إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 6 يوليو 2014

164 دولة السلاجقةوبروز مشروع إسلامي لمقاومةالتغلغل الباطني والغزو الصليبي الفصل الخامس الحروب الصليبية في العهد السلجوقي المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى: ثالثاً :تأسيس مملكة بيت المقدس : 6- الهجوم الحاسم :


164

دولة السلاجقةوبروز مشروع إسلامي لمقاومةالتغلغل الباطني والغزو الصليبي

الفصل الخامس

الحروب الصليبية في العهد السلجوقي

المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى:

ثالثاً :تأسيس مملكة بيت المقدس :

6- الهجوم الحاسم :

بدأ الصليبيون هجومهم على القدس ليل 13 – 14 تموز/ يوليو 1099م على محورين :

المحور الأول : شمال – جنوب بقيادة، غودفروا دي بويون ومعه روبرت كونت الفلاندر وروبرت كونت النورماندي، وتانكرد. وهو من باب الساهرة باتجاه الحرم الشريف.

المحور الثاني : جنوب شمال، بقيادة ريمونددي سان جيل كونت تولوز ومعه بعض النبلاء والقادة، وهو من جبل صهيون " قبالة باب صهيون، باتجاه القلعة أو حصن داود ووافقاً لما ذكره المؤرخ ريموند آغيلرز، وهو شاهد عيان للمعركة، بلغ عدد المهاجمين 12 ألف مقاتل من المشاه 1200 أو 1300 مقاتل  .

إلا أن المهاجمين لم يتمكنوا من إحراز أي تقدم طيلة اليوم الأول 14 تموز، إذ إنهم كانوا يجابهون بما ترميه عليهم آلات الحرب ومعدات القذف من نبال وقسي وسهام وقذائف حجرية وخرق مبللة بالزيت ومشتعلة وقوارير ملتهبة ونار إغريقية، بينما كانت حجارتهم تسقط على أسوار المدينة وتحصينات المسلمين بلا أية فعالية تذكر، نظراً لأن المسلمين حصنوا تلك الأسوار والتحصينات " بأكياس مليئة بالقش والتبن " وبالحبال والمنسوجات والعوارض الخشبية الضخمة والفرش المحشوة بالحرير، وكانت هذه تشكل، بطراوتها وليونتها عازلاً بين الحجارة المقذوفة وتلك الأسوار والتحصينات، إلا أنه، في صباح اليوم التالي أعتمد المهاجمون أسلوباً آخر في القتال  .

- عمليات المحور الأول المحور الشمالي : بدأت عمليات هذا المحور، بقيادة غودفروا دي بويون، ليل 13 – 14 تموز/ يوليو، بمحاولة تقدم من جهة باب الساهرة نحو السور، يصحبها طمر الخندق العريض، والعميق المحفور حوله من الخارج بغية دفع آلات الحرب والبروج المتنقلة نحوه، ولكن الرمايات الكثيفة التي نفذتها حامية المدينة، على هذا المحور، بمختلف أنواع الأسلحة، أعاقت تقدم المهاجمين إلى حد كبير فبينما كان المهاجمون يجهدون لدفع بروجهم وآلات حربهم نحو السور بغية السيطرة عليه وعلى التحصينات القائمة خلفه، كان المدافعون يجهدون في عرقلة أعمال المهاجمين هذه برميهم بالقذائف المشتعلة، والنبال المحملة بالكبريت الملتهب والإسفلت والزيت، أو أي شيء آخر يزوَّد ألسنة النيران بالوقود بالإضافة إلى ما كانت ترميه المجانيق وآلات الحرب الأخرى من نبال وسهام وحجارة ضخمة وكان المهاجمون ينشطون في إطفاء الحرائق التي كانت تشتعل، من جراء ذلك، في آلاتهم الحربية. وهكذا انقضى اليوم كله دون أن يحقق المهاجمون تقدماً يذكر، خصوصاً وأن رماياتهم على سور المدينة وتحصينات حاميتها لم تكن فعّاله بالقدر الكافي، وذلك بسب التدابير التي اتخذها المدافعون عن ذلك السور وتلك التحصينات وما أن بدأ الليل يقترب حتى بدأ النزاع يخّف ورمايات الفريقين تقّل تدريجياً، دون أن يتخطّى أي منهما عن حذره وسلاحه، ومرليل 14 – 15 والفريقان على حذرهما وسلاحهما، يرقب كل منهما تحركات خصمه لمنع وقوع أي ضرر عليه، فبينما كان المدافعون حذرين كي لا يتسلل العدو إلى داخل المدينة عن طريق إحداث ثغرة في الصور، أو تسلق التحصينات  ، لذا كان الخوف والحذر مستمرين ومتبادلين بين الفريقين طيلة ليل 14 – 15 تموز/ يوليو إلا أن القتال مالبث أن استؤنف صباح يوم 15 تموز، وذلك عندما أستأنف غودفروا هجومه بعنف، على السور، محاولاً أن يقترب منه ببرجه المتحرك وآلات حربه، وكان البرج مغطّى بجلود الحيوانات المسلوخة حديثاً وذلك لحماية الجسور من النار الإغريقية  ، والتي يرميها المسلمون واستطاع غودفروا، بعد جهد ومشقة، أن يصل ببرجه إلى حافة السور، وأن يمَّد، عند ظهر ذلك اليوم، جسراً من البرج إلى السور، عند باب الساهرة، وكان " غودفروا " وأخوه " يوستاس" في الطابق العلوي من البرج، عندما تقدم اثنان من مقاتليه " وهما ليتولد وجبلبرت من تورناي " واقتحما السور، فتبعها كل من غودفروا وأخيه، فكانوا أول من دخل مدينة القدس من المقاتلين الصليبيين صبيحة يوم 15 تموز، يوليو 1099م. وما لبث، بعد ذلك، أن تدافع المهاجمون نحو السور يتسلقونه بسلالمهم وأوهاقهم، على رأسهم روبرت كونت الفلاندر وروبرت كونت النورماندي وتانكرد، مما جعل المدافعين يتراجعون، مذعورين، نحو الحرم الشريف لكي يجتموا به ولكن المهاجمين تبعوهم إلى المسجد الأقصى حيث جرت، كما يذكر مؤرخ " صليبي " مجهول " مجزرة " كان من نتيجتها أن " مشى رجالنا في الدم حتى كعوب أقدامهم "  بعد ذلك، وزع غورفروا المهام على قادة الفرق، فأرسل منهم من يفتح " باب العمود " للقوى التي كانت لا تزال خارج المدينةن كما أرسل فرقة اقتحمت المدينة من الشرق، من باب يهوشافاط. أما تانكرد، فتقدم، من تلقاء نفسه، نحو " الحرم الشريف " حيث كانت " قبة الصخرة " بما تزخر به من ثروة ذكر ابن الأثير أنها كانت نيفاً وأربعين قنديلاً من الفضة، وزن كل قنديل 3600درهم، وتنوراً لا مصباحاً كبيراً " من فضة  وزنه أربعون رطلاً بالشامي، و... من القناديل الصغار  150قنديلاً نقرة، ومن الذهب نيفاً وعشرين قنديلاً " فغنمهما كلها وغنم الصليبيون من المسجد الأقصى، كما يذكر ابن الأثير أيضاً مالا يقع عليه الإحصاء  ، وكان قد لجأ إلى سطح المسجد مئات من المسلمين أعطاهم " تانكرد " الأمان وأعطاهم رايته ضماناً لهم، إلا أنهم، في اليوم التالي، ذبحوا جميعاً، ذبح النعاج، على أيدي جنود صليبيين دخلوا الحرم الشريف وقتلوهم جميعاً بلا استثناء لولد أو شيخ أو امرأة، غير عابئين بالأمان الذي أعطاهم إياه تانكرد، ولا برايته التي رفعوها اعتقاداً منهم أنها ستحميهم  .

- عمليات المحور الثاني " المحور الجنوبي " :

بدأ ريمون، كونت تولوز، يّعد للهجوم قبل ثلاثة أيام من بدئه، أي من تاريخ 12 تموز/يوليو، حيث كان عليه أن يطمر خندقاً عريضاً وعميقاً يفصل بين السور من الخارج وبين مواقعه، ويجعل وصوله إلى السور، مع برجه وآلات حربه، صعباً إن لم يكن مستحيلاً وقد لاقى ريموند مشقة كبيرة في أداء هذه المهمة، خصوصاً وأن نيران الحامية " ومنها النار الإغريقية " التي كانت تقذف عليه من داخل السور، ومن حصن داود أو القلعة لم تكن لتوفر له الراحة والأمان لبلوغ المهمة، ومع ذلك فإن ريموند استطاع، مساء 14 تموز/ يوليو، أن يدفع ببرجه المتنقل فوق الخندق، ويبلغ به السرور، بعد ذلك، وليل 14 – 15 تموز بدأ ريموند وقواته محاولة صعبة للتقدم من جبل صهيون قبالة باب النبي داود باتجاه او حصن داود. وقد لقي المهاجمون، على هذا المحور، مقاومة أشد من تلك التي لقبها المهاجمون على المحور الأول، خصوصاً، وأن حاكم المدينة أو قائد حاميتها (افتخار الدولة) كان يقود الجبهة المواجهة لريموند وقواته. واستمر القتال طيلة ظهر 15 تموز، وفي هذه الأثناء، كان غودفروا قد احتل الجهة الشمالية وتوغل في المدينة دون أن يعلم ريموند بالأمر، لا خصمه، افتخار الدولة، الذي كان يقاتل في مواجهته إلا أن صرخات الجنود المنتصرين وصيحات الرعب والفزع التي كانت تصدر عن المسلمين الهاربين من وجه المهاجمين أيقظت افتخار الدولة على الحقيقة المرة، كما نبهت ريموند إلى انتصار خلفائه في الجهة الشمالية، فأنكفأ افتخار الدولة برجاله نحو القلعة أو حصن داود ليعتصم فيها، بينما تقدم ريموند إلى السور فأنزل الجسر عليه من برجه المتنقل بدون مقاومة، ورفع سلالمه إلى الأسوار، ودخل المدينة من دون أدنى إعاقة  ، من قبل المسلمين الذين كانوا قد تخلوا، نهائياً عن القتال، وفتح ريموند الباب الجنوبي (باب النبي داود) عليه السلام لمقاتليه فدخلوا المدينة منتصرين. أما افتخار الدولة، فقد طلب من ريموند الأمان لكي يخرج ورجاله من القلعة ويغادروا المدينة، فأمنه ريموند، وخرج افتخار الدولة ورجاله عسقلان حيث انضموا إلى ما تبقى في فلسطين من جيوش تابعة للدولة الفاطمية. وهكذا سقطت القدس كلها، بيد الغزاة الصليبيين، يوم الجمعة الخامس عشر من تموز عام 1099م الموافق للثالث والعشرين من شعبان عام 492ه، وذلك بعد حصار دام 39 يوماً من 7 جزيران/ يوليو .

7- وحشية الحضارة الغربية الصليبية :

يذكر ابن الأثير أن الصليبيين قتلوا، في المسجد الأقصى ما يزيد عن سبعين ألفاً منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبّادهم وزهّادهم   أما من كان في القدس من اليهود، في هذا الأثناء وكان افتخار الدولة قد سمح لهم بالبقاء في المدينة بينما أمر المسيحيين بالخروج منها خشية أن يتعاطفوا مع أبناء دينهم، فقد لجأوا إلى كنيسهم إلا أن المقاتلين الصليبيين حشروهم جميعاً في معبدهم الكبير حيث لجأوا، وأحرقوا المعبد، وهّم بداخله، فقضوا جميعهم حرقاً بحجة أنهم ساعدوا المسلمين  . ويقول ابن القلانسي في ذلك، وهو قد عاش هذه الفترة وزامنها : وقتل خلق كبير وجمع اليهود في الكنيسة وأحرقوها عليهم  ، ويذكر رنسيمان أن مذبحة القدس تركت أثراً عميقاً في جميع العالم وأن عدد ضحاياها ليس معروفاً بالضبط. وأن القدس خلت بعد هذه المذبحة، من سكانها المسلمين واليهود، وأنه " لم يثر التعصب الإسلامي، من جديد، إلا التعصب المسيحي الذي دلّ عليه ما لجأ إليه الصليبيون من سفك الدماء  ، ويصف الأسقف وليم الصوري هذه المذبحة وصفاً تقشعر له الأبدان، إذ يقول : بات من المحال النظر إلى الأعداد الكبيرة للمقتولين دون هلع، فقد انتشرت أشلاء الجثث البشرية في كل مكان وكانت الأرض ذاتها مغطاة بدم القتلى، ولم يكن مشهد الجثث التي فصلت الرؤوس عنها، والأضلاع المبتورة المتناثرة في جميع الاتجاهات، هو وحده الذي أثار الرعب في كل من نظر إليها فقد كان الأرهب من ذلك هو النظر إلى المنتصرين أنفسهم وهم ملطخون بالدم من رؤوسهم إلى أقدامهم .. ويروى أنه هلك داخل حرم الهيكل فقط، قرابة عشرة آلاف من الكفرة بالإضافة إلى القتلى المطروحين في كل مكان من المدينة، في الشوارع والساحات، حيث قدّر عددهم أنه كان مساوياً لعدد القتلى داخل حرم الهيكل، وطاف بقية الجنود خلال المدينة بحثاً عن التعساء الباقين على قيد الحياة، والذين يمكنهم أن يكونوا مختبئين في مداخل ضيقة وطرق فرعية للنجاة من الموت، وسحب هؤلاء على مرأى الجميع وذبحوا كالأغنام، وتشكل البعض في زمر واقتحموا المنازل حيث قبضوا على أرباب الأسر وزوجاتهم وأطفالهم وجميع أسرهم، وقتلت هذه الضحايا أو قذفت من مكان مرتفع حيث هلكت بشكل مأساوي .

ووصف شاهد عيان افرنجي المذبحة التي أحدثها الصليبيون بالقدس بقوله : شاهدنا أشياء عجيبة إذ قطعت رؤوس عدد كبير من المسلمين وقتل غيرهم رمياً بالسهام أو أرغموا على أن يلقوا بأنفسهم من فوق الأبراج .. وكنا نرى في الشوارع أكوام الرؤوس والأيدي والأقدام  . ووصف ذلك افرنجي آخر كان مرافقاً للصليبيين : كان رجالنا يخوضون حتى كعوبهم في دماء القتلى  ، وقد انطلق الصليبيون في جميع أنحاء المدينة يستولون على الذهب والفضة من داخل المساجد والدور، واستمر الصليبيون في القتل والنهب لمدة أسبوع  . وإصدر قادة الصليبيين أمراً بطرح جثث المسلمين خارج المدينة التي امتلئت بالجثث فقام بهذه المهمة العدد القليل من المسلمين الذين وقعوا أسرى بيد الصليبيين ولم يقتلوا، وفقراء الجيش الصليبي مقابل راتب يومي والقوهم أمام أبواب المدينة وتعالت أكوامهم حتى حاذت البيوت ارتفاعاً وما تسنى لأحد قط أن سمع أو رأى مذبحة مثل هذه المذبحة الصليبية : لقد رأينا، في كل شوارع المدينة وأحيائها، تلال من الرؤوس والأيدي والأرجل. لقد كان الناس يمشون علنا وبهدوء على جثث الرجال والخيل يستطرد : إنني لا أقدم في وصف هذا، سوى القليل من الرعب الذي شاهدته، وإذا أنا وصفت كل ما شاهدته فلن تصدقوني  ، وإننا لنستذكر، أمام وحشية الحضارة الغربية وهمجية الروح الصليبية هذه ما قاله المفكر الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب : إذ قال : لم يعرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب  ، ولا شك أن رجال الدين المسيحي لهم دور أساسي في هذه المذبحة، فقد كانوا يحفزون الصليبين للانتقام للسيد المسيح ابتداء بالبابا أوربان الثاني وانتهاء برجال الدين المرافقين للحملة الصليبية .

8- دور رجال الدين المسيحي في سقوط القدس :

ويظهر دور رجال الدين المسيحي في سقوط القدس بصورة جلية، فبعد أن اشتدت مقاومة المسلمين لهم، مع اشتداد درجة حرارة الجو عليهم، وانعدام مياه الشرب، شعر رجال الدين المسيحي بالإحباط والوهن الذي أصاب الصليبيين وقد قام أحد القساوسة وأشاع بأنه رأى الأسقف أدهيمر في منامه يأمره أن ينبه الصليبيين بالكف عن أنانيتهم، وأن يصدقوا النية في أداء المهمة التي خرجوا من أجلها، وأن يتجهوا بقلوب صافية إلى الله، وأكد لهم أن النصر سيتم لهم خلال أيام قلائل، على أن يخرجوا حفاة في موكب يسيرون به حول أسوار بيت المقدس  . وعلى الفور عقد قادة الحملة الصليبية الأولى اجتماعاً يدرسون فيه كيفية تنفيذ ما طلبه أدهيمر في هذه الرؤيا.

ويصف المؤرخ اللاتيني توديبود – أحد المشاركين في هذه الأحداث فيقول : عقد قادتنا اجتماعاً أوصاهم فيه المطران والقساوسة – حفاة الأقدام – يرتدون ملابس الكهنوت المقدسة، يحملون في أيديهم الصلبان .. ينشدون المزامير، ويدعو السيد عيسى المسيح لتخلص المدينة المقدسة، والقبر المقدس من أيدي الكفرة، وأن يصنعها بين أيادي المسيحيين حتى يتمكنوا من أداء طقوسه المقدسة .. وكان جميع رجال الدين يرتدون نفس الملابس ويحيط بهم جميعاً على الجانبين الفرسان وتابعيهم بكل عدتهم وعتادهم  ، وعندما رأى المسلمون موكب الصليبيين الحفاة وهم يطوفون حول أسوار بيت المقدس، وقفوا على طول أسوار المدينة يحملون المصاحف المغطاة بالقماش على أسنة الرماح وينفرد – توديبود كشاهد العيان – بهذا الوصف الدقيق لرد فعل المسلمين على مسيرة الصليبيين حول بيت المقدس، فأوضح أن المسلمين عندما رأوا ذلك المشهد، ساروا على نفس الطريقة على طول أسوار المدينة يحملون رمحاً مغطاة بقماش مرسوم عليه اسم الرسول صلى الله عليه وسلم ولما وصل المسيحيون عند كنيسة القديس ستيفن، بينما وقف المسلمون يصيحون ويهتفون فوق الأسوار، ويدقون طبولهم في ضجيج وصخب وجعلوا المسيحيين عرضة لكل ما يستطيعون ويقدرون عليه من سخرية واستهزاء  ، ويستكمل توديبود وصفه قائلاً : وكان أسوأ ما في الأمر أن المسلمين أقدموا على تحطيم الصليب المقدس بقطعة من الخشب أمام أعين المسيحيين جميعاً .. ذلك الصليب الذي أراق المسيح دمه عليه وافتدى بذلك خلاص البشرية جميعاً .. وإمعاناً في أذية المسيحيين فقد قذفوا بحطامه من فوق الأسوار وهم يصيحون استهزاء بالصليب  ، وعندئد ازداد حماس الصليبيين فقاموا بهجوم شامل على بيت المقدس في اليوم التالي للمسيرة، وسقطت المدينة في أيديهم على الرغم من المقاومة العنيفة التي قام بها المسلمون لصد الصليبيين عن مدينتهم، ولما دخل الصليبيون المدينة قاموا بعمل مذبحة رهيبة لكل من وجدوه بالمدينة  . وهكذا يتضح لنا كيف كان رجال الدين المسيحي يستغلون قوة تأثير العامل الديني على عقول المسيحيين فيقوموا بترويج الإشاعات والأساطير ذات الطابع الديني لإثارة مشاعر المقاتين ارتفاعاً ويتفانون في القتال حتى ينتصروا ويحققوا أغراضهم وأطماعهم الاستعمارية في الأراضي المقدسة، هذا في الوقت الذي لم نعثر فيه في بطون المصادر الإسلامية ما يفيد عن دور جدي للفقهاء والعلماء في تلك الفترة الزمنية يعتمد على إلقاء الخطب الحماسية التي تذكر المقاتلين بامجاد المسلمين الأول وانتصاراتهم أيام الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين – رضوان الله عليهم – من بعده فتزداد حماستهم وترتفع روحهم المعنوية مما يساعد على مواصلة القتال والانتصارات على أعداء الدين وتحرير بلادهم من براثن الإستعمار الصليبي، ولعل ذلك مرجعه إلى هول المفاجأة التي أصابت العالم الإسلامي وقتئذ بالعدوان الصليبي على المنطقة فضلاً عن انصراف العلماء والفقهاء لفض بعض المنازعات القائمة بين أقطاب العالم الإسلامي حينئذ وهم العباسيين والفاطميين والسلاجقة والعمل على توحيد جهودهم لمواجهة العدو الصليبي ومن ناحية أخرى ربما يكون أولئك الفقهاء لم يدركوا أهمية المناطق التي استولى عليها الصليبيون مثل الرها وأنطاكية، ولكن عندما فقدوا بيت المقدس أفاقوا من هول الصدمة وبدأوا يتحركون ويباشرون جهودهم فقام كثير من الفقهاء والعلماء والقضاة في بلاد الشام بدور كبير في توعية الناس في كل مكان بهذا الخطر الفظيع، وبضرورة الوقوف صفاً واحداً لصد هذا العدوان الغاشم، فخرجت جماعات كثيرة من مسلمي بلاد الشام وبصحبتهم الكثير من العلماء والفقهاء، واتجهوا إلى بغداد واستغاثوا بالخليفة العباسي وبالسلطان، السلجوقي، واجتمعوا بالناس في المساجد وأعلموا الجميع بما لاقاه المسلمون من مذابح بشعة على أيدي الصليبيين، وألقوا الشعر في ديوان الخليفة في بغداد يحثون فيه أولي الأمر على سرعة إنجاد أهل الشام حماية للدين وللمحارم، فاضطر الخليفة إلى الاستجابة وقام بندب الفقهاء للخروج إلى البلاد لتحريض الملوك على الجهاد، وعلى الرغم من قيام الفقهاء بالمهمة على الوجه الأكمل، إلا أن ذلك لم يأت بطائل ولم يحرك ساكنا، فعاد الفقهاء إلى بغداد  ، وجدير بالذكر أن المؤرخ ابن الأثير قام بالتعقيب على حالة التفكك التي أصابت العالم الإسلامي في تلك الفترة، والتي أدت إلى ضياع صرخات واستغاثات المسلمين بلا استجابة من قبل أولى الأمر، فأرجعها إلى اشتغال الحكام والملوك المسلمين وعساكر الإسلام بقتال بعضهم بعضاً، مما ساعد على تفرق المسلمين واختلاف الأهواء وتمزق الأموال  .

9- فشل الفاطميين في استعادة البيت المقدس :

كان سقوط بيت المقدس في أيدي الصليبيين بمثابة الضربة القاصمة التي وجهت إلى العالم الإسلامي بصفة عامة، وإلى الدولة الفاطمية بصفة خاصة – وبرز صراع على المصالح بين الفاطميين والصليبيين – فأخذ الوزير الفاطمي الأفضل بن بدر الجمالي يفكر جدياً في استعادة هذه الجزء من الأراضي الإسلامية، فأخرج من مصر ثلاث حملات حربية في الفترة الممتدة من 495 – 499ه/1101 – 1105م موجهة ضد القوات الصليبية الموجودة في فلسطين لكي يثبت للصليبيين مدى يقظة الدولة الفاطمية وغيرتهم على كل شبر من الأراضي التابعة لهم، ولكن باءت هذه المحاولات الثلاث بالفشل، ولم تحقق الهدف المنشود لها وهو استعادة بيت المقدس وفي أثناء محاولة الصليبيين صد هذه الحملات الثلاث قيادة بلدوين الأول ملك بيت المقدس، قام بعض رجال الدين المسيحي بأدوار بارزة لحث الصليبيين على الشجاعة والوقوف بصلابة في مواجهة الجيوش الفاطمية، مستخدمين في ذلك كل الوسائل كالمشاركة في حمل السلاح للقتال، والوعظ والخطب في جموع الصليبيين، وحمل الصلبان أمام الجيوش لتحميس الصليبيين على القتال بشجاعة، فمن تلك المواقف التي سجلت لرجال الدين المسيحي موقف رئيس الشمامسة – أرنول مالكورن – الذي خطب خطبة حماسية لإثارة مشاعر المقاتلين لصد حملة المصريين على الرملة سنة 495ه/1101م، وكذلك ما قام به المندوب البابوي موريس من تلاوة نصوص لإدخال الطمأنينة في نفوس المقاتلين بعد أن انتابهم الرعب عندما رأوا ضخامة القوات الفاطمية، ثم قام الملك بلدوين بعد ذلك بحمل الصليب المقدس أمام المقاتلين الصليبيين ليدخل الطمأنينة في نفوسهم، وخطب في المقاتلين خطبة دينية بأنفسهم وتمسكهم بالأمل في النصر  . وكان لهذه الخطبة بالفعل أثرها الكبير على الصليبيين، فعادت إليهم الثقة والشجاعة وهتفوا بصوت عال قائلين : ساعدنا يارب ساعدنا يارب. ثم قبلوا الصليب المقدس وقاموا بالصلاة لله حتى ينصرهم في تلك المعركة، وفي الوقت نفسه وصلت معونات من غرب أوروبا لتعزيز هذه القوات فساعدت على زيادة قوة وشجاعة الصليبيين، وتحقق بذلك النصر على المسلمين في حملة الرملة الأولى عام 495ه/1101م وكذلك برز دور روبرت روان – مطران مدينة الرملة أثناء الحملة الفاطمية الثانية على الرملة سنة 495ه/1102م حيث تذكر بعض المصادر اللاتينية المعاصرة لتلك الأحداث، أن هذا المطران عقد اجتماعاً مع كبار أهالي المدينة للتشاور معاً، عقب استيلاء المسلمين عليها، وتقرر في هذا الاجتماع ضرورة إرسال مندوب عنهم إلى الملك بلدوين الأول بيافا لطلب النجدة منه  ، وهكذا نجد رجل الدين الغربي يقوم أحياناً محل حاكم المدينة في التصدي لقوات العدو عند أي هجوم مفاجئ على المدن الصليبية وهذا ما نلمسه بالنسبة لوضع الفقهاء والعلماء داخل مدنهم وقد انتهى الصراع عند مدينة الرملة بانتصار الفاطميين انتصاراً كبيراً نتج عنه إبادة كل أفراد الجيش الصليبي باستثناء بلدوين الذي تمكن من الفرار إلى يافا  .

وأما بالنسبة للحملة الثالثة التي أرسلها الوزير الفاطمي الأفضل إلى الرملة سنة 498ه/1105م، فقد لعب أثناءها أفريمار بطريك بيت المقدس دوراً هاماً وخطيراً، فعندما تقابل الجيشان الفاطمي والصليبي في مفترق الطرق عند الرملة خشى الملك بلدويني من التفوق العددي للقوات الفاطمية فأرسل مندوباً عنه برسالة إلى أفريمار – يطلب منه أن يتفرغ إلى الله هو والعامة من الشعب وأن يكثروا من الصلاة والصوم والزكاة ليكون هذا بمثابة فدية أو قربانا إلى الله لمساعدة الفرنج حتى النصر، وليحمي الله الفرنج من أية هزيمة قد تلحق بهم. كما طلب منه الملك بلدوين أيضاً أن يعظ الناس ويحثهم على ضرورة التطوع لحمل السلاح والإسراع إلى ميدان القتال للانضمام لإخوانهم لمساندتهم في حروبهم ضد المسلمين  ، وفي الحال أمر افريمار بدق أجراس الكنائس، فاجتمع الناس جميعاً عنده، فخطب فيهم قائلاً : يا أصدقائي ... يا خدم المسيح لقد حضر هذا المبعوث من قبل الملك بلدوين ليخبرنا أن المعركة ستبدأ مع المسلمين عند الرملة. ومن أجل تحقيق النصر يتحتم علينا التضرع إلى الله، وكثرة الصلاة، وأخبرنا هذا المندوب الملكي بأن الملك قد أخر بدء المعركة إلى الغد حتى يوافق هذا اليوم عيد القيامة المجيد ولذلك فأنني أطلب منكم جميعاً إقامة الصلوات والتعبد طوال هذه الليلة، وعند بزوغ فجر الغد توجهوا حفاة إلى الأماكن المقدسة بالمدينة، تاركين وراءكم كل شهواتكم، مذللين أنفسكم، متضرعين إلى الله بكل التقوى والإيمان لينقذنا من أيدي الأعداء، ولينصرنا عليهم. أما عن نفسي فإنني ذاهب في الحال للوقوف بجوار الملك.. وأعلموا جيداً بأنني سوف أحث جميع القادرين منكم على حمل السلاح على أن يأتوا معي لسد حاجة الملك من المقاتلين  ، وكان لهذا النداء صدى كبيراً لدى كثير من المسيحيين الموجودين في القدس فسرعان ما تقدم أكثر من مائة وخمسين مقاتل أبدوا رغبتهم في الانضمام إلى المعسكر الصليبي بالرملة لمناصرة زملائهم وفي صباح اليوم التالي ذهب برفقة هؤلاء المتطوعين كثير من القساوسة وعلى رأسهم أفريمار بطريرك بيت المقدس حاملاً الصليب المقدس، وقد وصلت هذه الجموع برئاسته إلى الملك بلدوين، وكان أفريمار قد أحضر الصليب المقدس معه حتى تتم البركة به، وعند وصولهم استقبلهم الملك فرح وسرور عظيمين وارتفعت الروح المعنوية لدى المقاتلين الصليبيين، وقاموا جميعاً بأداء صلاة الشكر والدعاء لله قبل أن تبدأ المعركة  ، عند طلوع فجر يوم المعركة – هو يوم الأحد 14 ذي الحجة 498ه 27 أغسطس 1105م، وركب حصانه وأخذ يغدو ويروح أمام صفوف الصليبيين ويباركهم، ليرفع من روحهم المعنوية ويشجعهم على القتال بنفوس مطمئنة بأن النصر سيكون حليفهم  ، فكان لهذه الجهود جميعها تأثيراً كبيراً وشديداً في زيادة حماس المقاتلين الصليبيين تحت قيادة الملك بلدوين، فلم يبالوا بقلة عددهم أمام أعداد المسلمين الهائلة، وكان النصر للجيش الصليبي في نهاية هذه المعركة وبهذا النصر الصليبي انتهت المحاولات الكبرى التي قامت بها الخلافة الفاطمية لاستعادة فلسطين من قبضة الصليبيين  ، وجدير بالذكر أنه على الرغم من كثرة ما كتبه المؤرخون اللاتين القدامى عن بطولات رجال الدين المسيحي أثناء حملات الرملة الثلاث، فإننا لم نجد في كتابات المؤرخين المسلمين الذين تناولوا الكتابة عن تلك الفترة أية إشارات توضح لنا دور علماء الدين الإسلامي وفقهائه في تلك الأحداث، وربما يرجع السبب في ذلك إلى أنهم كانوا يسجلون تاريخهم على منهج الحوليات، فيركزون على أهم الأحداث دون كتابة التفاصيل الدقيقة المصاحبة لهذه الأحداث، ولهذا لم نعثر من قريب أو بعيد على معلومات توضح لنا موقف علماء وفقهاء المسلمين من هذه الحملات  .



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق