن الحلف بها يكون بإمساكها باليد، وإذا مدّ غريب يده على لحية رجل اكبر منه في المنزلة وللدرجة وأقسم بها أو استجار بها، وجب على صاحبها الأخذ بقسمه والاهتمام بأمره ومساعدته. وقد يمسك غريب محتاج أو مطارد بلحية سيد قبيلة أو شريف قوم، ويبين له انه في حماه ومنعته، وعلى الرجل بذل الحماية والمنعة له.
والعربي يكرم لحيته، ولا يحلقها، وتكون لحيته مدببة في الغالب على نمط اللحى الفرنسية. ويصرف بعض الوقت لإصلاحها حتى لا تكون متناثرة بشعة، وقد يعير الإنسان بلحيته، فيقال: له لحية تيس. وتنسب عادة إكرام اللحى إلى سنن إبراهيم. وقد تكون اللحية كثة كبيرة منتظمة. ويقال للرجل ذي اللحية الطويلة: "اللحياني" و "رجل لحيان".
ويحلف العربي بشاربه، فإذا أراد إعطاء عهد أو جوار أو أي عهد آخر واقسم بشاربه، وجب عليه الوفاء بعهده. ومن عادة العرب تخْيف الشارب، وقد تحف وتنسب هذه العادة إلى سنن إبراهيم، ومن السنن الأخرى تقليم الأظافر وحلق العانة. وذكر إن الرسول كان يقصى شاربه وأنه قال: قصوا الشوارب وأرخوا اللحى وخالفوا المجوس. وورد انه قال: "خالفوا المشركين ووفرو اللحى وأحفوا الشوارب".
ويعدّ قص الشارب من "الفطرة". وهي عشرة أو خمسة أمور. يذكرون إنها من سنن "إبراهيم ومن "تبعه من العرب. وفي جملتها الختان.
ويذكر العلماء إن الله ابتلى "إبراهيم" بسنن الفطرة، وهي التي ذُكرت في للقرآن في قوله تعالى: )وإذِ ابتلى إبراهيمَ رَبُّهُ بكلمات فأتَمَّهنّ"، وهي الكلمات العشر: خمس في الرأس، وخمس في الجسد. فأما اًلتي في الرأس فالمضمضة والاستنشاق وقصّ الشارب والفرق والسواك. وأما التي في الجسد فالاستنجاء وتقليم الأظافر ونتف الإبظ وحلق العانة والختان. فلماّ جاء. الإسلام، قررها سنة من السنن.
والعرب من أصحاب الشعور السوداء. وهم مثل غيرهم يفاخرون بشعر رئسهم، ويتركونه ينمو ولا يحلقونه على نهو ما كان يفعل اليهود والمصريون. وكانوا يدهنونه؛ ويمشطونه بالمشط، ويتركونه يتدلى على المنكبين. وقد يضفرونه ضفائر. ومنهم من يضفره ضفيرتين يجعلهما تتدليان على جانبي الوجه. وذكر إن العرب تسمي الخصلة من الشعر أو الضفيرة قرناً. ولهذا عرف "المنذر ابن ماء السماء" جدّ "النعمان بق المنذر" ب "ذي القرنين" لضفيرتين كانتا في قرني رأسه. والعرب تكني عن العربيّ بالجعد وعن العجمي بالسبط. والجعد من الشعر خلاف السبط، أو هو القصير منه. وهم يعن بذلك إن سبوطه الشعر هي الغالبة على شعور العجم من الروم والفرس، وجعودة الشعر هي الغالبة. علي شعور العرب. وكانوا إذا. قالوا رجلاً جداً عنوا رجلاً كريماً، كناية عن كونه عربياً سخيّاً، لأن العرب موصوفون بالجعودة. وقد يقصدون بذلك رجلا بخيلا لئيماً، فهو من الأضداد. وذكر إن العرب تقول: رجلاً جعداً، إذا كان قصيراً متردد الخلق. وإذا قالت جعد السبوطة، فإنها تريد بذلك المدح، إلا لن يكون مفلفلاً كشعر الزنج والنوبة، فهو حينئذ ذم
وكان الرسول يسدل شعره، ثم فرقه. والفرق إن بجعل شعره فرقتين كل فرقة ذؤابة. والسدل إن يسدله من ورائه ولا يجعله فرقتين. وذكر انه كان يضفره غدائر، والغدائر الضفائر،. وكان إذا طال شعره جعله غدائر أربعاً. وكان يكثر دهن رأسه ولحيته ويكثر القناع كأن ثوبه ثوب زَيّات. وكان يحب لترجّل، وكان يرجل نفسه تارة وترجله عائشة تارة. وترجيل الشعر تسريحه. وقد تقوم به المرأة. ويكون دلك بالمشط. قال امرىء القيس: كأن دماء الهاديات بنحـره عصارة حَنّاء بشيب مرجّل
والعرب عادات بالنسبة إلى شعرهم. فهم إذا غضبوا وأرادوا الأخذ بالثأر، لم يغسلوا شعورهم وتركوا تدهينها حتى يأخذوا بثأرهم. كالذي رووه من قصة امرىء القيس، حينما جاءه خبر مقتل والده. وهم إذا أرادوا إذلال رجل وأهانته كإذلال سيد قبيلة أو شريف قوم سقط أسيراً، وأرادوا الإمعان في إذلاله جزّوا ناصيته وتركوه يذهب فذلك عندهم شرّ إذلال. والناصية مقدم الرأس.
ويستوي الرجل والمرأة في دهن شعر الرأس. ولا زال الأعراب يدهنون شعورهم على الطريقة القديمة. ويستعمل أغنياؤهم الدهون الجيدة المستوردة من الخارج. مثل "الزيت" المطيب بالعطور وبأنواع الطيب، يدهنون به شعورهم ولحاهم في أيام الأفراح بصورة خاصة وفي الأعياد. وكان الرومان واليونان يدهنون الجسم كله بالزيت. ويعدّ دهن شعر الرأس من علامات الفرح والسرور، وتركه من علامات الغم والحزن. وقد كان الصحابة يطلون شعر رأسهم ولحيتهم بالدهن ليزيلوا شعث رؤوسهم ولحاهم به.
ويضفر شعر الأولاد والبنات ضفائر، تتدلى على جاني الوجه ومؤخرة الرأس. وأما الرجال، فكان منهم من يضفر شعر رأسه ضفيرتين يتركهما تتدليان على جاني وجهه، ومنهم من يضفره جملة ضفائر، قد تبلغ سبعاً. وعادة ضفر شعر الرأس سبع ضفائر عابرة معروفة عند غير العرب أيضاً. وكان شعر "شمشون" المشهور مضفوراً في سبع خصل. ولا زال الأعراب يضفرون شعورهم. ويقال للضفيرة "الذؤابة". والذؤابتان اللتان تسقطان على الصدر. ويقال لهما "غديرتان". وكل عقيصة غديرة: قال امرؤ القيس: غدائره مستشزرات إلى العـلـى تضل العقاصي في مثنىّ ومرسل
ولما قدم "ضِام بن ثعلبة" من "بني سعد" على الرسول، كان رجلاً جلداً أشعر ذا غديرتين. فلما ولى قال رسول الله: إن صدق ذو العقيصتين. ويقال لهما "القرنين" كذلك. والعرب تسمي الخصلة من الشعر القرن. والقرن الذؤابة عامة. ومنه: الروم ذات القرون، لطول ذوائبهم.
وهم مثل غيرهم من الناس يعتبرون.الشعر الأشيب إكليل مجد الشيخ، والشعر الأبيض رمزاً الحكمة والجلالة. وذلك بسبب إن تقدم العمر بالإنسان يكسبه خبرة وحكمة، لما يراه في حياته من تجارب وعظات. لذلك أقاموا للسن وزناً كبيراً في أخذ الرأي وفي التقدم في الدخول وفي الجلوس في المجالس.
ولم يكن شيوخ الجاهلية وشيبها أقل عناية بمظهرهم وبمرآهم من شيوخ هذا اليوم وشيبه، فحاولوا ما قدروا إخفاء شيبهم واطفاء لعب الزمان بشعرهم وبأوجههم بمختلف الوسائل والسبل، ومنها إخفاء الشيب بصبغه وباستعمال الخضاب، وبعضه أسود، كما خضبوا بالعِظْلم وبالحنّاءْ. وصبغوا لحاهم. ولم يهملوا العيون، فاكتحلوا لتظهر براقة مؤثرة. ولا تزال "الوسمة"، وهي خضاب أسود معروف، ويستعملها بعضن الناس اليوم.
وذكر بعض علماء اللغة إن الخضاب، اخفاء الشيب بالحنّاء.، وإذا كان بغير الحناء قيل: صبغ شعره، ولا يقال. خضبه. وذكر آخر إن أول من خضب بالسواد من العرب "عبد المطلب". وقد تعلمه من أهل اليمن. إذْ كان قد زارهم فوجد شِيبهم يخضبون شعورهم بالسواد، فأعطوه خضاب، فجاء إلى مكة، وعنه شاع الخضاب بين أهلها.
وقد استعملوا الزعفران في صبغ لحاهم وشعورهم. واستعملوا لون الزعفران في صبغ ثيابهم أيضاً. وذلك لغلاء ثمن "الزعفران" الطبيعي. كما استعمل "العصفر" في الصبغ، وهو من نبات ينبت في جزيرة العرب، إذا صبغ الثوب به قيل: عصفر الثوب به. كما استعملوا "الكتم" في تخصيب الشعر. وهو نبت يخلط بالحنّاء ويخضب بالشعر فيبقى لونه. وقد أشار إليه "أمية بن أبي الصلت" بقوله: وسوّدت شمسهم إذا طلعت بالجلب هفاً كأنه كـتـم
والمكتومة: دهن من أدهان العرب أحمر، يجعل فيه الزعفران أو الكتم. وطبخوا الكم بالماء واستخرجوا منه مداداً الكتابة.
ويكون الخضاب بالحناّء، كما يكون بالحناء والكتم، كما ذكرت، وقد يكون بالحناء والوسمة. وتجعل الوسمة الشعر أسود فاحماً. وكل هذه من النباتات التي تنبت في الحجاز وفي اليمن وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب. وقد استعملوا "السواد" ويكون بالوسمة في الغالب لتسويد شعر الجارية والمرأة الكبيرة والشيخ للغش والتدليس، حتى إذا جاء سيّد لشراء جارية ظن أن شعرها على هذه الصورة من السواد، أو جاء رجل يطلب المرأة الكبيرة ظن أنها أصغر من عمرها، أو عرض الرجل الشيخ نفسه الزواج، ظهر أصغر من عمره. ونظراً إلى ما في هذا العمل من غش نهي عنه في الإسلام.
وخوفاً من أن يقملوا لبّدوا شعر رؤوسهم بالخطمي والصبغ. وقد عرف من يفعل ذلك ب "الملبد". وقيل: إن "الملبد " المحرم، الذي لبد شعره حتى لا يقمل، إذا دخله الغبار بعد العرق. وقد كان القمل قد عشش في آباط كثير من الناس، لا سيما الفقراء والأعراب منهم. وفي شعر رؤوسهم وفي المواضع المشعرة من أجسامهم، نظراً لسوء وضعهم من الناحية الاقتصادية وفقرهم: وعدم تمكنهم من غسل أجسامهم. وقد أشير إلى القمل والتلبيد في الشعر. ذكر أن القمل كان يتهافت من رأس "كعب بن عجوة بن عديّ" على وجهه، وكان محرماً، فرآه الرسول، فأمره أن يحلق رأسه وأن يطعم فرقا بين ستة مساكين.
وذكر أن التلبيد، أن يأخذ شيئاً من خطمى وآسّ وسدر، وشيئاً من صمغ، فيجعله في أصول شعره وعلى رأسه، كي يتلبد شعره ولا يعرق ويدخله الغبار، فيخمّ ويقمل.
وتطيّب الرجال بالطيب، ودهنوا شعورهم بالدهن المطيب. وكانوا يتطيبون إذا ذهبوا إلى زيارة بيت، وفي المجتمعات العامة كالمواسم والأفراح. وللرجال طيب يختلف عن طيب النساء.
وقد يرقن الرجل كما ترقن المرأة بالحناء وبالزعفران. يقال: أرقن الرجل لحيته ورقنها، أي خضبها بالحناء وبالزعفران. قال الشاعر: ومسمعة إذا ما شئت غنت مضمخة الترائب بالرقان
والرقان والرقون الحناء والزعفران.
ويكثر العرب من حمل "العصا" معهم. إذ هي ضرورة بالنسبة لحياتهم. يستعينون بها في طرد الكلاب عنهم، ورد الحيوانات المتوحشة التي قد تصادفهم، كما يستعملونها في ضرب إبلهم حتى تطيع أوامرهم. حتى أنهم جعلوا العصا رمزاً لأمور عديدة. منها الطاعة والجماعة. ومنها "شق العصا" بمعنى مخالفة الجماعة. والعصا الجماعة. ومنها "القى المسافر عصاه"، أي بلغ موضعه وأقام. وضرب مثلا لكل من وافقه شيء فأقام عليه. ومنها "هو لين العصا"، أي رقيق لين حسن السياسة، و "هو ضعيف العصا"، أي قليل ضرب الإبل. و "إن العصا من العصية"، يقال ذلك إذا شبه بأبيه، أي: إن بعض الأمر من بعض.
كما حملوا القضب، وهي من علائم السلطة والقوة والحكم والنفوذ عندهم. وقد ورد في خبر أرسال رسول الله "عباس بن أبي ربيعة المخزومي" إلى "الحارث" و "مسروح" و "نعيم" بني عبد كلال من حمير، انهم كانوا يحملون قضباً معهم. وهي من الأثل:. قضيب ملمعّ ببياض وصفرة وقضيب ذو غُجرَ وكأنه خيزران، وقضيب أسود بهم كأنه من ساسم. وكان أحدهم إذا جلس وفكر في أمره، أو أراد الإجابة على سؤال يحتاج إلى عمل روية نَكَسَث الأرض بالقضيب الذي يحمله بيده.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق