56
موسوعة الحروب الصليبية (2)عصر الدولة الزنكية
الفصل الثاني :عهد نور الدين زنكي وسياسته الداخلية :
المبحث الثاني:أهم صفات نور الدين زنكي:
الحادي عشر : محبته للجهاد والشهادة :
كان نور الدين محمود الشهيد من محبي عبادة الجهاد في سبيل الله ويجد متعته في جهاد الأعداء والمرابطة في الثغور قال العماد الأصفهاني : حضرت عند نور الدين بدمشق – في شهر صفر – والحديث يجري في طيب دمشق ورقة هوائها وأزهار رياضها وكل منا يمدحها ويطربها، فقال نور الدين : إنما حب الجهاد يسليني عنها فما أرغب فيها ( )، ومرة أخرى نلتقي به وهو يغادر الموصل بعد عشرين يوماً من دخوله إياها عام 566ه فيسأله أصحابه : إنك تحب الموصل والمقام بها، ونراك أسرعت العود ؟ فيجيب : قد تغير قلبي فيها فإن لم أفارقها ظلمت ؛؛ ويمنعني أيضاً أنني ها هنا لا أكون مرابطاً للعدو وملازماً للجهاد ( ) وأما حبه للشهادة، فقد قال عنه أبو شامة : كان في الحرب ثابت القدم حسن الرمي، صليب الضرب يقدم أصحابه ويتعرض للشهادة وكان يسأل الله تعالى أن يحشره في بطون السَّباع وحواصل الطير ( )، كانت عقيدة الشهادة تحركه وهذا الإيمان العميق بعقيدة الشهادة في سبيل الله هو الذي دفع أجيالاً من المسلمين إلى ساحات الجهاد طلباً للموت، فأسقطوا الدول، وغيروا الخرائط وسحقوا العروش ومرغوا الأنوف، ولم يموتوا، فكان نور الدين إذا حضر الحرب أخذ قوسين وجعبتين وباشر القتال بنفسه وكان يقول طالما تعرضت للشهادة فلم أرزقها ( ).
إن الملك العادل نورالدين محمود الشهيد تربى على كتاب الله وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقد خص الله الشهيد بالذكر في القرآن الكريم في مواضع مها قال تعالى " وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء " (آل عمران، آية : 140). وفي هذه الآية إشارة واضحة إلى أن الشهادة إنما هي اصطفاء وتكريم من الله عز وجل لبعض عباده الأخيار، وأن الشهادة لا تكون لكل أحد من الناس فالله سبحانه وتعالى يكرم بها من يشاء من خلقه ( ) والثانية قوله تعالى : " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا " (النساء، آية : 69). هذه الآية يبين الله سبحانه وتعالى درجة المصطفين الأخيار من شهدائه أنهم مع النبيين والصديقين ومن تكون له هذه المنزلة إلا من أكرمه الله بالشهادة، ثم تأتي الصورة الناصعة للشهداء يوم القيامة يوم يؤتى بهم مع النبيين ليشهدوا يوم القيامة لمن ذب عن دين الله، وذلك شرف عظيم وموقف عظيم نالوه بالشهادة يقول الله عز وجل في هذه الآية " وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء " (الزمر الآية : 69).
لقد أعد الله للشهداء من الكرامة والنعيم الأبدي ما يجعل كل نفس زكية تتوق إلى الشهادة وترغب لتفوز بالأجر العظيم ( ) قال تعالى " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله وستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألاّ خوف عليهم ولا هم يحزنون " (آل عمران : الآية : 169 – 170). وقال تعالى : " ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتٌ بل أحياء ولكن لا تشعرون " (البقرة، آية : 154).
وورد في السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن أرواح الشهداء في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم أطَّلاعة فقال : هل تشتهون شيئاً ؟ قالوا : أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؛ فعل بهم ذلك ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا : يارب نريد أن تُردَّ أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُرِكوا ( ). فالشهيد فضله عظيم ومكانته رفيعة، فإذا كان الله – سبحانه وتعالى – فضل المجاهدين على القاعدين فالشهداء أكثر فضلاً وأعظم تشريفاً ( ). ولقد قاتل نور الدين الأعداء وجاهد في الله حق جهاده حتى استحق لقب الشهيد ( )، تشريفاً وتكريماً من الأمة لهذا البطل المجاهد الفذ.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق