إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 9 يوليو 2014

55 موسوعة الحروب الصليبية (2)عصر الدولة الزنكية الفصل الثاني :عهد نور الدين زنكي وسياسته الداخلية : المبحث الثاني:أهم صفات نور الدين زنكي: عاشراً : مفهومه للتوحيد وتضرعه ودعاؤه :


55

موسوعة الحروب الصليبية (2)عصر الدولة الزنكية

الفصل الثاني :عهد نور الدين زنكي وسياسته الداخلية :

المبحث الثاني:أهم صفات نور الدين زنكي:

عاشراً : مفهومه للتوحيد وتضرعه ودعاؤه :

كان الملك العادل نور الدين محمود الشهيد من عمق فهمه للتوحيد ومعرفته بالله تعالى لا يفعل فعلاً إلا بنية حسنة ( ) ، وحقق في حياته مفهوم التوحيد الصحيح، وحقق الإيمان بكل معانيه والتزم بشروطه وابتعد عن نواقضه وهذا الموقف العظيم يدل على ما قلنا : قال له قطب الدين النيسابوري – الفقيه الشافعي – مرة : بالله لا تخاطر بنفسك، وبالإسلام والمسلمين فإنك عمادهم ( )  - فقد نصحه بعدم الاشتراك بالقتال والمخاطرة بنفسه حتى لا يقتل فلا يبقى من المسلمين أحد إلا أخذه السيف وتؤخذ البلاد ( )، فقال نور الدين : يا قطب الدين اسكت فإن قولك هذا إساءة أدب على الله، ومن محمود حتى يقال له هذا، قبلي من حفظ البلاد، ذلك الله الذي لا إله إلا هو فبكى من كان حاضراً ( ) : وهذا الذي قاله نورالدين رحمه الله يدخل في صميم مفهوم التوحيد، فالله هو الأول والآخر، والظاهر والباطن وما الناس، ابتداء من أصغر جندي فيهم حتى أكبر قائد إلا أدوات "فاعلة" في يده يحّركها وفق مشيئته وإرادته لتحقيق كلمته في الكون الله عز وجل وكفى ( ). هذا التطبيق العملي لمفهوم الإيمان بالله وتحقيق توحيده الذي لو أدركته قياداتنا عبر التاريخ لعرفت كيف تضع هذا التاريخ لصالحنا نحن لا لصالح الخصوم والأعداء ( ) .

وفي ساحة الحرب، حيث الموت على بعد خطوات وحيث لقاء الله آت وراء كل لحظة .. كان نور الدين يذوب تواضعاً وإشفاقاً وتصفه تقواه العميقة في حضور مؤثر أمام الله حيث تتمزق في أعماق وعيه بقايا الستائر والحجب التي ظل يكافح من أجل تمزيقها لكي يقف نقياً .. فعندما التقت قواته في حارم بالصليبيين الذين كانوا يفوقونهم عدة وعدداً انفرد نور الدين تحت تل حارم وسجد لربه عز وجل ومّرغ وجهه وتضرع وقال : يارب هؤلاء عبيدك وهم أولياؤك، وهؤلاء عبيدك وهم أعداؤك، فانصر أولياءك على أعدائك. وإيشى فضول محمود في الوسط ؟ يقول أبو شامة : يشير نور الدين هنا إلى أنك يارب إن نصرت المسلمين فدينك نصرت، فلا تمنعهم النصر بسبب محمود إن كان غير مستحق للنصر. وبلغني أنه قال : اللهم انصر دينك ولا تنصر محموداً من الكلب محمود .. حتى
ينصر ( ) ؟ وفي إحدى المعارك سنة ست وخمسين وخمس مائة، قضى الله بانهزام عسكر المسلمين، وبقي الملك العادل مع شرذمة قليلة، وطائفة يسيرة، واقفاً على تلَّ يقال له تل حبيش وقد قرب عسكر الكُفَّار بحيث اختلط رجّالة المسلمين مع رجالة الكُفَّار، فوقف الملك العادل بحذائهم مولَّيا وجهه إلى قبلة الدُّعاء، حاضراً بجميع قلبه مناجياً ربه بسرّه يقول : يا رَبَّ العباد، أنا العبد الضعيف ملَّكتني هذه الولاية وأعطيتني هذه النيَّابة، عمرت بلادك، ونصحت عبادك، وأمرتهم بما أمرتي به ونهيتني عما نهيتني عنه، فرفعت المنكرات من بينهم، وأظهرت شعار دينك في بلادهم، وقد انهزم المسلمون، وأنا لا أقدر على دفع هؤلاء الكفار أعداء دينك ونبيَّك محمد صلى الله عليه وسلم ولا أملك إلا نفسي هذه وقد سلمتها إليهم ذاباً عن دينك وناصراً لنبيك، فاستجاب الله تعالى دعاءه وأوقع في قلوبهم الرُّعب وأرسل عليهم الخذلان فوقفوا في مواضعهم وما جسروا على الإقدام عليه، وظنوا أن الملك العادل عمل عليهم الحيلة، وأن عسكر المسلمين في الكمين، فإن أقدموا عليه تخرج عساكر المسلمين في الكمين فلا ينفلت منهم أحد فوقفوا وما أقدموا عليه ( ). ومن خلال المواقف السابقة يبدو نور الدين لا فدائياً فحسب ولكن فقيهاً بقدر الله متبصر بدور الإنسان في حركة التاريخ، عالماً أن إرادة الله إذا شاءت تهيأت لها الأسباب ولن يعجزها شيء ولو مات أو قتل عشرات القادة والمجاهدين، فإن آخر رجل منهم سيحمل المهمة ويواصل الطريق، ومن ثم يستوي – عبر هذه الرؤية – هذا القائد أو ذاك ( ). وكان نور الدين محمود في أكثر الليالي يصلي ويناجي ربه مقبلاً بوجهه عليه، ويؤدّي الصلوات الخمس في أوقاتها بتمام شرائطها وأركانها وركوعها وسجودها ( ) .وبلغنا عن جماعة من الصوفية الذين يعتمد على أقوالهم ممَّن دخلوا ديار القدس للزيارة حكاية عن الكفار، أنهم يقولون : ابن القسيم، له مع الله سر، فإنه ما يظهر علينا بكثرة جنده وعسكره، وإنما يظفر علينا بالدعاء وصلاة الليل، فإنه يصلي بالليل ويرفع يده إلى الله ويدعو، فالله سبحانه يستجيب دعاءه، ويعطيه سؤله وما يَرُدّ يده خائبة، فيظفر علينا، فهذا كلام الكفار في حقه ( ).

إن نور الدين محمود اعتبر الدعاء من أمضى الأسلحة التي تسهم في تحقيق النصر، ومهما أعد المسلمون من أسلحة وعدة وعتاد، فإنهم يظلون عرضة للفشل والهزيمة والإحباط، إذا امتنعوا عن استخدام هذا السلاح، أو أساءوا استخدامه ( ) ، ولذلك استخدمه بنفسه وطلب من الزهاد والعباد والعلماء والفقراء والفقهاء كذلك وكان مستوعباً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تنصرون إلا بضعفائكم ( ).

فالدعاء لله والتعلق به عند قادة النهوض الربانيين والصادقين من المسلمين : مخ العبادة ( ) ، لا بل هو سيد العبادات وأقربها وأحبها إلى الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم : الدعاء هو العبادة ( )، ومفتاح الرحمة ستمطر العباد به مفاتيح رحمة الله تعالى بعد أن تتقطع بهم الأسباب ( ).

أيها الأخوة الكرام المهتمون بنهضة أمتهم والتمكين لدين الله تعالى في الأرض، عليكم بالدعاء فإنه كنز حقيقي من جملة الكنوز التي تنطوي عليها الشريعة الإسلامية فالله تعالى يحض عباده على اقتناص هذا الكنز في مثل قوله تعالى " أدعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين" (الأعراف : 55). وفي مثل قوله تعالى : " وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين " (غافر، آية : 60) وغالباً ما تحدث الإجابة عاجلاً أم آجلاً : " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا لي لعلهم يرشدون " ( البقرة ،
آية : 186).

إن من أسباب نجاح نور الدين محمود في مشروعه النهضوي، استيعابه العميق لفقه الدعاء ومقدرته على استخدامه كسلاح فتاك  ضد الأعداء، وحسن تضرعه وانكساره بين يدي المولى عز وجل.

 
يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن 





ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق