118
موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي
الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية
المبحث الثاني:الرصيد الخلقي لصلاح الدين:
سابعاً:محافظته على أسباب المروءة :
فالمروءة : هي جِماع مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، وكمال الرُّجولة، فهي تبعث على إجلال صاحبها، وامتلاء الأعين بمهابته وحقيقة المروءة قوة للنفس، مبدأ لصدور الأفعال الجميلة عنها، المستتبعة للمدح شرعاً، وعقلاً وعُرْفا ()، وقال ابن القيم : وحقيقة المروءة: تجنُّبُ للدّنايا والرَّذائل من الأقوال، والأخلاق، والأعمال فمروة اللسان : حلاوته وطيبه، ولينه، واجتناء الثَّمار منه بسهولة ويسر، ومروءة الخلق: سعته وبسطه للحبيب والبغيض، ومروءة المال: الإصابة ببذله في مواقعة المحمودة عقلاً، وعُرفاً، وشرعاً، ومروءة الجاه: بذله للمُحتاج إليه. ومروءة الإحسان: تعجيله، وتيسيره وتوقيره وعدم رؤيته حال وقوعه، ونسيانه بعد وقوعه، فهذه مُرُوءَة البذل وأما مروءةُ الترك: فترك الخصام، والمعاتبة، والمطالبة، والمماراة () .
قال الشاعر:
إني لتُطرِ بُني الخِلاَلُ ()كريمة
ج
طرب الغريب بأوبه وتلاق
وتَهُزّنُي ذِكرى المروءةِ والنَّدى
بين الشمائل هِزَّة المشتاق ()
ولقد كان السلطان صلاح الدين كثير المروءة، نديَّ الوجه، كثير الحياء، مبسوط الوجه لمن يرد عليه من الضيوف، لا يرى أن يفارقه الضيف حتى يطعم عنده، وما يخاطبه في شيء إلا وينجزه وكان يكرم الوافد عليه، وإن كان كافراً، يقول القاضي ابن شداد: ولقد رأيته وقد دخل عليه صاحب صَيْدا بالنَّاصرة، فاحترمه وأكرمه، وأكل معه الطعام، ومع ذلك عرض عليه الإسلام فذكر له طرفاً من محاسنه وحثَّه عليه، وكان يُكرم من يرد عليه من المشايخ وأرباب العلم والفضل وذوي الأقدار، وكان يوصينا بأن لا نغفل عمَّن يجتاز بالخيم من المشايخ المعروفين حتى يحضرهم عنده وينالهم من إحسانه، ولقد مّر بنا سنة أربع وثمانين وخمسمائة رجل جمع بين العلم والتصّوف وكان من ذوي الاقتدار، وكان مشتغلاً بالعلم، وحجّ ووصل زائراً لبيت الله المقّدس. ولما قضى لبُانته منه، ورأى آثار السُّلطان فيه، وقع له زيارته، فوصل إلينا في العسكر المنصور، وما أحسست به إلا وقد دخل عليّ في الخيمة، فلقيتُه ورحبتُ به، وسألته عن سبب وصوله، فأخبرني بذلك وأنه يؤثر زيارة السُّلطان لما رأى من الآثار الحميدة الجميلة فعرَّفت السُّلطان تلك الليلة وصول هذا الرّجل، فاستحضره وروى عنه حديثاً، وشكره عن الإسلام وحثّه على الخير، ثم انصرفنا، وبات عندي في الخيمة، فلّما صلَّينا الصبح أخذ يودّعني فقَّبحت له المسير بدون وداع السُّلطان، فلم يلتفت ولم يَلوِ على ذلك. وقال : قضيتُ حاجتي منه، ولا غرض لي فيما عدا رؤيته وزيارته، وانصرف من ساعته، ومضى على ذلك ليالٍ، فسأل السُّلطان عنه، فأخبرته بفعله، فظهر عليه آثار التعتّب، كيف لم أخبره برواحه، وقال : وكيف يطرقنا مثل هذا الرّجل وينصرف عنا من غير إحسان يمُّسه منا ؟ وشدد النكير علي في ذلك، فما وجدت بُدَّاً من أن أكتب كتاباً إلى محي الدين – قاضي دمشق – كلفته فيه السؤال عن حال الرّجل، وإيصال رقعة كتبتها إليه طيّ كتابي، وأخبرته فيها بإنكار السُّلطان رَوَاحه من غير اجتماعه به وحسنَّتُ له فيها العود وكان بيني وبينه صداقة تقتضي مثل ذلك، فما أحسست به إلا وقد عاد إليّ، فكتبت رقعة وأعلمته بذلك، فكتب إلي يقول: تحضره معك ففعلت ذلك، فرحب به وانبسط معه واستوحش له، وأمسكه أياماً، ثم خلع عليه خلعة حسنة، وأعطاه مركوباً لائقاً وثياباً كثيرة، يحملها إلى أهل بيته وأتباعه وجيرانه، ونفقة يرتفق بها، وانصرف عنه وهو أشكر الناس وأخلصهم دعاء لأيامه() قال ابن شداد : ولقد رأيته وقد مثل بين يديه أسير إفرنجي وقد هابه، بحيث ظهرت عليه أمارات الخوف والجزع، فقال له الترجمان: من أي شيء تخاف؟ فأجرى الله على لسانه أن قال: كنت أخاف قبل أن أرى هذا الوجه، فبعد رؤيتي له وحضوري بين يديه، أيقنت أني ما أرى إلا الخير، فرق له، ومَّن عليه، وأطلقه () . ولقد كنت راكباً في خدمته في بعض الأيام قبالة الإفرنج وقد وصل بعض اليَزكيَّة () ، ومعه امرأة شديدة التحرُّق، كثيرة البُكاء، متواترة الدَّقَّ على صدرها، فقال اليَزَكي: إنّ هذه خرجت من عند الفرنج، وسألت الحضور بين يديك، وقد أتينا بها فأمر الترجمان أن يسألها عن قضّيتها، فقالت: إن اللُّصوص المسلمين دخلوا البارحة إلى خيمتي، وسقوا ابنتي، وبتُّ البارحة أستغيث إلى بكرة النهار، فقيل لي: الملك هو رحيم. ونحن نخُرجك إليه تطلبين ابنتك، فأخرجوني، وما أعرف ابنتي إلا منك فّرقَّ لها، ودمعت عينه وحركته مروءته وأمر من ذهب إلى سُوق العسكر، يسأن عن الصغيرة : من اشتراها ويدفع له ثمنها ويحضرها وكان قد عرف قضيتها من بكرة يومه، فما مضت ساعة حتى وصل الفارس والصغيرة على كتفه، فما كان إلا أن وقع نظرها عليهما، فخَّرت إلى الأرض تمَّرر وجهها في التراب، والناس يبكون على ما نالها، وترفع طرفها إلى السماء، ولا نعلم ما تقول : فُسلَّمت ابنتها إليها وحملت حتى أعيدت إلى عسكرهم () .
ولقد دخل عليه البْرَنْس أرناط – صاحب الكَركَ مع ملك الإفرنج بالسّاحل لما أسرهما في وقعة حطين في شهور سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، والواقعة مشهوره تجيء مشروحة في موضعها – إن شاء الله تعالى – وكان قد أمر بإحضارها، وكان هذا أرناط اللعين كافراً لعيناً جبّاراً شديداً، وكان قد اجتازت به قافلة من مصر، حين كان بين المسلمين وبينهم هدنة، فغدرها، وأخذها، ونكَّل بهم، وعذَّبهم، وأسكنهم المطامير والحُبوس الحرجة، وذكرّروه بحديث الهدنة، فقال: قولوا لمحمّدكم يخلّصكم، فلما بلغه – رحمه الله – ذلك عنه، نذر أنه متى أظفره الله به قتله بنفسه، فلما مكّن الله منه في ذلك اليوم، قوي عزمه على قتله – وفاءً بنذره – فأحضره مع الملك، فشكا الملك العطش، فأحضر له قدحاً من شراب، فشرب منه، ثم ناوله أرْنَاط، فقال السُّلطان للترجمان : قل للملك : أنت الذي سقيته، وأما أنا فما أسقيه من شرابي، وأطعمه من طعامي. فقال رحمه الله – أن من أكل من طعامي فالمروءة تقتضي أن لا أوذيه. ثم ضرب عنقه بيده وفاءً بنذره وأخذ عكّا، وأخرج الأسرى كلهم مـن ضيق الأسر، وكانوا زهاء أربعة آلاف أسير، وأعطى كلاً منهم نفقة توصله إلى بلده وأهله () ، ويروى القاضي ابن شداد هذه القصة التي تنبئ عن تسامحه الكبير ومروءته النادرة يقول ابن شداد: لما مرض الملك الإنكليزي ريتشارد قلب الأسد – أكبر خصوم صلاح الدين – بعث إليه صلاح الدين ورفَّه عنه بأن أرسل إليه الفواكه والثلح، وكان الصليبيون يعجبون من هذا التسامح الكريم الصادر عن أعدائهم من المسلمين نحوهم () . لقد كان صلاح الدين حسن العشرة، لطيف الأخلاق، طيَّب الفكاهة، حافظاً لأنساب العرب ووقائعهم عارفاً بسيرهم وأحوالهم، حافظاً لأنساب خيلهم، عالماً بعجائب الدنيا ونوادرها، بحيث كان يستفيد محاضره منه مالا يسمع من غيره، وكان حسن الخُلق يسأل الواحد منا عن مرضه ومداواته ومطعمه ومشربه، وتقلّبات أحواله وكان طاهر المجلس، لا يُذكر بين يديه أحد إلا بالخير وطاهر السمع فلا يحب أن يسمع عن أحد إلا الخير، طاهر اللسان، قال ابن شداد : فما رأيته ولع بشتم قط؛ وطاهر القلم، فما كتب بقلمه إيذاء مسلم قط () وكان حسن العهد والوفاء، فما أحضر بين يديه يتيم إلا وترحم على مخلفيه، وجبر قلبه، وأعطاه خبز مخلفه وإن كان له من أهله كبير يعتمد عليه سلمّه إليه، وإلا أبقى له من الخبز ما يكفي حاجته، وسلّمه إلى من يكفله ويعتني بتربيته، وكان ما يـرى شيخاً إلا ويـرقٌّ له ويعطيه ويُحسن إليه، ولم يزل على هذه الأخلاق إلى أن توفاه الله ().
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق