123
موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي
الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية
المبحث الثالث:عقيدة الدولة الأيوبية :
أولاً:توسع الإيوبيين في إنشاء المدارس السنية:
بدأت هذه المرحلة في عام 572ه/1176م أي بعد تمكن صلاح الدين من إخضاع معظم الشام لسلطانه ثم عوده إلى مصر لتدبير شؤونها ففي هذا العام أمر ببناء مدرستين: إحداهما للشافعية عند قبر الإمام الشافعي عرفت بالمدرسة الصلاحية والثانية للحنفية وتوالى بعد ذلك إنشاء المدارس السنية في أماكن متعددة من القاهرة وغيرها من البلاد من قبل أمراء الأيوبيين وأعوالهم، ولن نستطيع الحديث عن كل هذه المـدارس لكثرتها، إذ أصبح إنشاء المدارس سنة متبعة من قبل أعيان الدولة في هذه الفترة رجالاً ونساء ()، وإنما سنركز حديثنا حول أشهر المدارس .. التي كان لها دور في عملية التحويل الكبير للبيئة المصرية من المذهب الشيعي إلى المذهب السني () .
المدرسة الصلاحية:
بدأ بناء هذه المدرسة في عام 572ه/1176م عند ضريح الإمام الشافعي وكان وقفاً على الشافعية ويصفها السيوطي بقوله: إنها تاج المدارس، ثم يذكر أن التدريس بها أسند للعالم الزاهد نجم الدين الخبوشاني وقد زار ابن جبير هذه المدرسة في أواخر ذي الحجة من عام 578ه/1183م، وكان العمل في توسعتها ما يزال مستمراً وذكر ابن جبير أن هذه المدرسة لم يعمر مثلها في هذه البلاد وليس لها نظير في سعة المساحة والحفاوة بالبناء : يخيل لمن يطوف عليها أنها بلد مستقل بذاته والنفقة عليها لا تحصى. تولى ذلك بنفسه الشيخ الخبوشاني، وسلطان هذه الجهات: صلاح الدين يِسمح له بذلك ويقول: زد احتفالا وتأنقا، وعلينا القيام بمئونة ذلك وذكر ابن جبير أنه حرص على لقاء الخبوشاني، لأن أمره كان مشهوراً بالأندلس ()، ولعل في إشارة ابن جبير ما يؤكد أن صلاح الدين كان يتخير أساتذة مدارسه من أهل العلم والفضل والصلاح، ومن بين من ظهرت شهرتهم في العالم الإسلامي، حتى تتحقق على أيديهم الأهداف التي يسعى إليها، وحتى يكونوا عنصر جذب لطلاب العلم من جميع أنحاء العالم الإسلامي ().
مدرسة المشهد الحسيني:
وبنى صلاح الدين مدرسة بالقاهرة بجوار المشـهد المنسوب – ظلماً وزوراً – إلى الحسين، وجعل عليها وقفاً كبيراً ()، كما أشار المقريزي إليها أثناء حديثة عن المشهد الحسيني فقال: ولما ملك السلطان الناصر جعل به حلقة تدريس وفقهاء، فوضها للفقيه: البهاء الدمشقي وكان يجلس عند المحراب الذي الضريح خلفه، فلما وزر معين الدين حسن بن شيخ الشيوخ (للملك الكامل) .. جمع من أوقافه ما بنى به إيوان التدريس الآن، وبيوت الفقهاء العلوية () وإذا كان الهدف العام الذي ابتغاه صلاح الدين من زرع المدارس السنية في مصر هو التمكين لمذهب السنة والقضاء على المذهب الشيعي، فإن لإنشاء هذه المدرسة في داخل المشهد الحسيني مغزى خاصاً، فقد كان من المعاقل الأخيرة التي يلجأ إليها بقايا الشيعة في مصر، ومن استطاع الفاطميون أن يستميلوا عواطفهم من عوام السنة، ولذا كان من الضروري أن توجـد مدرسة في هذا المكان لتعليم الدين الصحيح، ومحاربة ما نشره الفاطميون من بدع () .
المدرسة الفاضلية:
ومن المدارس الهامة التي أنشئت في هذا العصر المدرسة الفاضلية التي بناها القاضي الفاضل سنة 580ه/1184م ووقفها على الشافعية والمالكية، وخصص إحدى قاعاتها لإقراء القرآن الكريم وتعليم علم القراءات على الإمام القاسم أبي محمد الشاطي (صاحب الشاطبية ت 596ه/1294) ووقف على هذه المدرسة عدداً كبيراً من الكتب قيل إنها بلغت مائة ألف كتاب، وجعل إلى جانبها كتاباً وقفه على تعليم الأيتام، ووصف المقريزي هذه المدرسة بقوله: وكانت هذه المدرسة من أعظم مدارس القاهرة وأجلها () ، كما بنى السلطان العادل: أخو صلاح الدين مدرسة للمالكية وكذلك فعل وزيره صفي الدين عبد الله بن شكر (ت 630ه/1232) إذ أقام مدرسة للمالكية في موضع دار الوزير الفاطمي يعقوب بن كلَّس، وكان ابن شاكر عالماً متفقهاً على مذهب الإمام مالك().
دار الحديث الكمالية:
وكان للملك الكامل بن العادل شغف بسماع الحديث الشريف، كما كان معظماً للسنة وأهلها، راغباً في نشرها، فأنشأها بالقاهرة أول دار لتدريس الحديث، وهي: المدرسة الكاملية وذلك في عام 622ه/1225م ()، ووقفها على المشتغلين بالحديث النبوي، ثم من بعدهم على الفقهاء الشافعية، وأسند مشيختها إلى الحافظ عمر بن حسن الأندلسي (المعروف بابن دحية) ت 633ه/1235م وكان بصيراً بالحديث معتنياً به، وتأدب الملك الكامل على يديه () .
المدرسة الصالحية:
أما المدرسة التي بناها الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل فقد أقامها مكان قصر الفاطميين الشرقي، وشرع في إنشائها في عام 639ه/1241م مستوحياً فكرتها من المدرسة المستنصرية، حيث وقفها على المذاهب الأربعة ورتب فيها دروساً لهذه المذاهب في عام 641ه/1243م يقول المقريزي عنه وهو أول من عمل بديار مصر دروساً أربعة في مكان () .
وتأتي أهمية هذه المدرسة في أنها أتاحت الفرصة للحنابلة كي يسهموا بجهودهم في حركة الإحياء السني في مصر، ذلك أنهم حتى تاريخ إنشاء هذه المدرسة كانوا الفئة الوحيدة – من بين طوائف السنة – التي لم يهتم الأيوبيون الأولون بإنشاء مدارس لها، ولعل السر في عدم الاهتمام بأمرهم أنهم كانوا قلة نادرة، يؤكد هذا ما يقوله السيوطي عنهم وهو بصدد ذكر فقهائهم في مصر : هم بالديار المصرية قليل جداً، ولم أسمع بخبرهم فيها إلا في القرن السابع وما بعده. ويوضح السر في هذا بقوله: إن مذهب أحمد لم يبرز خارج العراق إلا في القرن الرابع الذي ملك فيه العبيدون مصر، وأفنوا من كان بها من أئمة المذاهب الثلاثة: قتلاً ونفياً وتشريداً، وأقاموا مذهب الرفض والشيعة، حتى إذا ما سقطت دولتهم تراجع العلماء إليها من سائر المذاهب () .
ولم تكن جهود الأيوبيين – في إنشاء المدارس – مقصورة على القاهرة وحدها وإنما امتدت إلى مدن أخرى في مصر، ففي الفيوم أنشأ تقي الدين عمر مدرستين : إحداهما للشافعية، والأخرى للمالكية () ، وأنشأ صلاح الدين مدرسة للشافعية بمدينة الإسكندرية في عام 577ه/1181م () ، وكانت الأوقاف الكثيرة وتيسير سبل المعيشة في هذه المدارس للأساتذة والطلاب إحدى الوسائل الهامة التي أسهمت في جذب العلماء وطلاب العلم إلى مصر وقد كان من المتبع عند تأسيس أي مدرسة أن يوقف عليها ما يكفى لاستمرار الحياة العلمية بها، يقول ابن جبير: ومن مفاخر هذا البلد (الإسكندرية) ومفاخره العائدة إلى سلطانه : المدارس والمحارس () الموضوعة فيه لأهل الطلب والتعبد يفدون من الإقطار النائية فيلقى كل واحد منهم مسكناً يأوي إليه، ومدرساً يعلمه الفن الذي يريد تعلمه، وإجراء يقوم به في جميع أحواله، واتسع اعتناء السلطان بهؤلاء الطارئين حتى أمر بتعيين حمامات يستحمون فيها، ونصب لهم مارستانا لعلاج من مرض منهم، ووكل بهم أطباء يتفقدون أحوالهم () .
وأشار ابن جبير إلى كثرة مساجد الإسكندرية حتى إن المكان الواحد به أربعة أو خمسة مساجد وربما كانت المساجد مركبة، (أي مكونة من مسجد ومدرسة) وكلها بأئمة مرتبين من قبل السلطان؛ فمنهم من له خمسة دنانير مصرية في الشهر، ومنهم من له فوق ذلك، ومنهم من له دونه، وهذه منقبة كبيرة من مناقب السلطان () .
وهذه الصورة المشرقة التي رسمها ابن جبير لجهود صلاح الدين في الإسكندرية توحي بعظم جهوده في هذا المجال بالنسبة لبقية البلاد، ذلك أن الإسكندرية ظلت معقلاً لأهل السنة في العصر الفاطمي، وكان بها في أواخر هذا العهد مدرستان سنيتان إحداهما للمالكية: وهي مدرسة الحافظ بن عوف الزهري، والأخرى للشافعية: وهي مدرسة الحافظ السلفي واستطاعت هاتان المدرستان أن تقوما بدور كبير في الحفاظ على التراث السني في مصر الفاطمية، حتى أن القاضي الفاضل قد ذكر هذه الحقيقة في إحدى الرسائل التي بعث بها صلاح الدين إلى نور الدين إثر اكتشافه لأحد دعاة الفاطميين في الإسـكندرية، فيقول: ومما يطرف به المولى أن ثغر الإسكندرية على عموم مذهب السنة () .
فإذا كانت أوقاف صلاح الدين في الإسكندرية التي حافظت على سنيتها بهذه الكثافة فلا شك أنها في البلاد الأخرى التي لقيت دعوة الفاطميين فيها رواجاً كانت أكثر وأكبر، يدلنا على ذلك ما قرره صلاح الدين لنجم الدين الخبوشاني مدرس الصلاحية، فقد خصص له أربعين ديناراً في الشهر عن التدريس، وعشرة دنانير عن النظر في أوقاف المدرسة، وستين رطلاً من الخبز في كل يوم وراويتين من () ماء النيل وقد أكمل ابن جبير لنا الصورة حينما تابع رصده لجهود صلاح الدين في القاهرة، كي ييسر أسباب العلم للراغبين فيه فيقول: ومن العجيب أن القرافة كلها مساجد مبنية، ومشاهد معمورة يأوي إليها الغرباء والعلماء والصلحاء والفقراء، والإجراء على كل موضع منها متصل من قبل السلطان في كل شهر، والمدارس التي بمصر والقاهرة كذلك، وحقق عندنا أن الإجراء على ذلك كله نيف على ألفي دينار مصرية في الشهر () .
ومن هذا يتضح أن صلاح الدين وهو يتابع مسيرة الإحياء السني في مصر لم يكتف بإنشاء المدارس، وإنما كان حريصاً أيضاً على جذب علماء السنة إليها من جميع أنحاء العالم الإسلامي كي يشاركوا بجهودهم في هذا الإحياء الفكري، بعد أن كرس الفاطميون جهودهم للقضاء على علماء السنة في مصر، وقد مر بنا قبل قليل ما سجله عليهم السيوطي من أنهم أفنوا من كان بها من أئمة المذاهب الثلاثة؛ قتلا ونفياً وتشريداً، حتى إذا سقطت دولتهم تراجع العلماء من سائر المذاهب السنية إليها، وكانت جهود صلاح الدين أكبر مشجع لهذه الهجرات التي قام بها العلماء السنيون إلى مصر، وكما اهتم صلاح الدين بجذب العلماء إلى مصر فإنه اهتم كذلك بجذب الصوفية، فأنشأ لهم أول "خانقاه" للصوفية في مصر، وجعلها " برسم الفقراء الصوفية الواردين من البلاد الشاسعة" ووقف عليهم أوقافاً جليلة، وولى عليهم شيخاً يدبر أمورهم عرف بشيخ الشيوخ، ويذكر المقريزى. أن سكانها من الصوفية كانوا معروفين بالعلم والصلاح، وأن عدد من كان بها بلغ الثلاثمائة، وقد رتب لهم السلطان الخبز واللحم والحلوى في كل يوم، وأربعين درهما من العام ثمن كسوة، وبنى لهم حماماً بجوارهم، ومن أراد منهم السفر أعطي نفقة تعينه على بلوغ غايته () وهذه العناية الزائدة بأمور الصوفية كانت تستهدف – في ظني – غرضاً معيناً يتعلق بحركة الإحياء السني، فعلى الرغم من أن التصوف المعتدل كان اتجاها له احترامه من قبل الحكام وعامة الناس في هذا العصر، إلا أن الاهتمام به على هذا النحو في مصر بالذات كان عملاً مقصوداً، ويهدف إلى تحقيق غاية معينة ولعل السر في هذا هو أن الفاطميين في مصر قد عجزت أساليبهم المتعددة – في الدعوة إلى مذهبهم – عن أن تتسلل إلى عقائد معظم المصريين، ولكنها بسهولة أثرت في عواطفهم، فمظاهر الحزن والبكاء على الحسين، والإحتفال بموالد أهل البيت، واحتفاء الفاطميين بهذه الاحتفالات وغيرها، كل ذلك ترك تأثيره في عواطف المصريين، وما تزال بقية من آثاره موجودة إلى اليوم، وإذا كان صلاح الدين حاول جذب علماء السنة إلى مصر في كل مكان، ليشاركوا بعلومهم، وفكرهم في حركة الإحياء السني فإن هناك جانباً هاماً كان لابد من العمل على إشباعه وتحويله من الوجهة التي اتجه بها الفاطميون إلى وجهة أخرى، هذا الجانب الهام هو الجانب العاطفي في الناس والذي سيطر عليه الفاطميون بسهولة، وكان الصوفية من الفئات القادرة على إشباع هذا الجانب يومها : بأخلاقهم السهلة السمحة، وزهدهم في متاع الدنيا، وقدرتهم على مخاطبة عواطف الناس عن طريق مجالس الوعظ والذكر وغير ذلك، وفعلاً نجح الصوفية في العصر الأيوبي في لفت أنظار الناس إليهم وإلى رسومهم، وطقوسهم. فيحكى المقريزي: أن الناس كانوا يأتون من مصر إلى القاهرة ليشاهدوا صوفية خانقاه "سعيد السعداء" وهم متوجهون إلى جامع الحاكم لأداء صلاة الجمعة، حتى تحصل لهم البركة والخير بمشاهدتهم (). وقد تمكن صلاح الدين وخلفاؤه بفضل جهودهم في جذب علماء السنة إلى مصر من أن يخرجوها من عزلتها الفكرية، وأن يعيدوا صلتها الوثيقة بمراكز الثقافة السنية في العالم الإسلامي : كبغداد ودمشق وقرطبة بعد أن قطع الفاطميون كل صلة لها بهذه المراكز، وتخلف عطاء مصر في مجال الفكر السني ما يزيد عن القرنين ونصف من الزمان ().
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق