121
موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي
الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية
المبحث الثاني:الرصيد الخلقي لصلاح الدين:
عاشراً:التواضع:
صفة من صفات عباد الرحمن قال الله تبارك وتعالى: "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً" (الفرقان، آية: 63) والتواضع علامة حب الله للعبد، كما قال الله سبحانه وتعالى "يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم" (المائدة، 54) قال ابن كثير هذه صفات المؤمنين الكُمَّل، أن يكون أحدهم متواضعاً لأخيه ووليَّه، متعزَزاً على خصمه() ، وقد اتصف السلطان صلاح الدين الأيوبي بصفة التواضع، وكان قريباً من الناس، كثير الاحتمال، والمداراة، لم يتكبَّر على أحد من أصحابه، صبوراً على ما يكره، كثير التغافل عن ذنوبه وأصحابه، يسمع مع أحدهم ما يكره ولا يعلمه بذلك ولا يتغير عليه، وكان بساطه يُداس عند التزاحم عليه لَعرض القصص، وهو لا يتأثر بذلك، ويذكر ابن شداد أنه نفرت بغلته يوماً من الجمال وهو راكب في خدمته، فزحمت وركه حتى آلمته وهو يبتسم () وكان صلاح الدين قدوة حسنة لأتباعه، يبدأ العمل بنفسه ثم يدعو غيره للاقتداء به، وينُّم تصرفه هذا عن إدراك سليم، وما ذلك إلا لأنه فَهِمَ أن المكان الأسمي في أي مجتمع إنما هو للعاملين والعمل هو أسَاس التقييم للأفراد والجماعات، وهو محور كل العلاقات الاجتماعية، وبسبب هذا فقد أحبه الناس العامة منهم والخاصة، وتفانوا في خدمته والتعاطف معه وكانت هذه المحبة هي سر نجاحه، وقوته، لأن ما كسبه غيـره باستعمال أسـاليب القسوة والترهيب، حصل عليه هو بالمحبة والتعاطف والسلوك السليم () وكان أصحابه، يتشبَّهون به، ويتسابقون إلى المعروف، كما قال تعالى : "ونزعنا ما في صدورهم من غِلَّ" (سورة الحجر، آية: 47)، فعندما قرَّر بناء سور القدس وحفر خندقه، تولى ذلك بنفسه، ونقل الأحجار على عاتقه، وتأسى به جميع الناس الفقهاء والأغنياء والأقرباء والضعفاء، فاحترمه الناس من أجل ذلك، وفي عام 587ه/1191م، قدم معز الدين قيصر شاه بن قلج أرسلان صاحب بلاد الروم، إلى السلطان صلاح الدين، فأكرمه وزوَّجه بابنة أخيه العادل، ولما ركب صلاح الدين ليودعه ترجَّل معز الدين له، فترجَّل صلاح الدين، ولما ركب السلطان، عضده معز الدين وأركبه وكان علاء الدين بن عز الدين صاحب الموصل مع السلطان آنذاك، فسَّوى ثيابه أيضاً، فقال بعض الحاضرين هامساً وهو يتعجب من هذا الاحترام الشديد لصلاح الدين : ما تُبالي يا ابن أيوب أي موتة تموت، يُركَّبك ملك سلجوقي، وابن أتابك زنكي () وفهذا شيء موجز عن الرصيد الخلقي لمؤسس الدولة الأيوبية.
وقد اتصف صلاح الدين بمجموعة من الصفات الحميدة والأخلاق الكريمة، من علو الهمة، والحزم، والإدارة القوية، والقدرة على حل المشكلات، وعلى التخطيط والتوجيه والتنظيم والمراقبة، وغير ذلك من الصفات، وبسبب ما أودع الله فيه من الصفات الربانية استطاع أن يوحد الشام والموصل ومصر، وغيرها من البلدان تحت زعامته وأن يحقق الانتصار الكبير على الصليبيين في حطين وأن يسترد بيت المقدس، فقد توجب جهوده الفذة بنتائج كبيرة على مستوى الفرد، والمجتمع، والدولة وأصبح مشروعه المقاوم للتغلغل الباطني والغزو الصليبي مناراً للعاملين على مجد الإسلام وقد كشف صلاح الدين يوماً عن مصدر قوته في حديثه مع ابنه الملك الظاهر غازي، وهو في بيت المقدس بعد أن أجرى الصلح مع ريتشارد قلب الأسد، وقبل أن يأذن له بالذهاب إلى حلب إذ أوصاه قائلاً: أوصيك بتقوى الله تعالى، فإنها رأس كل خير، وآمرك بما أمرك الله به، فإنه سبب نجاتك، واحذَّرك من الدماء والدخول فيها والتقلُّد لهان فإن الدم لا ينام، وأوصيك بحفظ قلوب الرعية والنظر في أحوالهم، فأنت أميني وأمين الله عليهم، وأوصيك بحفظ قلوب الأمراء وأرباب الدولة والأكابر، فما بلغت ما بلغت إلا بمدارة الناس، ولا تحقد على أحد، فإن الموت لا يبُقي أحداً، وأحذر ما بينك وبين الناس، فإنه لا يغفر إلا برضاهم وما بينك وبين الله يغفره بتوبتك إليه، فإنه كريم ().
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق