895
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل التاسع و الأربعون
الحياة اليومية
لا نستطيع إن نتصور وجود حياة يومية صاخبة أو متغيرة عند أهل الوبر، فحياة البادية في غاية البساطة ساذجة إلى أقصى حدّ من السذاجة. تذهب وتأتي على وتيرة واحدة ونمط واحد. فليس للرجل في البادية من عمل سوى رعي الإبل والإشراف عليها. وهو عمل لا يستوجب مجهوداً ولا يتطلب بذل طاقة، لذلك يعهد به إلى الأحداث في الغالب، أما الرجال، فليس لهم عمل مهم يذكر. لذلك يقضون معظم وقتهم جلوساً بغير عمل، أو في التحدث بعضهم إلى بعض. وحياة على هذا النحو تجعل الإنسان على الكسل والخمول. فصار الأعرابي خاملا كسولا على صحة جسمه وتوقد ذهنه وذكائه. يحسن الكلام و يجيد تنميق الحديث ويتلاعب في كلامه وفي أيجاد معان وحيل ومخارج له، ويسترسل في الخيال وفي التصور وفي شعوره الذي سبكه وصاغه في كلام موزون منظوم مقفىّ، وفي كلام مسترسل غير مقفى، وفي كل حرفة لسانية، أو تعبير عن شعور ذاتي صاحب والبطولة وما شاكل ذلك مما لا يحتاج إلى مجهود و عمل. أما النواحي العملية من الحياة، من نواحي التي تحتاج إلى جهد وعمل، فقد ترك أمرها لغيره، بل ازدراها وازدرى شأن من يعمل بها، واحتقر الحرف والصناعات، لأنها من عمل الأعاجم والعبيد. ورأى إن من العار إن يصاهر أهل الصناعات والحرف والزراعة، لأنهم دونه في المنزلة بكثير. وهو غير ملوم على نظرته هذه إلى العمل البدوي المجهد، فالإنسان عدوّ ما جهل معظم لما يكون عنده؛ كاره لما لا يملكه ويكون عند غيره. فقد حرمته الطبيعة من كل ما يحمله على بذل الجهد للاشتغال في صناعة أو حرفة أو زراعة، ولم تهيئ له البذور والمواد اللازمة لاقامتها، لذلك جهلها فحاربها وازدراها وازدرى شأن من يشتغل بها. كما سأتحدث عن ذلك في المواضع المناسبة لهذا البحث.
والبادية ارضون واسعة شاسعة جرداء في اغلب أيام السنة، خلا مواسم نزول الغيث وهي قليلة، وقد تنحبس. إذا أمطرت السماء ظهر "الربيع"، فتفرح الأرض وتكسى بخضرة تتخلها أوراد وأزهار وشقائق، ويضحك عندئذ وجهها، بعد يبوس و عبوس، ضحكاً يفهم الإنسان الحضري عندئذ سرّ تعلق الأعرابي بباديته. ففي البادية على ما فيها من شقاء وجفاف و يبوسة؛ سحر ينسي الإنسان صعوبة الحياة، وحلاوة تنسيه مرارة الأيام القاسية التي يعيشها البدوي في باديته. بعيداً عن الحضر وعن المجتمع المتكثف في مستوطنة أو قرية أو مدينة، بل بعيداً حتى عن أبناء عشيرته فمن طبيعة الصحراء إن قلبها لا يتقبل المجتمعات الكبيرة، بل يفضل المجتمعات الصغيرة المتناثرة. فصارت البيوت فيها متباعدة منتشرة هنا وهناك انتشار النجوم في السماء. كل بيت مسؤول عن حماية نفسه وعن وقاية أفراده من أذى الإنسان والحيوان، وعن حماية جاره وذوي رحمه وأبناء عشيرته. لأنه إن لم يفعل ذلك، لم بجد من يدافع عنه أيام الشدة والعناء، حتى صار الجار عنده بمنزلة الأهل والدار.
وحياة من هذا النوع هي حياة لا بد وأن تصير بسيطة جداً ساذجة إلى أقصى حدود السذاجة. أحاديثها اليومية تكرار واعادة، و أحاسيسها نسخة لأحاسيس اليوم الماضي و الأيام السابقة. وافق التفكير فيها محدود ضيق إذ لا مجال فيها للفكر إن يتفتق وأن يتفتح ويتوسع. ومن هنا طبعت الحياة العقلية والاجتماعية بطابع الفطرة والبساطة. وهي لا يمكن إلا إن تكون كذلك. وكيف تريد منها إن تكون غير ذلك، ومحيطها وظروفها هي على هذا النحو من الحدود والقيود!
وفي وسع الرجل بفضل ما أوتي من قوة ومن يسطة في الجسم، قطع المسافات لزيارة الأقارب والجيران، لقتل الوقت بالكلام معهم، أو للتحدث عن غزو سابق أو عن شؤون سيد القبيلة أو عن أشراف العشيرة أو للخروج إلى صيد لاصطياد ما قد بحده من حيوان مسكين، حَتَّم عليه سوء طالعه إن يولد في هذه الأرض الفقرة، فهو مثل الإنسان تائه بهذه الحياة في هذه البادية الواسعة المكشوفة الشحيحة، يشكو إلى خالقه من ظلم طبيعةٍ أنبتته في هذه الأرض الفقيرة، على حين زرعت غيره في غابات كثيفة ذات ظروف حياتية غنية، فيها من المأكول أشكال و ألون. يينما هو لا يكاد يجد أمامه شيئاً، حتى إذا اشتد عوده. واستوى، وقع في قبضة أناس جائعين، لا يقل جوعهم عن جوعه، فلا يخرج من قبضتهم أبدا. يتلذذون في أكله شواء، ويتحدثون عن صيدهم ويفتخرون به. وقد يكون الصيد ظبياً أو ضباً أو يربوعاً. ويفخرون بصيدهم لأنهم محرومون من اللحم، وكل ما تقع عليه عين المحروم من الأكل، هو أكل لذيذ دسم في نطر المحروم.
أما الأطفال فهم أطفال أينما وجدوا. لا يعرفون من أسرار الحياة وعنائها وشقائها شيئاً. همهم اللعب، يلعب الذكور مع الإناث، الأخوة مع الأخوات، فهم أطفال البيوت. وقد يلعب معهم أطفال جيرانهم، إذا كانت البيوت متقاربة. يلعبون ألعابا، هي من نتاج طبيعة أرضهم و محيطهم. لا يعبأون بحرّ ولا برد، ولا بريح أو بأشعة شمس محرقة وما الذي يفعلونه تجاه طبيعة قوية قهارة لم. تعطهم إمكانيات بناء بيوت من مدر يأوون إليها لحماية أنفسهم من أشعة الشمس لهم على الأقل. و إنما مكنت آباءَهم من صنع بيوت من وبر أو صوف أو شعر معز قد تقيهم من الأشعة بعض الوقاية، بأن تمنحهم شيئاً من ظل. ولكنها عاجزة عن حمايتهم من البرد ومن الحر ومن الغيث إذا نزل عليهم مدراراً. لا سيما إذا طال عهد هذه البيوت ولعب بها العمر، وصارت مهلهة بالية، ذات جيوب وشقوق كالغراببل، تعبث بها الرياح ساخرة من جهل هذا الإنسان القانع الراضي بحياته هذه على ما فيها من شظف وعسر و فقر، بينما هناك مجال واسع له لتحسين حاله، لو حرك نفسه واستخدم عقله وذراعه لتسخير الطبيعة في خدمته، لتحسين وضعه والترفيه عن نفسه ولو إلى حد.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق