117
موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي
الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية
المبحث الثاني:الرصيد الخلقي لصلاح الدين:
سادساً:حلمه :
فالحلم أية حسن الخلق، وعنوان عُلُوَّ الهمة، فهو من أشرف الأخلاق، وأحقَّها بذوي الألباب، لما جعل الله فيه من الطُّمأنينة، والسَّكينة، والحلاوة وسلامة العرض، وراحة الجسد، واجتلاب الحمد ورفعة النفس عن تشفيها بالانتقام؛ فلا ينبل الرَّجلُ حتى يكون متخلقاً بهذا الخلق العظيم () قال تعالى : "خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين " (الأعراف: 199).
وقال الشاعر:
صفوح عن الإجرام كأنه
من العفو لم يعرف من الناس مجرماً
وليس يبالي أن يكون به الأذى
إذا ما الأذى لم يغشَى بالكره مسلماً ()
فقد كان السلطان صلاح الدين الأيوبي حليماً كثيراً ما يعفو عن أصحاب الذنوب، حسن الخلق صبوراً على ما يكره كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره ولا يعلمه بذلك ولا يتغير عليه، وكان يوماً جالساً فرمى بعض المماليك بعضاً بسرموزه – أي حذاء – فأخطأته ووصلت إلى السلطان ووقعت بالقرب منه فالتفت إلى الجهة الأخرى يتغافل عنها () ، وقال القاضي شهاب الدين : نفرت بغلتي يوماً من الجمال وأنا راكب في خدمته، فزحمت ركبته حتى أقلقته من الوجع وهو يبتسم، وكذلك سرق من خزانته كيسان من الذهب المصري وأبدلا بكيسين من الفلوس فلم يعمل للمباشرين سوى صرفهم () ، قال القاضي ابن شداد : ولقد كنت في خدمته بمرج عيون قبل خروج الإفرنج إلى عكّا، وكان من عادته أن يركب في وقت الركوب. ثم ينزل، فيُمدُّ الطعام، ويأكل مع الناس ثم ينهض إلى خيمة خاصه له ينام فيها، ثم يستيقظ من منامه، ويصليّ، ويجلس خلوة وأنا في خدمته، نقرأ شيئاً مـن الحـديث أو شيئاً من الفقه، ولقد قرأ عليَّ كتاباً مختصراً لسليم الرّازي () ، يشتمل على الأرباع الأربعة في الفقه، فنزل يوماً على عادته، ومُدَّ الطعام بين يديه، ثم عزم على النهوض، فقيل له : إن وقت الصلاة قد قرب، فعاد إلى الجلوس. وقال : نصليَّ وننام ثم جلس يتحدث حديث متضجر وقد أُخلي المكان إلا ممّن لزم، فتقّدم إليه مملوك كبير محترم عنده، وعرض عليه قصة لبعض المجاهدين، فقال له: أنا الآن ضجران، أخَّرها ساعة، فلم يفعل، وقّدم القصة إلى قريب من وجهه الكريم بيده، وفتحها بحيث يقرأها، فوقف على الاسم المكتوب في رأسها فعرفه فقال: رجل مُستحق فقال: يوّقع له المولى، ها هي . فقال: ليست الدّواة حاضرة الآن، وكان جالساً في باب الخَرْكاه () بحيث لا يستطيع أحد الدخول إليها، والدَّواة في صدرها، فقال له المُخاطب : هذه الدواة في صدر الخَرْكَاه ! وليس لهذا المعنى إلا أمره إياه بإحضار الدواة لا غير، فالتفت فرأى الدَّواة، فقال: والله لقد صَدَق. ثم امتّد على يده اليسرى، ومّد يده اليمنى فأحضرها، ووقع له، فقلت: قال الله تعالى في نبيه صلى الله عليه وسلم " وإنك لعلى خلق عظيم " وما أرى المولى إلا قد شاركه في هذا الخلق، فقال : ما ضَّرنا شيء، قضينا حاجته وحصل الثواب ولو وقعت هذه الواقعة لآحاد الناس وأفرادهم لقام وقعد، ومن الذي يقدر أن يخاطب أحداً هو تحت حكمه بمثل ذلك، وهذا غاية الإحسان والحلم والله لا يضيع أجر المحسنين ().
لقد كان صلاح الدين يسمع من المستغيثين إليه والمتظلمين أغلظ ما يمكن أن يسمع ويلقى ذلك بالبشر والقبول وهذه حكاية يندر أن يًسطر مثلها: وذلك أنه كان قد اتجه أحد ملوك الإفرنج – خذلهم الله بيافا، فإن العسكر كان قد رحل عنهم، وبَعُدَ وتراجع إلى النّطرون، وهو مكان بينه وبين يافا للعسكر مرحلتان للمجّد وثلاث معتادة، وجرد العسكر ومضى إلى قيساريه يتلقّى نجدتهم، عساه يبلغ منها غرضاً، وعلم الإفرنج الذين كانوا بيافاً ذلك، وكان بها الأنكتار () ومعه جماعة، فجَّهز معظم من كان عنده في الرّكب إلى قيسارية، خشية على النجدة أن يتم عليها أمر، وبقي الأنكتار في نفر يسير لعلمهم ببعده عنهم وبُعد العسكر، ولما وصل – صلاح الدين – إلى قَيْسَاريَّة، ورأى النجدة قد وصلت إلى البلد واحتمت به، وعلم أنه ما ينال منهم غرضه، سرى من ليلته من أول الليل إلى آخره حتى أتى يافا صباحاً، والأنكتار في سبعة عشر فارساً وتقدير ثلاثمائة راجل، نازلاً خارج البلد في خيمة له، فصبَّحه العسكر صباحاً، فركب الملعون، وكان شجاعاً باسلاً صاحب رأي في الحرب، وثبت بين يدي العسكر، ولم يدخلها البلد فاستدار العسكر الإسلامي، بهم إلا من جهة البلد، وتعبّى العسكر تعبية القتال. وأمر السُّلطان العسكر بالحملة انتهاز الفرصة، فأجابه بعض الأكراد الأمراء بكلام فيه خشونه، حاصلة، تعتّبُ، لعدم التوفير في إقطاعه، فعطف عنان فرسه كالمغُضبَ، لعلمه أنهم لا يعملون في ذلك اليوم شيئاً وتركهم وانصرف راجعاً، وأمر بخيمته التي كانت منصوبة أن قُلعت، وانقضّ الناس عن العدوّ، متيقّنين أن السلطان في ذلك اليوم ربما صلب وقتل جماعة ... ولم يزل السلطان – سائراً حتى نزل بيازور وهي مرحلة لطيفة، فضرُبت له خيمة لطيفة هنالك، ونزل بها، ونزل العسكر في منازلهم تحت صايوانات ()، لطيفة كما جرت العادة في مثل ذلك الوقت، وما من الأمراء إلا من يرعد خيفة، ومن يعتقد أنه مأخوذ مسخوط عليه. قال: ولم تحدّثني نفسي بالدخول عليه خيفة حتى استـدعاني. قال : قد خلت عليه وقد وصله من دمشق المحروسة فاكهة كثيرة، فقال: أطلبوا الأمراء حتى يأكلوا شيئاً. قال : فسُرّي عني ما كنت أجده، وطلبتُ الأمراء، فحضروا وهم خائفون فوجدوا من بشره وانبساطه ما أحدث لهم الطُّمأنينة والأمن والسَّرور، وانصرفوا عنه على عزم الرحيل، كأن يجر شيءٌ أصلاً () ، ولم يكن حلمه – رحمه الله – قاصراً على أتباعه ورعيته وجنده، وإنما تعدى ذلك إلى الأعداء الذين كانوا يحاربونه ويحاربهم () ، كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق