109
موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي
الفصل الثاني :قيام الدولة الأيوبية
المبحث الأول:أسرة صلاح الدين ونشأته
ثالثاً:نشأة صلاح الدين:
هاجر الأخوان نجم الدين أيوب وشيركوه من بغداد إلى الموصل، حيث نزلا عند (عماد الدين زنكي) الذي رحب بالأخوين ترحيباً عظيماً، وأجرى عليهما المنح والعطايا وما هذا الترحيب والإكرام إلا مكافأة على موقفهما المخلص من إنقاذهما له من القتل أو الأسر ذلك لأن عماد الدين زنكي صاحب الموصل قد حارب السلجوقية عند "تكريت" أيام كان "بهروز" والياً على بغداد من قبل السلجوقيين، وسبق أن ذكرنا أن نجم الدين أيوب، وشيركوه كانا قائمين على تكريت وقلعتهما من قبل بهروز، وكان من نتيجة حرب عماد الدين للسلجوقيين أن أنهزم جيشه أما جيش السلطان السلجوقي، وفي أثناء انسحابه ورجوعه إلى الموصل مّر بتكريت وأصبحت حياته هو وجيشه في يد نجم الدين أيوب والي تكريت يومئذ إن شاء أبقاهم أحياء، وإن شاء قتلهم، ففضل نجم الدين الإحسان على الإساة فقام هو وأخوه شيركوه بمساعدة عماد الدين وسهلاً له أمر النجاة والسلامة حتى وصل إلى الموصل، فكان لهذه المعاملة الحسنة والموقف النبيل أكرم الأثر، وأحسن النتائج في بناء ملك أيوب، وإقامة مجد الإسلام على يد صلاح الدين () ولما وصل الرجلان إلى الموصل لقيهما عماد الدين، كما ذكرنا بالترحاب وجازاهما على ما صنعا معه من الجميل له في تكريت، فأقطعهما أرضاً ليعيشا عنده معزَّزين مكرمين ()، وفي رحاب عماد الدين تطورت الأسرة الأيوبية، فقد أصبح نجم الدين وأخوه شيركوه من خيرة القادة، وقتل عماد الدين بعد ذلك وأصبح نور الدين صاحب اليد الطولى وكان ذلك بمساعدة الأيوبيين واستطاع أن يضم دمشق لملكه وفي دمشق ترعرع صلاح الدين وتلقى علومه الإسلامية ومارس فنون الفروسية والصيد والرمي بالسهام وغيرهما من ضـرورات البطولة () وعندما فتح نور الدين محمود زنكي بعلبك سنة 534ه ولي عليها نجم الدين أيوب إلا أن صاحب دمشق مجير الدين، قام بحصار نجم الدين أيوب في بعلبك، وكاتب نجم الدين نور الدين محمود، وسيف الدين غازي، وطلب منهما النجدة، فاشتغلا عنه، وبعد حصار طويل تم الصلح بين الطرفين على حال، وانتقل إلى دمشق وصار من كبار أمرائها () ، وهكذا عاش صلاح الدين طفولته الأولى في بعلبك سنة (534ه/1140م) وكان يشاهد ويسمع بين حين وآخر، اعتداء الصليبيين على البلاد الإسلامية، ولما قام الصليبيون بالهجوم على سهل البقاع المجاور لبعلبك سنة 546ه تصدى لهم نجم الدين وأسد الدين شيركوه وهزمهما وأخذ منهم أسارى () ، وفي السنة نفسها التحق صلاح الدين في خدمة عمه أسد الدين شيركوه وهزمهما وأخذ منهم أسارى () وكان أسد الدين مرافقاً لنور الدين الذي تولى قيادة الزنكيين بعد مقتل والده، ويبدو أن نور الدين كان قد أدرك قدرات صلاح الدين العسكرية والإدارية، فقد ذكر أبو شامة أن صلاح الدين تقدم بين يدي نور الدين فقبله وأقطعه اقطاعاً حسناً () ، وعول عليه ونظر إليه، وقربه، وخصصه، ولم يزل يتقدم تقدما تبدو منه أسباب تقضي تقديمه إلى ما هو أعلى () . وكان نور الدين يكلفه بالذهاب إلى عمه لاستشارته في قضايا، تخص الدولة والمكوس، والضمانات، فقد كان نور الدين يهتم بمشاورة كبار قواده () . وتسمى هذه الوظيفة لصلاح الدين في العصر الحديث كاتم الأسرار ضابط الركن الشخصي لنور الدين () . وأما عن كيفية تبؤ صلاح الدين الأيوبي أعماله الرسمية فقد فصل لنا ابن الفرات ذلك بقوله : ولم يزل صلاح الدين في كنف والده حتى ترعرع، فلما تملك الملك العادل نور الدين دمشق لازم الأمير نجم الدين أيوب ولده يوسف بخدمته، وكانت مخائيل السعادة على صلاح الدين لائحه، ومنه تعلم صلاح الدين طريق الخير، وفعل المعروف والاجتهاد في أمور الجهاد حتى ظهر للسير مع عمه أسد الدين شيركوه إلى الديار المصرية، ولم يزل أسد الدين آمراً ناهياً بالديار المصرية، وابن أخيه صلاح الدين يباشر الأمور بنفسه بكل عناية وحسن رأي وسياسة فقد () ، وفي ولاية أبيه على بعلبك درس صلاح الدين العلوم الإسلامية، وفنون القتال، فضلاً عن فنون لعب الكرة والفروسية، وغيرها من فنون الطبقات الحاكمة إلى جانب براعته في لعبة الجوكان، وهي لعبة رياضية أصلها شرقي يمارسها اللاعبون وهم على ظهور الخيل التي ورثها عن أبيه، فضلاً عن اهتمامه بالعلوم الدينية () ، ونستنتج من ذلك واستناداً إلى ما تقدم أن المرحلة التي عاش فيها صلاح الدين في الشام، وقبل أن يتبوء منصباً عسكرياً مهما، كان يراقب التطورات السياسية والعسكرية الموجودة على الساحة الإسلامية وأبرزها الصراع مع الصليبيين واعتماد نور الدين على والده وعمه شيركوه وكان لابد أن يتأثر بهذه الأحداث وإن لم يشارك فيها، ولابد أيضاً أن ينمو لديه شعور يحتم عليه أن يعد نفسه للمستقبل ولاسيما للمناصب المتقدمة في الدولة () ، ويمكن القول أن صلاح الدين نشأ وتربى بين أحضان أسرته، وأخذ عن أبيه نجم الدين براعته في السياسة واكتسب من عمه شيركوه شجاعته في الحروب، فنشأ متشبعاً بالدهاء السياسي والروح الحربية، كما تعلم علوم عصره فحفظ القرآن ودرس الفقه والحديث، وتتلمذ على أيدي كبار العلماء وأساتذة منطقة الشام والجزيرة منهم الشيخ قطب الدين النيسابوري () ، وقد تأثر صلاح الدين بالسلطان نور الدين محمود الذي قّدم النموذج الرائع للإخلاص المتفاني والشعور الحادّ بالمسؤولية الدينية وتعلم منه الإخلاص والفداء وكيف يناجي ربه في صلوات خاصة في محاربه يأخذ منها زاده القوي على الجهاد، وورث عنه قيادة المشروع الإسلامي وتعلم منه كيفية التصدي للمد الشيعي الرافضي، والغزو الصليبي وقد بينت ذلك مفصلاً في كتابي عن الدولة الزنكية وسيرة نور الدين محمود الشهيد.
لقد درج صلاح الدين على طريق العز، ونشأ على الفروسية، وتدرب على الحرب والجهاد ومارس السياسة وتدبير الأمور، وكما يقول الشاعر:
وينشأ ناشئ الفتيات فينا
على ما كان عوده أبوه
وفي المدة التي قضاها في دمشق بعد استيلاء نور الدين بن عماد الدين زنكي عليها ظهرت شخصية صلاح الدين الفذة، فكان محل احترام وتقدير، بل كان له من الاعتبار والمكانة ما لابن حاكم دمشق نفسه، وقد ظهر أمام المجتمع بمظهر الشاب الهادئ المهذب المتدين، المتقد غيرة على الإسلام والمسلمين بما طبع في نفسه من أخلاق نور الدين الذي أنزله لديه منزلة خاصة، ومن المناصب التي أسندت إليه في دمشق – في عهد نور الدين – منصب رئاسة الشرطة وقد قام بهذا المنصب أحسن قيام، واستطاع أن يطهر دمشق من عبث اللصوص، ومن شرور المفسدين، فأعاد الأمن والاستقرار في ربوع الشام، وبات الناس يأمنون على أنفسهم وأموالهم وينعمون بنعمة الحياة الهادئة المطمئنة الكريمة، ولعل حسان بن نمير المعروف "بعرقلة" الدمشقي يوضح في فرحته بيوسف صلاح الدين لتسلمه رئاسة شرطة بلده، وذلك حيث يقول :
رويدكم يا لصوص الشام
فإني لكم ناصح في المقال
أتاكم سمي النبي الكريم
يوسف رب الحجا والجمال
فذاك يقطع أيدي النساء
وهذا يقطع أيدي الرجال ()
وأما المدة التي قضاها صلاح الدين في مصر فتعد من أعظم الأيام التي أظهرت بطولته الفائقة وحنكته الحربية النادرة، فقد لازم عمه أسد الدين شيركوه في حملاته الثلاثة على مصر، وكان من ضمن رجاله الأفذاذ، فقد أظهر البراعة العظيمة والعبقرية الفذة في فنون الحرب والقتال، فبتدبيره وذكائه وحسن تصرفه استطاع مع عمه أسد الدين أن يضم مصر إلى الدولة النورية بعد تخليص الشعب المصري العظيم من براثين الدولة الفاطمية الشيعية الرافضية، وتلخص مما تقدم أن صلاح الدين نشأ في السنين الأولى من طفولته، وفي العقد الثاني والثالث من شبابه على الفضائل الكريمة، والخصال الحميدة، واكتسب في مجالسته للأمراء، ومن مصاحبته للقادة العادات الأصيلة، والمهارة الحربية، والغيرة الإسلامية، والشجاعة المادية والأدبية وهذا ما أهله – باستحقاق وجدارة () – لأن يكون من الشخصيات الفذة التي هزت الدنيا وساهمت في صناعة حقبة مهمة من التاريخ الإسلامي العظيم.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق