1395
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الثاني والسبعون
الحج والعمرة
الحمس والطلس والحلة
هذا وقد نزل الوحي بتنظيم الحج وفق مبادىء الإسلام، فاباح للحجاج ما كانت الحمس حرمته على نفسها من طعام الحج إلا طعام أحمسى، على نحو ما ذكرت قبل قليل. وما ذكر من ان قوماً كانوا. قد حرًموا على أنفسهم ما يخرج من الشاة لبنها وسمنها ولحمها، اذا حجوا أو اعتمروا. كما نزل بوجوب ستر العورة ولبس الإحرام في الحج، وذلك بالنسبة إلى المحلّين، وأغلبهم من الأعراب ومن الفقراء، حيث كانوا يطوفون عراة، وفي ضمنهم النساء. فنزل الوحي به: ) يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، انه لا يحب المسرفين(. ونهوا عن ذلكْ. وذكر عن أبي هريرة انه قال: " بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمره عليها رسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر، لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ".
كما نزل الوحي بجواز دخول الحجاج بيوتهم وخيامهم وما يأوون اليه من بيوتها، من أبوابها، لا كما كان يفعل بعضهم في الجاهلية وفي أول الإسلام، من انه اذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطاً ولا بيتاً ولا داراً من بابه، فإن كان من أهل المدن نقب نقباً في ظهر بيته منه يدخل ويخرج أو يتخذ سلماً فيصعد فيه،وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل من الباب حتى يحل من احرامه ويرون ذلك ذماً، إلا ان يكون من الحمس. وهم: قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وخثعم وبنو عامر بن صعصعة، وبنو النضر بن معاوية. نزل الوحي بذلك في الاية: )وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها، و لكن البر من اتقى، وأتوا البيوت من أبوابها، و اتقوا الله لعلكم تفلحون(.
وقد ذهب بعض أهل الأخبار والسير إلى ان الآية المذكورة، نزلت في أمر الحمس،" لأن الحمس لا يدخلون تحت سقف ولا يحول بينهم وبين السماء عتبة باب ولا غيرها، فان احتاج أحدهم الى حاجة في داره تسنم البيت من ظهره، ولم يدخل من الباب". وذهب المفسرون إلى انها نزلت في الأنصار، فقد كانوا اذا حجّوا فجاءوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل فدخل من قبل بابه، فكأنه عير بذلك، فنزلت هذه الآية. وورد: "كانت قريش تدعى الحمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الاحرام،وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الاحرام، فبينما رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، في بستان، إذ خرج من بابه وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري، فقالوا: يا رسول الله: إن قطبة بن عامر رجل فاجر، وانه خرج معك من الباب فقال له: ما حملك على ما صنعت ? قال: فإنّ ديني دينك ! فأنزل الله: )وليس البر بأن تاًتوا البيوت من ظهورها (. وقد أغفلت بعض الروايات اسم من كان لا يدخل البيوت من أبوابها، بأن قالت: " كان أهل الجاهلية يأتون البيوت من ظهورها ويرونه براً "، أو "، كانوا في الجاهلية اذا أحرموا أتوا البيوت من ظهورها، ولم يأتوا من أبوابها"، أو " إن ناساً كانوا اذا أحرموا لم يدخلوا حائطا من بابه ولا داراً من بابها أو بيتاً"، أو " كان ناس من أهل الحجاز، اذا أحرموا لم يدخلوا من أبواب بيوتهم ودخلوها من ظهورها "، وذكر ان من كان يفعل ذلك، فانما يفعله،لأنهم كانوا يتحرجون من ان يكون بينهم وبين السماء حائل.
وقد جعل "اليعقوبي" العرب في الجاهلية على دينين: دين الحمس ودين الحلة. وذلك بالنسبة للمشركين. وذكَر ان منهم من دخل في دين اليهودية وفي النصرانية، ومنهم من تزندق وقال بالثنوية، وبهذه الفرق حصر "اليعقوبي" أديان أهل الجاهلية. إذ قال: " فهاتان الشريعتان اللتان كانت العرب عليهما. ثم دخل قوم من العرب في دين اليهود، وفارقوا هذا الدين. ودخل آخرون في النصرانية، وتزندق منهم قوم، فقالوا بالثنوية".
والتعميم الذي يطلقه "اليعقوبي" وبقية المؤرخين والأخباريين في قولهم "وكانت العرب في أديانهم"، لا يمكن التسليم به، إلا بالنسبة لأهل مكة ولمن كان يقصدهم من العرب. أما بالنسبة لجميع العرب، فهذا ما لا يمكن التسليم به.
وأما "الطلس"، فقد وصفهم "محمد بن حبيب" بقوله إنهم: "بين الحلة والحمس: يصنعون في إحرامهم ما يصنع الحلة، ويصنعون في ثيابهم ودخولهم البيت ما يصنع الحمس. وكانوا لا يتعرون حول الكعبة، ولا يستعيرون ثياياً، وبدخلون البيت من أبوابها، وكانوا. لا يثدون بناتهم، وكانوا يقفون مع الحلة ويصنعون ما يصنعون". وهم سائر أهل اليمن، وأهل حضرموت، وعك وعجيب، وإياد بن نزار.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق