928
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الخمسون
البيوت
ومساكن العرب متباينة مختلفة. منها: البيوت المتنقلة، ومنها.المباني المبنية بالمدر أو الحجر، وهي أبنية أهل الحضر. وهي مختلفة أيضاً في طرازها المعماري وفي سعتها ومادتها ويكون اختلافها باختلاف مكانها وباختلاف مكانة صاحبها، ومنزلته من حيث الغنى والفقر.
والبيت لفظة تطلق على الصغير من البيوت وعلى الكبير منها. وقد جعل "ابن الكلبي" بيوت العرب ستة: قبة من أدم، ومظلة من شعر، وخباء من صوف، وبجاد من وبر، وخيمة من شجر، وقنة من حجر، وسوط من شعر، وهو أصغرها. وذكر بعض علماء اللغة أن الخباء بيت صغير من صوف أو شعر، فإذا كان اكبر من الخباء فهو بيت، ثم مظلة إذا كبرت عن البيت. وهي تسمى ببيتاً أيضاً إذا كان ضخماً مزوّقاً. وذكر بعض آخر ان الخباء بيت يعمل من وبر أو صوف أو شعر. ويكون على عمودين أو ثلاثة. والبيت يكون على ستة أعمدة إلى تسعهَ. وذكر ان الخباء هوالبيت كيفما كان.
وذكر علماء اللغة ان البناء المبني، ويراد به أيضاً البيت الذي يسكنه الأعراب فى الصحراء. ومنه الطراف والخياء والبناء والقبة والمضرب. والطراف بيت من أدم ليس له كفاء، وهو من بيوت الأعراب ذكر في شعر طرفة بن العبد: رأيت بني غبراء لا ينكروننـي ولا أهل هذاك الطراف الممدد
وقد اشتهر "بنو قيدار" بخيمهم المصنوعة من شعر الماعز. وقد أشير اليها في التوراة. وهم رعاة في الغالب يعيشون على الرعي، ولذا اتخذوا ييوتهم من شعر الماعز، فصارت ذات لون أسود. وقد اشتهروا ببراعتهم في الرمي بالقوس. وأصحاب الخيام المصنوعة من شعر الماعز أو من الصوف،هم من الأعراب أصحاب الماشية، الذين يعيشون في مواضع تكثر فيها الأمطار وتكون غير بعيدة عن المدن والقرى ومواضع الماء، ولذلك يعيشون في الغالب على الرعي.
وفي سعة الخيمة دلالة على منزلة صاحبها ومكانته وثراثه. ولذلك يفتخر العزيز منهم بسعة بيته، أي خيمته. وقد تقطع الخيمة بقاطع، يقسمها إلى قسمين: قسم للحريم،أي للنساء والسكن،لا يدخله غريب. وقسم يكون للرجل وللضيوف، يجلسون ويأكلون فيه. ويكون نادياً ومضيفاً يخصص للقادمين ولضيوف صاحب ذلك البيت.
ولسيد القبيلة خيمة كبيرة تكون "مضرب القبيلة"، ومقر السيد الرئيس ونادي القوم. يسمر فيها "رب القبيلة"، ويأوي اليها الضيوف. واليها يلتجيء المحتاج ومن به حاجة إلى الاقراء أو أية حاجة أخرى. ويفتخر سيد القبيلة بمضربه هذا، ويتباهى به على أقرانه، وتفتخر قبيلته به أيضاٌ، لأنه يرفع رأسها بين القبائل. وورد المضرب: الفسطاط العظيم، وهو فسطاط الملك.
وتضرب للسادات الأشراف والأغنياء قبب خاصة تكون من الأدم. فكان لرؤساء القبائل أصحاب العز قباب من أدم، كما كان من عادة ملوك الحيرة ضرب قباب من الأدم لأصحاب الجاه وسادات القبائل الكبار الذين يفدون عليهم. وتعتبر هذه القباب من امارات التعظيم والتفخيم والامتياز والجاه عند الملوك. ولذلك يعامل من تضرب له القبة معاملة خاصة. وتعرف قبة الأدم ب "قبة المبناة" أيضاً. وذكر بعض علماء اللغة أن القبةّ هي البناء من الأدم خاصة. وذكر بعض آخر أن القبّة من الخباء بيت صغير مستدير، وهو من بيوت العرب.
وذكر "الطبري" في كلامه عن غزوة الخندق، أن الرسول أدار المعركة "وهو ضارب عليه قبةّ ترُْكيِة". ولم يشر إلى -شكل هذه القبةّ ولا إلى سبب تسميتها بذلك.
وقد اشتهرت "القباب الحمر" المصنوعة من أدم، ياًوي اليها أصحاب الجاه واليسار والمشهورون. وقد ذكر أن النابغة الذبياني كان يضرب له بسوق عكاظ قبة حمراء من أدم، فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. وكان ممن أنشده "حسان بن ثابت". وقد انتقده النابغة بأدب ولطف. وقيل إن بيت الأدم، قبة الملك، يجتمع فيها كل ضرب، ياًكلون الطعام.
ويذكر أهل الأخبار ان العرب تضرب الأخبية لأنفسها، والمضارب لملوكها، والمضارب انما ترتبط بالأوتاد. وذكر ان الخباء هو ما كان من وبر أو صوف ولا يكون من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت. وقيل: الخباء من شعر أو صوف، وهو دون المظلة. وهو من بيوت الأعراب. وذكر ان "المظلة" الكبير من الأخبية ذات رواق، وربما كانت شقة وشقتين وثلاثاً، وربما كان لها كفاء وهو مؤخرها. قال بعض علماء اللغة انها تكون من الشعر، وقال بعض آخر لا تكون إلا من الثياب.
. و "المضرب" الفسطاط العظيم، وهو فسطاط الملك. وقد استعمل للملوك خاصة، ولأصحاب الجاه والعز والمكانة. ولهذا كانوا إذا مدحوا إنساناً وأرادوا 1لإشادة بمكانته وبمنصبه قالوا: "إنه لكرم المضرب شريف المنصب"، وإذا أرادوا ذم إنسان، قالوا: "ما يعرف له مضرب عسلة"، و "لا منبض عسلة"، أي من النسب والمال، يقال ذلك إذا لم يكن له نسب معروف ولا يعرف اعراقه في نسبه. ولما كانت المضارب من بيوت الملوك، وأهل الجاه وهم خيار "الناس ونخبتهم، صارت المضارب كناية عن الجاه والشرف والمال.
و "السرادق"، كل ما أحاط بشيء من حائط أو مضرب أو خباء.وقيل: كل بيت من "كُرْسُفْ" فهو سرادق. وترد اللفظة في الفارسية بمعنى حائط أو حاجز من نسج غليظ حول خيمة.
وذكر أن "الفسطاط" ضرب من بيوت الشعر. والظاهر أنه البيت الكبير. وورد "الفسطاط العظيم"، وهو "فسطاط الملك". وذكر أن الفسطاط هو مجتمع الناس. وذكر أن الفسطاط ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق وبه سميت المدينة: مدينة الفسطاط. ويظهر أن الكلمة من الألفاظ المعربة عن الفارسية، وهي في هذه اللغة بمعنى "خيمة".
و "الطراف" خباء من أدم يتخذه الأغنياء. و "الطوارف" من الخباء ما رفعت من جوانبه ونواحيه للنظر الى خارج. قال عروة بن الورد: رأيت برني غبراء لا ينكرونني ولا أهل هذاك الطراف الممدد
يعني ان الفقراء يعرفونني بإعطائي، والأغنياء يعرفونني بفضلي وجلالة قدري.
وتكوّن بيوت الأعراب المتناثرة، وهي خيامها، منازل القبيلة ومضاربها.
وتحيط خيامها بخيم الرئيس. فتكون من ذلك مستوطنة بدوية. ومنها يتألف مجتمع البوادي. ويرتبط حجم هذه المستوطنات، بسعة ماء المكان وبعدد بيوت القبيلة النازلة به، فإن كان الماء قليلا، قلّ عدد خيامها، وإن كان غزيراً، كثر عددها. واتسعت رقعة المضارب اتساعاً يتناسب مع كفاءة ذلك الماء وما على الأرض من رزق تعيش إبلهم عليه.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق