1025
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الثالث والخمسون
حقوق الملوك وحقوق سادات القبائل
العلاقات الخارجية
لم تصل الينا حتى الآن نصوص في أصول آداب السلوك بالنسبة للعلاقات الخارجية بين الدول،أي علاقات ما بين حكومات الدول العربية والدول الأجنبية.
ولا نعرف لذلك طرق العرف السياسي الذي كان متبعاً عندهم فيَ استقبال "الرسل" و الوفود" الذين كانوا يفدون على قصور الملوك بأمر من ساداتهم ملوك الحكومات الأجنبية من أعاجم وعرب. ولكننا نستطيع ان نقول قياساً على المألوف عند العرب، انهم كانوا يبالغون في إكرامهم وفي ضيافتهم، وفقاً للتقاليد العربية ولظروفهم وامكانياتهم المحلية. وكانوا يستمعون بإنصات إلى كلامهم، ثم يردون عليهم رداً جميلاّ، إن حاز كلامهم موقعاً حسناً في نفوس الملوك، ورداً يناسب ما جاء في خطاب الرسل من تهديد أو وعد ووعيد، إن استعملوا التهديد وألوعد في خطبهم. ومتى عادوا اكرموا إكراماً خاصاً، ومنحوا ألطافاٌ وهدايا على الطريقة المتبعة في ذلك العهد، وقد يحملون أولئك الرسل هدايا خاصة لمن أوفدهم اليهم، يرفقونها بكتب جوابية في بعض الاحيان، أو برسائل شفوية تبلغ للرسل ليبلغوها هم لساناً أو كتابة الى موفديهم.
و "الوفد"، القوم الغادمون للقاء العظماء، وجماعة مختارة للتقدم في لقاء العظماء. ويقال وفده الأمير الى إلأمير الذي فوقه، أي ورد رسولاً. وقد كان سادات القبائل يرسلون وفوداً عنهم الى إلملوك أو إلى سادات قبائل أخرى في مهام مختلفة، مثل عقد حلف أو تفاوض أو تهديد لإعلان حرب أو لتهنئة أو لتعزية أو لبيعة وما شاكل ذلك من أمور. وقد اخذت الوفود تترى على الرسول بيثرب لما استحكم وإشتد أمر الإسلام.
وقد يكون. الرسول المرسل إلى بلاد العرب لا يعرف العربية، فيكون من الضروري إرسال مترجم معه يتقن العربية، ليقوم بأعمال الترجمة. وقد دوّنت الموارد اليونانية أسماء بعض الرسل الذين أرسلهم ملوك البيزنطيين الى اليمن أو إلى الغساسنة أو المناذرة، للقيام بمهمات خاصة، ولاجراء مفاوضات في أمور تتعلق بالمصالح اليونانية العربية،وقد نصوا أيضاَ على أسماء بعض، المترجمين الذين رافقوهم إلى ملوك العرب أو الى سادات القبائل. ويظهر أنهم كانوا يختارونهم من رجال الدين النصارى الذين كانت لهم صلات وعلاقات وثيقة بالعرب، ومنهم من كان من أصل عربي.
وكان من عادة سادات القبائل والملوك العرب، انهم إذا أرادوا ارسال ممثل عنهم الى الحكام الأجانب، لمفاوضاتهم في امور تخصهم، اختاروا من عرف بالذكاء والفطنة من أتباعهم للقيام بهذه المهمات التي تحتاج إلى ذكاء ولباقة وحسن تصرف. وهم في هذا الباب مثل غيرهم يراعون أن يكون رسولهم ممن يتقنون لغة من سيرسل اليه، وان يكون من خواصهم ومن أتباعهم، حتى لا يبوح بأسرار مهمة لأعدائهم. وأما إذا تعذر هذا الشرط، فكانوا يختارون مترجمين ثقات عرباً أو عجماً لمرافقة الرسول، وللتكلم بلسانه، ولنقل ما يقوله الأعاجم للرسول. ونجد في الموارد اليونانية ان عرب بلاد الشام، أرسلوا رجال دين عنهم الى حكام بلاد الشام أو الى القسطنطينية لمفاوضة الروم في المهمات التي كانوا يكلفون بها. ويظهر أنهم إنما لجأوا الى هؤلاء، لأنهم كانوا يتقنون اليونانية ولأنهم نصارى، والروم نصارى كذلك. ولبعضهم صلات برجال الكنيسة في القسطنطينية، فيساعد الدين في تسهيل حل ألمشكلات.
وقد يذهب ملك عربي أو سيد قبيلة لزيارة الحكاّم الأعاجم في مواضع حكمهم، أو في أماكن أخرى يتفقون عليها. فإذا لم يكن متقناً ذلك الملك أو سيد القبيلة للغة الحاكم الذيَ سيزوره أخذ مترجماً معه ليكون لسانه الناطق باسمه واذنه التي تفسر له أقوال الحكّام والأجانب. ويظهر من الموارد اليونانية أن من الملوك الغساسنة من كان يتقن اليونانية، فلما زار بعض منهم القسطنطينية، تكلم بها وتباحث مع رجال الدين الييزنطيين في أمور اللاهوت بهذه اللغة.
والقاعدة العامة في العرف السياسي عند الجاهليين، أن الموفد لا يهان و لا يعتدى عليه ولا يقتل. وكذلك كان هذا العرف سارياً على رسل الملوك وسادات القبائل وعلى الوفود التي ترسلها القبائل إلى الملوك أو الرسل الذين يرسلهم سادات القبائل بعضهم إلى بعض.وطالما نقرأ في كتب اهل الأخبارجملاً مثل: " لولا أنك رسول لقتلناك "، تشير إلى احترام العرب لرسالة الرسل والموفدين. وقد كان بعض الرسل يسيئون الأدب أو لا يحسنون التصرف مع من أرسلوا اليه، فيثيرونهم، ومع ذلاك، فإن من يهاج منهم يحاول جهد إمكانه ضبط نفسه، والتحكم في أعصابه، حتى لا يتههور على الرسول، فيتهم بسوء الأدب بإهانة ضيفه،اويتهم بالغدر. وإذا كان بعضهم قد غدر بالرسل،فإن هذا الغدر لا يمثل العرف العام، وإنما هو غدر، والغدر لؤم، وقد يقع اللؤم من لئيم.
ولفظة "رسول" والجمع "رسل" هي من الألفاظ العربية القديمة المستعملة في عالم السياسة عند العرب. وردت في نص "أبرهة"، الذي أشار فيه إلى وفود أتت، اليه من مأرب لتهنئته بمناسبة اتمامه سد "مأرب"، فكان من بينهم رسل النجاشي وملك الروم وملك الفرس وملك الحيرة "المنذر" وملك الغساسنة "الحارث بن جبلة" و "أبو كرب بن جبلة". وفي هذا النص ملاحظة مهمة جداً جديرة بالعناية إذ أطلق هذا النص على مندوب النجاشي وملك الروم لفظة "محشكت" أما رسل الملوك العرب المذكورين فقد أطلق عليهم اللفطة العربية "رسل". أي ا، أنه استعمل ثلاثة مصطلحات سياسية في هذا النص لمفهوم واحد، هو رسل أرسلوا من ساداتهم لحضور ذلك الاحتفال.
وقد يذهب الظن إلى ان النص إنما استعمل تلك المصطلحات الثلاثة، لأنها مصطلحات للغات أولئلك الموفدين، فاستعمل لفظة "محشكت" لأن الحبش كانوا يطلقونها على معنى "رسول" في لغتهم وهذا كلام معقول، ولكن ما باله أطلق تلك اللفظة على رسول ملك الروم ايضاً مع انها كلمهّ غريبة عن اليونانية لم يستعملها اليونان، ولم يستعمل النص المصطلح الرسمي اليوناني المستعمل في اليونانية للسفير ? ثم ما بال النص يطلق لفظة "تنبلت" على رسول ملك الفرس، واللفظة أيضاً غير فارسية وغير مستعملة عند الساسانيين أفلا يدل ذلك على أن النص لم يأخذ بالمصطلحات السياسية المقررة عند الحبش والروم والفرس للسفير، وإنما اخذ بشيء اخر، هو اهم من ذلك بكثير، لا صلة له بما ذهب هذا الظن اليه، بل لسبب سياسي مهم، هو ان مندوب ملك النجاشي في نظر ابرهة اهم وأقدم في المنزلة من أي مندوب آخر من المندوبن الذين وصلوا اليه، لذلك قدّمه في الذكر على بقية المندوبين، وأطلق عليه لفظه "محشكت"، لأنها في معنى رسول ذي أهمية كبيرة، وله ميزات على الرسل الاخرين، فهو رسول ملك له صلة خاصة قوية، به، ثم ثنى بذكر رسول ملك الروم، لأن الروم أصدقاء وحلفاء الحبش وأبرهة ولهم صلات قوية به، ثم ان ملك الروم مثل ملك الحبشة وأبرهة على النصرانية، فبينه وبين الروم رابطة الاخوة بالدين، فذكر لذلك مندوبهم بعد مندوب النجاشي واستعمل لفظة "محشكت"، لما لهذه الكلمة من معنى خاص في معجم ألفاظ السياسة. وذكر مندوب ملك الفرس بعد مندوب ملك الروم، لأن صلة الفرس بالحبش، لم تكن على درجة صلة الروم بهم، ثم انهم يختلفون عنهم في الدين ويعارضونهم في السياسة، لذلك أخره عن مندوب الروم، وأطلق عليه لفظة تشير إلى أنها دون لفظة "محشكت" في الدرجة والتقدير. ولكنها فوق لفظة "رسل" "رسول" "رسل" في الأهمية والدرجة والمكانة على كل حال.
لأن ملوك الفرس أكثر شأناً في عالم السياسة من المنذر ومن الحارث ومن أبي كرب لذلك استعمل هذه اللفظة لرسول ملك فارس واستعمل كلمة "رسل" لمندوبي الملوك العرب.
وفي العربية لفظة أخرى تؤدي معنى "رسول"، هي لفظة "سفير". ويذكر علماء العربية أن السفير: الرسول والمصلح بين القوم. وكان أهل مكة إذا وقعت بينهم وبين غيرهم حرب أو خصومة، بعثوا سفيراً. وكانت السفارة في "بني عديّ".
ويقال للرسول "اسى" في العربيات الجنوبية، تعبيراً عن رسول يرسل بمهمة خاصة.
ولجلوس رجال الوفود عند الملوك وسادات القبائل اهمية كبيرة عند العرب، فالمقدم على الناس يكون أيمن الملك أو ايمن سيد القبيلة، وهكذا. وجلوسه هذا على هذأ النحو وعلى هذا العرف هو علامة ايضاً، له على غيره. ويقوم الحجاب أو من اليه امر استقبال الوفود بتطبيق هذه القاعدة مراعاة شديدة، وقد يتولى الملك ذلك بنفسه، فيطلب من كَبير القوم أو ممن يريد تشريفه وتفضيله على غيره الجلوس إلى جانبه الأيمن، ويفتخر عندئذ من ناداه الملك بالجلوس إلى يمينه فخراً شديداً، ويتباهى بهذا التقديم على غيره، وتعتز قبيلته به، فتقدم الرجال عند الملوك والسادات من امارات الشرف والعز. وقد يخلق مثل هذا التقديم للملك مشكلات خطيرة، إذ يزعل الباقون من هذا التفضيل، خاصة إذا كانت بينهم وبين من قدم عليهم عداوة أو منافسة، فيرون في هذا التقديم ازدراء بهم وإهانة متعمدة قد وجهت أليهم. وقد يتركون مجلس الملك.، ويقع ما يقع بين الملك وبين إلمنزعجين، أو بين من قدم ومن قدم عليهم.
ومن آيات تكريم رئيس الوفد، ان ألملك كان إذا وضع الشراب،بدأ بالشرب أولاً، فإذا إنتهى اسقى من كأسه من يراه أفضل القوم، وهو رئيسهم، أو انه يأمر السقاة أو يشير اليهم اشارة واضحة أو خفية بتقديم من يراه أهلاً للتقديم، ومعنى هذا انه أفضل الوفد. وقد أثار هذا التقديم مشكلات خطيرة للوفود المتنافسة التي كانت تفد على الملوك، وإلى الملوك أنفسهم، ولا سيما املوك الذين تحكمت اعصابهم بهم، مثل "عمرو بن هند" و "النعمان بن المنذر". وقد قتل "عمرو بن هند"، كما سبق ان تحدثت عن ذلك بسبب تهوره وانسياقه لعواطفه، إذ دعا الشاعر "عمرو بن هند" وامه لزيارته، وكان ينوي الاساءة اليه، لأنه كان فخورأ متعززاً بنفسه، فأمر الملك أمه بأن تكلف أم الشاعر بخدمتها، وهي من أعز النساء في قومها ولانها من بيت رئاسة، فلما صرخت "واذلاه"، وسمع ابنها الصرخة، ثار على الملك فقتله.
وكان من عادة ملوك الحيرة، انهم يتخذون للوفود عند انصرافهم مجلساً: يطعمون فيه ضيوفهم، ويسقو فيها الخمور، وقد تغنى فيه القيان، ثم يعطي الملوك الخلع والهدايا لاعضاء الوفود، وقد يخلعون عليهم الخلع الملكية، يعطونها لخاصة من حضر دلالة على زيادة تقديرهم لهم. ويتباهى من يناله هذا الحظ السعيد بتلك الملابس ويحتفظ بها للاعتزاز.
وقد جرت العادة بإنزال الوفود في دار الضيافة، ليعتنى بالضيوف الوافدين ولينالوا حريتهم وراحتهم بها. ويظهر ان من عادة إلعرب إذ ذاك ان الوفد منهم إذا انتهت مهمته وقرر الرجوع إلى اهله، عملت له وليمة في آخر يومه،وقدمت له هدية، وتسلم له رسالة ان احتيج إلى ذلك. وقد اتبعت هذه العادة في يثرب حينما أخذت الوفود تترى على الرسول لمبايعته ب الإسلام. فقد اتخذ الرسول داراً خاصة بيثرب لتكون داراً تنزل بها الوفود، عرفت ب "دار رملة بنت الحارث" امرأة من بني النجّار. ويظهر انها كانت داراً واسعة، بدليل ما ورد من ان ا الرسول حبس، بها "بنو قريظة" لما نزلوا إلى حكمه. ولا يمكن إنزال عشرات من الناس بها لو لم تكن داراً واسعة كبيرة. كما كان الرسول يأمر المكلف بأمر الوفود بإعطائهم بم جوائز يعينها له،فيعطى مقدار ما يأمره به الرسول، وما يكتبه لهم من اقطاع.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق