114
موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي
الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية
المبحث الثاني:الرصيد الخلقي لصلاح الدين:
ثالثاً:شجاعته:
إن الشجاعة من أحمد الأوصاف التي يلزم الملك أن يتصف بها ضرورة وأن تكون له طبعاً فيتطبع بها ليحسم بهيبته مواد الأطماع المتعلقة بقلوب نظرائه، ويحصل منه حماية (البيضة ورعاية) المملكة والذب عن الرعية ()، ولقد كان صلاح الدين – من عظماء الشجعان، قويَّ النفس، شديد البأس عظيم الثبات، لا يهوله أمر، ولقد رأيته – رحمه الله – مرابطاً في مقابلة عَّدة عظيمة من الفرنج، ونُجُدُهم تتواصل، وعساكرهم تتواتر، وهو لا يزداد إلا قوة نفس وصبر، ولقد وصل في ليلة واحدة منهم نيّف وسبعون مركباً على عكّا وأنا أعّدها من بعدة صلاة العصر إلى غروب الشمس، وهو لا يزداد إلا قّوة نفس، ولقد كان – رحمه الله – يعطي دستوراً في أوائل ويبقى في شرذمة يسيرة في مقابلة عدّتهم الكثيرة، يقول ابن شّداد وقد سألت باليان بن بارزان، وهو من كبار ملوك الساحل – وهو جالس بين يديه، رحمه الله، يوم انعقاد الصلح – عن عِدتّهم، فقال الترجمان عنه إنه يقول : كنت وصاحب صَيْدا – وكان أيضاً من ملوكهم وعقلائهم – قاصدين عسكرنا من صُوْر، فلّما أشرفنا عليه تحازرناه، فحزره هو بخمسمائة ألف، وحزرتهم أنا بستمائة ألف، أو قال عكس ذلك، فقلتُ: فكم هلك منهم ؟ فقال: أما بالقتل فقريب من مائة ألف، وأما بالموت والغرق فلا نعلم، وما رجع من هذا العالم إلا الأقل، وكان لابدّ له من أن يطوف حول العدوّ في كل يوم مرة أو مرتين إذا كنا قريباً منهم، وكان صلاح الدين، إذا اشتد الحرب يطوف بين الصفيّن ومعه صبي واحد وعلى يده جنيب، ويخرق العساكر من الميمنة إلى الميسرة، ويرتّب الأطلاب، ويأمرهم بالتقدّم والوقوف في مواضع يراها، وكان يشارف العدوّ ويجاوره () ، قال ابن شّداد : ولقد قرئ عليه جزء من الحديث بين الصفين وذلك أني قلت له: قد سُمع الحديث في جميع المواطن الشَّريفة ولم يُنْقل أنه سمع بين الصفّين، فإن رأى المولى أن يؤثر عنه ذلك كان حسناً، فأذن في ذلك، فأحضر جزءٌ وهناك أحضر من له به سماع، فقُرئ عليه ونحن على ظهور الّدواب بين الصفّين، ونمشي تارة، ونقف أخرى، وما رأيته استكثر العدو أصلاً، ولا استعظم أمرهم قط، وكان مع ذلك في حال الفكر والتدبير، يذكر بين يديه الأقسام كلها، ويرتب على كل قسم مقتضاه من غير حدَّة ولا غضب يعتريه، رحمه الله، ولقد انهزم المسلمون في يوم المصافّ الأكبر بمرج عكّا، حتى القلب ورجاله، ووقع الكُوس () والعَلَم () وهو – رضي الله عنه – ثابت القدم في نفر يسير قد انحاز إلى الجيل يجمع الناس ويردَّهم ويخجَّلهم حتى يرجعوا ولم يزل كذلك حتى نُصر عسكر المسلمين على العدو في ذلك اليوم، وقتل منهم زهاء سبعة آلاف ما بين راجل وفارس ()، ولم يزل مصابراً لهم، وهم في العدة الوافرة، إلى أن ظهر له ضعفُ المسلمين، فصالح وهو مسؤول من جانبهم، فإن الضعف والهلاك كان فيهم أكثر، ولكنهم كانوا يتوقعون النُّجد، ونحن لا نتوقعها، وكانت المصلحة في الصُّلح، وظهر ذلك لما أبدت الأقضية والأقدار ما كان في مكنونها () .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق