163
دولة السلاجقةوبروز مشروع إسلامي لمقاومةالتغلغل الباطني والغزو الصليبي
الفصل الخامس
الحروب الصليبية في العهد السلجوقي
المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى:
ثالثاً : تأسيس مملكة بيت المقدس :
استغل الفاطميون فرصة ضعف الأتراك السلاجقة وتخاذل امرائهم أثر اندحارهم إمام الصليبيين عند أنطاكية، ومقتل عدد كبير منهم فسار أمير الجيوش المصرية الأفضل بن بدر الجمالي في شعبان سنة 491ه /1098م على رأس قواته إلى القدس، وأعتقد الأراتقة حكام بيت المقدس التابعون للسلاجقة بأن تحصينات القدس العظيمة، والمقدرة الحربية لقبائلهم التركمانية ستمكنهم من الصمود حتى تأتيهم النجدة من دقاق حاكم دمشق، وكان في القدس أنذاك معظم بني أرتق وهم سقمان وايلغازي وابن عمهما سونج وابن أخيهما ياقوتي ، وجماعة من أقاربهما ورجالهما وخلق كبير من الأتراك، وحاول الأفضل في البداية أن يتبع الأساليب السليمة لتحقيق أغراضه فراسل كل من سقمان وايلغازي يلتمس منهما تسليم القدس من غير حرب ولا سفك دماء، فلم يجيباه إلى ذلك وعند ذاك بدأ بقتال البلد، ونصب عليه نيفا وأربعين منجنيقاً فهدمت مواضع من سوره وقاتلهم أهل البلد واستمر القتال والحصار نيفاً وأربعين يوماً ، ويظهر أن الأخوين أيلغازي وسقمان كانا واثقين بجيشهم ومساندة عشيرتهم من التركمان إلا أن الفاطميين العبيديين استطاعوا تضييق الحصار وفتحت المدينة بالآمان عام 491ه وسار سقمان وايلغازي ومن معهما إلى دمشق سنة 491ه / 1098م، ثم غادروا دمشق .
إن الدولة العبيدية الفاطمية ساهمت في الاحتلال الصليبيين للمنطقة، فبدلاً أن تقف مع السلاجقة ضد الصليبيين راسلتهم وطلبت منهم الصلح، فقد كان الأفضل بن بدر الجمالي صاحب السلطة الفعلية في مصر، عندما سمع بأن الصليبيين، الذين وصلوا إلى بلاد الشام، اشتبكوا مع الأتراك السلاجقة، أعداء الدولة الفاطمية العبيدية، فكّر في عقد تحالف معهم ضد هؤلاء، فأرسل سفارة اجتمعت بزعمائهم أمام أنطاكية في شهر صفر 491ه/ كانون الثاني 1098م وعرضت عليهم مشروع التحالف الذي تضمن البنود التالية :
-ينفرد الصليبيون بحكم أنطاكية وشمال بلاد الشام.
-تحتفظ مصر ببيت المقدس وجنوب بلاد الشام.
-يسمح للصليبيين بزيارة الأماكن المقدسة في فلسطين، وتكون لهم الحرية الكاملة في أداء شعائرهم الدينية، على ألا تزيد مدة إقامتهم فيها عن شهر واحد، وألا يدخلوها بسيوفهم.
-يتعاون الطرفان في القضاء على السلاجقة .
على أن سفارة الأفضل إلى الصليبيين، على الرغم من الحفاوة التي استقبلت بها، لم تؤدِ إلا إلى نتيجة واحدة، وهي وقوف الصليبيين على مدى الخلاف السائد بين الفاطميين والسلاجقة في بلاد الشام، ومن ثمَّ استقَّر رأيهم بعد استيلائهم على أنطاكية على إرسال حملة للاستيلاء على بيت المقدس .
إن المتتبع لدراسة التاريخ في مرحلة اغتصاب أوروبا لبلاد الشام وبيت المقدس في بداية القرن الخامس الهجري ونهاية العاشر الميلادي والانفراد بالمسلمين، ومحاولة القضاء عليهم سبقة عدة أمور منها :
-زرع دولة شيعية مؤسسها يهودي أو مجوسي، سمّى نفسه المهدي، ترفع شعار الإسلام، بإدعاء انتسابها إلى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عن فاطمة، تهدف إلى عزل دول الشمال الإفريقي، وخاصة مصر عن بقية بلاد الشام أثناء تعرضه للغزو الصليبي. هذه الدولة كانت لها مراسلات وسفارات مع الأوروبيين الصليبيين الذين عادوا لاغتصاب بيت المقدس، وأرض الشام ومصر، وعرضوا التعاون معهم ضد السلاجقة وسنرى بإذن الله في دراستنا المستقبلية طلبهم من الصليبيين المعاونة ضد نور الدين زنكي وأسد الدين شيركوه وصلاح الدين.
-أن حكام هذه الدولة حرصوا على هدم الخلافة العباسية، التي كانت تحتاج إلى من يدعمها ويساندها ويأخذ بيدها بدلاً من الحرص على هدمها، لأن الخلافة هي السياج الحامي بعد الله لبلاد المسلمين من كيد أعدائها.
-ظهور الباطنية القرامطة مؤسسها أبو سعيد الجنابي رأس القرامطة سنة خمس وثمانين ومائة ه الذين يدعون انتسابهم إلى علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – والذين عملوا على هدم الخلافة العباسية، وإفساد عقيدة الأمة العجيب أنهم قصدوا دمشق في جحفل عظيم، فقاتلهم نائبها فهزموه عدة مرات، وكان ذلك بقيادة يحي بن زكرويه الذي أدعى عند القرامطة أنه محمد بن عبد الله بن إسماعيل ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وقد كذب في ذلك.
-حرص حكام الدولة التي تسمى زوراً وبهتاناً بالدولة الفاطمية على إفساد عقيدة السلف، عقيدة الرافضة بالقوة على الأمة، وقتل أهل السنة والجماعة، وعلمائهم وفقهائهم، وسب الخلفاء الراشدين وصحابة رسول الله – رضوان الله عليهم – على المنابر، كما أن بعض حكامهم قد أدعوا الألوهية.
-عزل مسلمي مصر عن إخوانهم في بلاد الشام والشمال الإفريقي وأثناء العزل جرى القضاء على المقاومة الإسلامية ببيت المقدس وبلاد الشام والاستيلاء عليها .
لم يكن نجاح النصارى في انتراع بيت المقدس من أيدي الفاطميين مصادفة بلا خلفيات، لا .. بل الذي يدرس تاريخ الروافض، بل إن الذي يدرس تاريخ الشيعة الروافض الباطنيين ويتعرف على هويتهم المشبوهة يسهل عليه استيعاب حقيقة الأمر الذي سارت عليه الأحداث، فالدولة الفاطمية الرافضة كانت إحدى الحركات الباطنية التي أعملت معاول الهدم في صرح الأمة الإسلامية، وكانت أيضاً سبباً في ضعف دولة الخلافة العباسية في التضحية بالأرض المقدسة، وتعامر الطرفان عن الخطر الصليبي منشغلين بالصراع بينهما. وما أشبه الليلة بالبارحة عندما انشغل العرب والترك بالنزاع بينهما حتى استلب النصارى الإنجليز أرض فلسطين ثم أسلموها إلى اليهود ولا تزال الليالي تشبه البارحات، لقد بلغ من عمالة الفاطميين أو بالأحرى الباطنيين العبيديين الراوافض – أن استعانوا بالصليبيين للقضاء على السلاجقة الأتراك، وفي الوقت الذي كان الصليبيون في طريقهم إلى القدس، وكانت مدن الشام تتساقط تحت أقدامهم، كان الفاطميون والسلاجقة يتناولون التنازع على المدينة المقدسة متجاهلين خطر الجيش النصراني ولم يحرك قائد الفاطميين ساكناً إلا عندما جاء الخبر بحصار الصليبيين للقدس ، ولاحت الفرصة الذهبية لأهل الصليب لكي ينفثوا أحقاد قرون خلت في جسد الأمة الإسلامية، ولكي يحققوا حلماً دينياً وهدفاً سياسياً ومغنماً اقتصادياً لا تعوض فرصته خاصة أن الوقت كان في بداية الألفية الثانية التي اعتقدت طوائف كثيرة من النصارى أن المسيح عيسى بن مريم سيعود فيها إلى الأرض ليحكمها كلها من القدس، انطلاقاً مما يسمي بالعقيدة الألفية التي كانت سبباً في عصرنا هذا أيضاً لتعاون النصارى مع اليهود في السيطرة على بيت المقدس كله استعداداً لمقدم الألفية الثالثة، ألفية المسيح .
1- مقدمات الاحتلال :
ما أن استولى الصليبيون على نيقية حزيران عام 1097م بعد حصار دام شهراً، حتى زحفوا إلى أسكي شهر التي سقطت بأيديهم في أول تموز/ يوليو من العام نفسه، ثم إلى مدينة الرها، ثم وصلوا إلى أنطاكية، فاحتلوها بعد حصار طويل كما مّر معنا واتجه الصليبيون بعد ذلك جنوباً فاحتلوا معرة النعمان ثم أخلوها بعد أن أحرقها وقتلوا من أهلها " ما يزيد على مائة ألف " ، ثم احتلوا " حصن الأكراد " نم انطرطوس وهي طرطوس الحالية " بعدد من الأدلاء والجنود " وفي 16 أيار مايو 1099م غادر الصليبيون طرابلس وتابعوا تقدمهم جنوباً فاجتازوا البترون وجبيل ووصلوا في 19 آيار، مايوا إلى الحدود الفاطمية على نهر الكلب ولم يكن للفاطميين عساكر في ممتلكاتهم الشمالية، باستثناء بعض الحاميات في بعض المدن
الساحلية ، مما أتاح للصليبيين التقدم بسهولة وبلا مقاومة، فدخلوا بيروت بلا قتال، ثم تقدموا نحو صيدا فبلغوها في 20آيار 1099م، ولكنهم لقوا مقاومة عنيفة من حاميتها، إلا أنهم استطاعوا التغلب عليها وتابعوا تقدمهم نحو صور حيث بقيت حامية صور خلف الأسوار ولم تناجزهم العداء . وتابع الصليبيون تقدمهم بعد أن غادروا صور بتاريخ 23 آيار 1099م، فبلغوا ضواحي عكا في 24 آيار دون أن يلقوا مقاومة تذكر، ثم وصلوا إلى حيفا، فقيسارية حيث أقاموا أربعة أيام استأنفوا بعدها، تقدمهم نحو الرملة فبلغوها في 3 حزيران 1099م وفي 6 حزيران تابع الصليبيون تقدمهم نحو بيت المقدس فبلغوا أسوارها مساء 7 حزيران حيث عسكروا .
2-القوى المتواجهة :
-القوات الصليبية :
بلغ عدد القوات الصليبية التي وصلت إلى أسوار القدس وتمركزت حولها وبدأت بمحاصرتها نحو أربعين ألفاً من مختلف الأعمار ذكوراً وإناثاً، وكان عدد الرجال المقاتلين منهم نحو عشرين ألفاً، وقد انتشر الصليبيون حول القدس، على امتداد بعض أسوارها، وليس كلها، وذلك بسبب نقص عدد قواتهم ، ورغم أن القوات الصليبية كانت مزودة بأحدث الأسلحة وآلات الحصار والتدمير، فإنها وجدت نفسها عاجزة عن تنفيذ حصار كامل ومطبق حول المدينة بسبب نقص كبير في عدد المقاتلين من جهة وبسبب نقص في آلات الحصار من جهة أخرى، كما أن إطالة أمد الحصار حول القدس سوف يؤثر سلباً على معنويات الجند الذين هم آتون من بلاد باردة إلى أرض قاحلة لا ظل فيها ولا أشجار، وفي صيف حار لاهب لن يستطيع أولئك الجند تحمل حرارته، لذا قرر القادة أن يُعّدوا لهجوم عاجل على المدينة .
ه-قوات المسلمين :
كان المسلمون، في داخل أسوار مدينة القدس، في وضع دفاعي متين فالمدينة بحد ذاتها، تعتبر من أضخم المعاقل والحصون في ذلك الزمان، فأسوارها التي يقف الصليبيون قبالتها، تكاد تكون عصّية على الاختراق أو الاجتياز، إضافة إلى ذلك تظل القدس عصية على أي هجوم من جهاتها الثلاث : من الشرق والجنوب الشرقي حيث يلفها وادي قدرون أو وادي جهنم، ومن الجنوب حيث يلفها وادي هنّوم أو وادي الربابة، ومن الغرب حيث يلفها وادي الروث أو وادي تيروبيون، فهي إذن محصنة، من هذه الجهات بتحصينات طبيعية، إضافة إلى ما تمنحها أسوارها وحصن داود الواقع في منتصف السور الغربي، والذي يسيطر على جزء كبير من محيط المدينة، من مناعة وقوة . يضاف إلى ذلك الخنادق التي حفرها المدافعون خارج الأسوار، في الزاويتين الشمالية الشرقية والشمالية الغربية، وفي الجهة الشمالية من السور، لكي تعيق تقدم المهاجمين، وهكذا، لم يكن ممكناً مهاجمة المدينة إلا من الجهتين : الشمالية، والشمالية الغربية فقط، وهي الجهات التي ركز الصليبيون، في حصارهم عليها وكان في المدينة حامية مؤلفة من مصريين وسودانيين تقدر بألف مقاتل بينما تداعت أعداد كبيرة من الحصون القائمة في المناطق المجاورة ومن الريف للدفاع عن المدينة، فبلغ عدد المدافعين عنها نحو أربعين ألف محارب شجاع مجهزين تجهيزاً رائعاً بحسب قول الصوري . والصوري لا يؤكد ذلك بل، يقول وذكرت إحد الروايات ونعتقد أن هذا العدد مبالغ فيه كثيراً .
- قائد الحامية :
كان قائد تلك الحامية هو الحاكم الفاطمي نفسه (افتخار الدولة) الذي ما إن علم باقتراب الصليبيين من أسوار المدينة، حتى باشر باتخاذ التدابير اللازمة لحمايتها، فطمر كل الينابيع والآبار الواقعة خارج المدينة كي يحرم المهاجمين من التزود بمياهها، وأخرج منها المسيحيين أهلها، خيشة أن يتعاطف هؤلاء مع أبناء دينهم المهاجمين، فيوقعوا الاضطراب والفوضى في المدينة، ورغبة منه في توفير ما يمكن أن ينفقوه من زاد وغذاء للمسلمين المحاصرين .
- أسلحة المدافعين عن المدينة :
وأما أسلحة المسلمين المدافعين عن المدينة، فإنها كانت بحسب زعم رنسيمان والصوري تضاهي أسلحة الصليبيين نوعية وتفوقها عدداً، خصوصاً وأنهم أي المسلمين، كانوا قد احتاطوا لهذا الأمر فجمعوا الأخشاب اللازمة لصنع الآلات الحربية الملائمة للدفاع عن المدينة المحاصرة كالمجانيق وسواها، وأنشأوا داخل الأسوار، آلات حربية معادلة في ارتفاعها لارتفاع آلات الصليبين، وبينما كان الصليبيون يجهدون بدورهم، لإعداد آلات الحصار التي تنقصهم من سلالم ومجانيق، كان المسلمون لا يفتأون يراقبون تصرفاتهم بواسطة حراس يقظين كانوا قائمين على الأسوار باستمرار، ثم يضاهونهم في صنع آلات مماثلة ، ويقول الصوري في ذلك كانت الآلآت الحربية التي يضعها تُصنع من مواد أفضل من المواد التي صُنعت الآتنا منها، وقد قاموا بهذا الحماسة المثلى، حتى لاتكون آلات حربهم أدنى من ألاتنافي الإنشاء أو في المادة. وكان الحراس يراقبون، من على الأسوار والبروج كل ما أنجز في جيشنا، وبشكل خاص ما تعلق بالوسائل التي ارتبطت بالآت الحرب، حيث نقلوا على الفور، جميع تفاصيل ما راقبوه إلى الرجال الرئيسيين للقدس، الذين تنافسوا بمهارة، وكافحوا في سبيل محاكاة أعمال المسيحيين .
3- الحصار :
ركَّز الصلييون كل قواتهم على الأماكن التي تقَّربهم من الأسوار، وذلك لعدم توفر العدد الكافي من المقاتلين لفرض حصار على المدينة بكاملها، فاتخذ روبرت النورماندي موضعه على امتداد السور الشمالي في حين حاصر كل من جودفري وتانكِرد المدينة من الناحية الغربية، وتمركز ريموند الضجلى إلى الجنوب من موضعهما حيث أقام على جبل صهيون، أما القطعان الشرقي والجنوبي الشرقي فكانا مكشوفين لم يحرسهما أحد. واجهت المحاصِرين، في بادئ الأمر، عدة مشكلات حالت بينهم وبين الاستيلاء على المدينة فوراً لعل أهمها :
* مقاومة الحامية الفاطمية، إذ توافر لافتخار الدولة المؤن والماء والأسلحة التي تفوَّقت على أسلحة الصليبين، وأمل أن يصمد في وجه الحصار المدة الكافية لوصول النجدة التي طلبها من القاهرة.
* تأمين الماء نتيجة ما اتخذه افتخار الدولة من تدابير كانت ناجعة وقوية الأثر وللحصول على الماء كان لابد للصليبيين أن يسيروا ستة أميال أو أكثر، مما يعرَّضهم لهجمات المسلمين كما أخذت مؤونهم في النفاذ.
* الحرارة المرتفعة وقسوتها عليهم.
* تجدد النزاع بينهم حول مصير بيت المقدس، وملكية بعض المراكز الهامة الأخرى مثل بيت لحم.
* انتشار إشاعة بينهم أن جيشاً فاطمياً كبيراً قد خرج من القاهرة، وهو في طريقه لإنقاذ
المدينة . وتبين لهم أنهم لن يستطيعوا الصمود لحصار طويل، وينبغي عليهم أن يبادروا بالهجوم على المدينة والاستيلاء عليها .
4- الهجوم الأول للقوات الصليبية :
قرر القادة الصليبيون سن هجومهم على المدينة في فجر اليوم السادس للحصار (أي في فجر 13 حزيران يونيو)، وأعطيت الأوامر للقوات بالاستعداد للهجوم بالعتاد الكامل، وبحماية دروعهم، وأذيعت تلك الأوامر " بصوت المنادي" وعلى الجميع من أدناهم على أعلاهم في اليوم السباق للهجوم، أي اليوم الخامس للحصار وفي الساعة المحددة، انطلق الصليبيون باتجاه السور " بكل ما يدخرون من حماسة. وهاجموا السور الخارجي للمدينة من الجهة الشمالية واستمر القتال ضاربا بين الفريقين من الفجر الباكر وحتى حوالي الساعة السابعة من النهار، حين استطاع المهاجمون أن يدمروا القسم الخارجي من السور الشمالي وأن يتغلبوا على حامية السور التي انكفأت إلى الداخل لتدافع عن الأسوار الداخلية، وأصبح السور الخارجي تحت سيطرة المهاجمين، لولا أن هؤلاء افتقدوا الوسائل اللازمة لتسلق السور الذي احتلوه، من سلالم وأوهاق وحاولوا تسلقه جاهدين، ولكن دون جدوى فعادوا أدراجهم إلى مراكزهم الأساسية، بعد خسارة لا يستهان بها في الرجال .
5- العودة إلى الاستعداد للقتال :
تدارس القادة الصليبيون الوضع، بعد فشل هجومهم على المدينة في اجتماع عقد لهذه الغاية بتاريخ 15 حزيران، فقرروا التوقف عن تنفيذ أي هجوم ريثما يتم الإعداد العسكري للمعركة الحاسمة، وكان هذا الإعداد العسكري للمعركة الحاسمة، وكان هذا الإعداد يقتضي الإسراع في إنشاء ما يحتاجه الجيش من آلات التدمير والاقتحام، وأهمها المجانيق وسلالم التسلق، وكانوا يفتقرون إلى المواد اللازمة لصنع هذه آلالات، وأهمها الأخشاب والحبال والمسامير والأقفال، ولكنهم تدبروا أمر الأخشاب من المناطق البعيدة عن القدس حيث تكثر الأشجار واستطاع تنكرد والكونت روبرت كونت النور ماندي، وكونت الفلاندر الحصول على كميات من هذه الأخشاب التي نقلت إلى المعسكرات على ظهور الإبل والعربات والأسرى المسلمين، بينما تدبروا أمر الحبال والمسامير والأقفال من سفينتين، مبحرتين من جنوى رستا في ميناء يافا وكان المسلمون قد أخلوا المدينة وهي تحمل لهم مؤناً وأسلحة ومعدات للحصار.
ونشط العمال الحرفيون من حدادين ونجارين، بإشراف غودفروا بإشراف غودفروا وريموند دي سان جيل في إعداد آلات الحرب اللازمة من مجانيق وعرّادات وأوهاق وكباش دك وآلات أخرى، كما صنعوا أبراجاً خشبية تطل على السور وتشرف عليه وهي برج غودفروا ريموند، وبرج تانكرد في هذه الأثناء، وبينما كان الاستعداد للهجوم الحاسم يجري بطيئاً في معسكرات الصليبيين، كانت معاناة هؤلاء من افتقارهم إلى الماء والزاد تزداد، فقد وصلوا، في بحثهم عن الماء حتى نهر الأردن، وكانت الأغنام والأبقار المعدة لإطعام الجند تنفق، بدورها، جوعاً وعطشاً، ومن شدة الحر، وذلك رغم مساعدة المسيحيين من أهل البلاد أولئك الذين أظهروا الولاء للصليبيين، فأضحوا أدلاءَّ يرشدونهم إلى الينابيع والغابات الواقعة من الجهات المجاورة ، ومع ذلك، فقد كان عليهم أن يدفعوا عن مواقعهم غارات المسلمين وكمائنهم، وسهام حامية المدينة وقذائفها. وفوق ذلك كله، فقد دب الخلاف بين قادة الحملة، وخصوصاً بين تانكرد الذي كان قد استولى على بيت لحم ورفع لواءه فوق كنيسة المهد، مما أغضب باقي القادة، كما دبّ الخلاف بينهم حول مسألة مستقبل القدس بعد احتلالها هذا بالإضافة إلى المعاناة اليومية للجند، حيث كان يموت العديد منهم، يومياً، ظمأَ وحراً وجوعاً، مما دفع بالكثيرين إلى التخلي عن الحملة ومحاولة العودة إلى بلادهم .
ويتحدث كل من " غروسيه " و " الصوري " و " رنسيمان " عن الوسائل التي استخدمها القادة الصليبيون لرفع معنويات جندهم التي انهارت إلى حد كبير، وخصوصاً عندما سرت في صفوفهم إشاعة عن تحرك جيش من مصر باتجاه القدس لتخليصها من حصار الفرنجة لها وكان ذلك في أول تموز/ يوليو، فعمدوا يوم 8 تموز إلى إعلان الصوم الكامل، والحج، وجماعة، إلى جبل الزيتون، بقيادة رجال الدين والقادة العسكريين، وسار الصليبيون جميعاً إلى " الجبل المقدس " وخرج الجند المسلمون إلى الأسواق يشاهدونهم وهم يسخرون وعلى الجبل، ألقى كل من القديس بطرس الناسك وريموند أجيل قسيس ريموند وأرنولف روز قسيس روبرت النورماندي عظة ألهب بها عواطف الجند والقادة وحماستهم، فعادوا، وقد نسوا، جميعهم، ما كان بينهم من شاحنات، ليعملوا، يداً واحدة في سبيل " تحرير" بيت المقدس .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق