إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 22 يناير 2016

1385 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الثاني والسبعون الحج والعمرة


1385

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
       
الفصل الثاني والسبعون

الحج والعمرة

وقد ذهب "ولهوزن" وجماعة آخرون من المستشرقين إلى تعدد بيوت الأرباب التي كان يحج اليها الجاهليون في شهر "ذي الحجة" والى عدم حصر الحج عند الجاهلين بموضع واحد. ومعنى هذا أن حج أهل الجاهلية لم يكن إلى "مكة" وحدها، بل كان الى جهات عديدة أخرى. بحيث حج كل قوم الى "البيت" الذي قدسوه وكانوا يتقربون اليه ووضعوا أصنامهم فيه. ويتفق هذا الرأي مع ما يراه أهل الأخبار من وجود بيوت للاصنام، وكان الناس يزورونها ويتقربون اليها ويذبحون عند أصنامها ويطوفون حولها ويلبّون تلبية الصنم الذي يطوفون حوله. والحج إلى مكة والى البيوت المقدسة الأخرى، مثل بيت اللات في الطائف وبيت العزُى على مقربة من عرفات وبيت مناة وبيت ذي الخلصة وبيت نجران وبقية البيوت الجاهلية المعظمة، إنما هو أعياد يجتمع للناس فيها للاحتفال معاً بتلك الايام وهم بذلك يدخلون السرور على أنفسهم وعلى أنفس آلهتهم بحسب اعتقادهم وتقترن هذه الاحتفالات بذبح الحيوانات، كل يذبح على قدر طاقته ومكاته، فيأكل منها في ذلك اليوم من لم يتمكن من الحصول على اللحم في اثناء السنة لفقره، فهي أيام يجد فيها الفقراء لذة ومتعة وعبادة.

ويذكر أهل الأخبار أن الحج إلى مكة كان في الجاهلية كذلك، وأن الجاهليين كانوا يحجون إلى البيت منذ يوم تأسيسه، وأنهم كانوا يقصدون مكة أفواجاً من كل مكان. وأن ملوكَهم كانوا يتقربون إلى "بيت الله" بالهدايا والنذور، وان منهم من حج اليه. وأن الناس كانوا يقسمون بالبيت الحرام لما له من مكانة في نفوس جميع الجاهليين.

غير اننا في نجد روايات بعض أهل الأخبار ما ينافي تعظيم كل العرب للبيت وحًجهم اليه واحترامهم للحرم وللاشهر الحرم. فقد ورد ان من العرب من "كان لا يرعى للحرم ولا للاشهر الحرام حرمه"، ومنهم "خثعم" و "طيء"، وأحياء من قضاعة ويشكر والحارث بن كعب. وورد ان ذؤبان العرب وصعاليكها وأصحاب التطاول، كانوا لا.يؤمنون على الحرم، ولا يرون للحرم حرمة، ولا للشهر الحرام قدراً. وقد كانوا خطراً يهدد البيت وأهله لذلك، ألف "هاشم" بن قريش وسادات القبائل ألفة ليحمي بهم البيت. قال "الجاحظ" في تفسيره للإيلاف: وقد فسره قوم بغير ذلك. قالوا: إن هاشماً جعل على رؤوس القبائل ضرائب يؤدونها اليه ليحمي بها أهل مكة. فإن ذؤبان العرب وصعاليك الأحياء وأصحاب التطاول كانوا لا يؤمنون على الحرم، لا سيما وناس من العرب كانوا لا يرون للحرم حرمة ولا للشهر الحرام قدراً، مثل طيء وخثعم وقضاعة وبعض بني الحارث بن كعب. ورؤوس القبائل الذين جعل هاشم عليهم ضرائب يؤدونها اليه ليحمي بها أهل مكة، هم رؤساء مكة بلا شك، ومن كانت له مصلحة تجارية مباشرة بمكة، فكان ياخذ من هؤلاء ما يأخذه ثم يجمعه ويعطيه إلى " إلمؤلفة قلوبهم" من سادات القبائل النازلين حول مكة وعلى مقربة منها، كما ألف بين مكة وبين سادات القبائل الذين تمر قوافل مكة بأرضهم في طريقها الى الشام او العراق أواليمن، بروابط "الإيلاف"، أي العقود التي عقدها معهم " باعطائهم جعلا معيناً، أو حقوقاً تبين وتكتب، أو ربحاً يدفع مع رؤوس المال عن البضائع التي تدفع لقريش، لتقوم قوافلها ببيعها في الأسواق. وبذلك أمنت مكة وسلمت تجارتها، ودانت بعض القبائل بدين قريش في الأشهر الحرم، لما فيها من فائدة ومنفعة مادية بينة ظاهرة: فاحترمتها، وبهذا أمن الحج واستراح التجار من قريش ومن غيرهم في ذهابهم بحرية وبأمان في هذه الشهور إلى الأسواق وليست لدينا ويا للاسف أخبار مدوّنة عن مناسك الحج وشعائره عند الجاهليين. لعدم ورود شيء من ذلك في النصوص الواردة إلينا، ما خلا الحج إلى "بيت الله الحرام" بمكة، حيث حفظت الموارد الإسلامية لنا شيئاً من ذلك، بسبب فرض الحج في الإسلام، واقرار الإسلام لبعض شعائره التي لم تتعارض مع مبادئه ولولا ذلك لما عرفا شيئاً عن الحج إلى مكة عند الجاهليين. ولهذا فسأقتصر في كلامي هنا على الحج إلى مكة فقط. إلا إذا وجدت خبراً أو نصاً عن حج غير أهل مكة من الجاهليين إلى مكة أو إلى بيوت أخرى فسأتكلم عنه حينئذ.

ويظهر من غربلة ما جاء في روايات أهل الأخبار عن "حج البيت"، أن مناسك الحج لم تكن واحدهَ بالنسبة للحجاج، بل كانت تختلف باختلاف القبائل.

 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق