إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 6 يوليو 2014

165 دولة السلاجقةوبروز مشروع إسلامي لمقاومةالتغلغل الباطني والغزو الصليبي الفصل الخامس الحروب الصليبية في العهد السلجوقي المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى: رابعاً : سقوط المدن الساحلية لبلاد الشام : 1- سقوط طرابلس :


165

دولة السلاجقةوبروز مشروع إسلامي لمقاومةالتغلغل الباطني والغزو الصليبي

الفصل الخامس

الحروب الصليبية في العهد السلجوقي

المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى:

رابعاً : سقوط المدن الساحلية لبلاد الشام :

1- سقوط طرابلس :

ففي عام 492ه/1099م عندما اقتربت جحافل العدو الصليبي من أسوار طرابلس أسرع حاكمها فخر الملك بن عمار إلى مهادنتهم بتقديم الأموال والهدايا وبعض الجياد لهم، لإحساسه بعدم استعداده لمواجهتهم بعد حتى لا يعرض نفسه والمسلمين وإمارته للإبادة على أيديهم ونحن لا نستبعد أن الدافع وراء انتهاج القاضي فخر الملك بن عمار وغيره من حكام المدن الإسلامية لسياسة المهادنة مع الصليبيين في ذلك الوقت، هو تمزق شمل المسلمين وعدم وجود قوة إسلامية كبرى تستطيع الوقوف في وجه هذا الخطر الصليبي، خاصة بعد أن انكشف أمر الاتفاق الذي تم بين الفاطميين والصليبيين وما ترتب عليه من هزيمة السلاجقة في أنطاكية وهو أن يقف الفرنج عند أنطاكية ويستولى الفاطميون على بيت المقدس ويساعدوا الصليبيين ضد السلاجقة، على أية حالة لم تفلح سياسة المهادنة التي اتبعها ابن عمار مع الفرنجة إذ قام ريموند الضجلي بالهجوم على طرابلس وفرض عليها حصاراً شديداً سنة 495ه/1101م حيث كان يطمع في تأسيس إمارة مستقلة بها أسوة برفاقه من القادة الصليبيين في كل من الرها وأنطاكية وبيت المقدس ولما شعر فخر الملك بحرج موقفه اضطر إلى طلب النجدة من حمص ودمشق غير أنه لم يظفر بطائل وانهزم أمام الصليبيين، فاضطر القاضي ابن عمار إلى مهادنة الصليبيين مرة أخرى على مال وخيل فوافقوا ورحلوا عن طرابلس إلى انطرسوس واستولوا عليها في جمادى الآخر من السنة نفسها  ، ولكن ريموند أعاد الكرة مرة أخرى وهاجم مدينة طرابلس منتهزاً فرصة وصول أسطول جنوي إلى اللاذقية في سنة 497ه/شتاء 1103م ولكنه فشل هذه المرة أيضاً بفضل شجاعة القاضي فخر الملك بن عمار وصبره وعدم يأسه وتشجيعه لأهل طرابلس على مواصلة المقاومة لدفع الأعداء عن بلدهم، فاضطر ريموند إلى أن يتجه بالأسطول الجنوني في العام نفسه لمهاجمة ثغر جبيل التابع لابن عمار فاستولوا عليه وغدروا بأهله  ، وهكذا أصبح القاضي فخر لملك بن عمار معزولاً تماماً عن المدن المجاورة بعد أن جرد الصليبيون طرابلس من جميع المدن التابعة لها، ولم يبق أمامه سوى الاستيلاء على مدينة طرابلس نفسها بوصفها العاصمة الطبيعية للإمارة التي يحلم بتكوينها، ولذلك بنى ريموند قلعة على الجبال المواجهة طرابلس عرفت باسم قلعة صنجيل، ليتخذها قاعدة يسيطر بها على طرابلس، فقام القاضي ابن عمار بجهود كبيرة مع أهالي طرابلس لهدم هذه القلعة وإحراقها مما ترتب عليه موت ريموند الفجلي متأثراً بحروقه التي أصيب بها أثناء حريق هذه القلعة في جمادي الأولى سنة 498ه/فبراير 1015م ولكن الفرنج كانوا قد صمموا بعد ذلك على استئناف الحصار البري حول مدينة طرابلس عن طريق قلعة ضجيل فاضطر القاضي ابن عمار إلى طلب نجدة عاجلة من سقمان بن أرتق التركماني، صاحب حصن كيفا  ، فلم يدخر وسعاً في التحرك تجاه طرابلس، ولكنه توفى في الطريق، فانقطع بذلك آخر أمل لبنى عمار في الحصول على مساعدة خارجية تمكنهم من إنقاذ طرابلس   فاضطر القاضي ابن عمار إلى أن يعتمد على أهالي المدينة فأخذ يعد العدة استعداداً لمواجهة الصليبيين بقدر الإمكانيات المتاحة في المدينة، فقام بجمع الأموال من بعض التجار الأغنياء من سكان طرابلس ووزعها على المجاهدين ليسد العجز الناتج عن كثرة ما سبق أن قدمه الصليبيين من أموال وذهب عندما عقد الهدنة معهم وعلى الرغم من أن هذا المسلك الذي اتبعه القاضي ابن عمار مع التجار يعتبر تصرفاً ضرورياً شرعياً لاستكمال العدة وتجهيز الجيش بما يلزمه من معدات لمواجهة العدو  ، وأنه لم يقم بذلك من فراغ وإنما من واقع مسؤوليته التي تحتم عليه كحاكم للبلاد أن يستعين بأموال الرعية أو الاقتراض من التجار والأغنياء لسد هذا العجز في الأموال الموجودة بالبلد لمصلحة الإسلام والمسلمين وعلى الرغم من كل ذلك فإن هؤلاء التجار المسلمين قد خرجوا إلى الصليبين وقالوا لهم : إن صاحبنا صادرنا فخرجنا إليكم لنكون معكم  ، ولم يكتفوا بذلك التصرف المشين، وإنما كشفوا للصليبين عن الأماكن التي ترد منها الميرة والمؤن لابن عمار. هذا بدلاً من أن ينفقوا أموالهم في سبيل الله عملاً بقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون " (الصف ، آية : 10 – 11). وعلى الفور قام الصليبيون بتشديد الحصار على هذه الأماكن التي كشفها أولئك التجار الصليبيين حتى يمنعوا دخول أي شيء إلى البلد، فيضطر ابن عمار وأهل طرابلس للاستسلام لهم ولكن على الرغم من ذلك فقد استمرت المدينة في مقاومتها للحصار ثلاث سنوات أخرى بفضل الله ثم بعزيمة ابن عمار وقوة إيمان أهل طرابلس ورفضهم الاستسلام من ناحية وافتقار الصليبيين إلى أسطول بحري يحكم الحصار على طرابلس من جهة البحر من ناحية أخرى، ولكن لما استبد اليأس من فك هذا الحصار وضاقت الأقوات وقلت بطرابلس، اضطر القاضي فخر الملك ابن عمار إلى ترك طرابلس والخروج إلى بغداد في رمضان سنة 501ه/مارس 1108م، لطلب النجدة من زغيم العالم الإسلامي في المشرق آنذاك وهما الخليفة العباسي المستظهر بالله والسلطان السلجوقي محمد بن ملكشاه السلجوقي 499ه - 509ه/1105 – 1115م وقبل أن يترك فخر الملك طرابلس استناب بها ابن عمه أبا المناقب فعصى فيها، فقبض عليه أصحاب فخر الملك وتولوا الأمور بطرابلس  ، ومكث القاضي فخر الملك ببغداد أربعة شهور أكرمه فيها كل من الخليفة والسلطان أحسن إكرام. ويصف ابن الأثير الحفاوة التي قوبل بها قائلاً : وسير الخليفة خواصه وجماعة أرباب المناصب فلقوه وأنزله الخليفة وأجرى عليه الجراية العظيمة، وكذلك فعل السلطان وفعل معه مالم يفعل مع الملوك الذين معهم أمثاله. وهذا جميعه ثمرة الجهاد في الدنيا ولأجر الآخرة أكبر  . ومع ذلك فإن فخر الملك لم يظفر بطائل من الخليفة والسلطان. وعاد إلى دمشق في محرم 502ه/1109م وهنالك علم بأن طرابلس أصبحت تابعة للفاطميين إذ أن أهلها قد ضاق بهم الحصار الصليبي المضروب عليهم، فراسلوا الوزير الأفضل الفاطمي يطلبون منه أن يبعث إليهم والياً من قبله يتولى إدارة المدينة ويرسل لهم الغلة والميرة فاستجاب لهم الأفضل وأرسل إليهم من قبله شرف الدولة بن أبي الطيب والياً على طرابلس  ، وهكذا عاد القاضي فخر الملك بن عمار من بغداد ليجد نفسه بلا وطنه وبلا أهله، إذ أن الوالي الفاطمي قبض على أهل بيته وأصحابه وذخائره وآلاته وأثاثه، وحمل الجميع إلى مصر في البحر  . ولذلك أقام فخر الملك بن عمار في دمشق عند أتابك طغتكين، الذي أقطعة الزبداني وأعمالها  ، ثم ما لبثت طرابلس أن سقطت بأيدي الصليبيين في ذي الحجة 502ه/1108م واستمر الحال بفخر الملك على هذا الوضع حتى خرج في سنة 516ه/1122م إلى مصر حيث يقيم أهله. وهناك قرر له الخليفة الفاطمي الآمر 496 – 524ه/1102 – 1129م داراً أعدت له وقرر له راتباً في كل شهر  ، ويمكن أجمال أسباب سقوط طرابلس في النقاط الآتية :

* ضعف الجبهة الإسلامية.
* استهتار الفاطميين بالموقف في طرابلس.
* مساعدة الجنوية والمردة للصليبيين.
* استيلاء الصليبيين على المدن المحيطة بطرابلس  .

وقد حّدد أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي ثلاثة أسباب لسقوط طرابلس وهي : تقاعس الفاطميين عن المسير إليها تلك المدة الطويلة، ثايناً : ضعف العسكر الذي أرسلوه مع أسطول مصر، ولو كان لعسكر الأسطول قوة لدفع الفرنج من البحر عن البلد حسب الحال، ثالثاً : عدم خروج الأفضل بنفسه على رأس العساكر المصرية، هذا مع قوتهم من العساكر والأموال والأسلحة  . وقد استسلمت طرابلس للغزاة بشروط عدم الاعتداء على الأهالي والممتلكات، لكنهم كالعادة، لم يفوا بشروط الأمان، فنهبوا الأموال، وأسروا الرجال وسبوا النساء والأطفال وغنموا من الأمتعة وكتب العلم الموقوفة مالا يحصى  ، وأكمل الصليبيون احتلال بقية مدن إمارة طرابلس فاستولوا على : بانياس وجبلة، وحصن الأكراد، وبدأت إمارة طرابلس في النمو، وصار تاريخها مرتبطاً بتاريخ إمارة أنطاكية من جهة، وتاريخ مملكة بيت المقدس من جهة أخرى  .

2-سقوط بيروت :

تهيأ للملك بلدوين الحرية ليواصل توسيع حدود مملكته وتطَّلع إلى المدن الساحلية مثل عسقلان في الجنوب، وصور وصيدا وبيروت في الشمال. والمعروف أن كلاً من عسقلان وصور تُعُّد من الحصون المنيعة وتنزل فيها حاميات عسكرية قوية وبالتالي يقتضي إخضاعها استعدادات عسكرية قوية وبعد ان سقطت كل من جبيل وعرقة وطرابلس بيد الصليبيين، وفرت هذه الأخيرة قاعدة مناسبة لهم، فوجَّهوا اهتمامهم للاستيلاء على بيروت، فحاصرها بلد وين براً وبحراً، ولما لم يتمكَّن من اقتحامها طلب مساعدة من صليبي طرابلس وغيرهم من الشمال، ومن نصارى لبنان، فاستجاب لطلبه برتراند، صاحب طرابلس، وجوسلين صاحب تل باشر، كما اجتمع بأمراء النصارى في جبيل، وشنَّ الخلفاء غارة مفاجئة على بلاد وقرى الغرب المحيطة ببيروت، فنهبوها وأحرقوها، وقتلوا وأسروا كل من وجدوه من أهلها  ، ثم حاصروا بيروت، ووضعوا أبراجاً لينصبوها على أسوارها، لكنهم جوبهوا بمقاومة شديدة من جانب سكانها بقيادة حاكمها عضد الدولة التنوخي، وفي الوقت الذي كان فيه القتال دائراً وصل أسطول فاطمي يتألف من تسع عشرة سفينة فاصطدم بالأسطول الصليبي المحاصر للمدينة، وتغلَّب عليه، وأسر بعض قطعه وتمكَّن الأسطول الفاطمي من دخول الميناء، وهو يحمل الغلال والميرة، مما أعطى السكان الأمل والصمود والدفاع عن مدينتهم، تجاه هذا الوضع العسكري، استنجد بلدوين بالجنوية، فأمدُّوه بأربعين سفينة مشحونة بالمقاتلين، فتقَّوى بهم، وضَّيق الحصار على بيروت، وهاجمها بكل قواته البرية والبحرية يوم الجمعة (21 شوال 503ه/13نيسان 1110م) فاشتد القتال بين الطرفين، وقُتل قائد الأسطول الفاطمي وخلق كثير من المسلمين ولم ير الإفرنج من ما تقدم وتأخر أشد من حرب هذا، لدرجة أن القتال استمر بشكل متواصل ليل نهار، حتى ملك الصليبيون المدينة بالسيف. وفشلت السفن الفاطمية التي قدمت من صور وصيدا في كسر الطوق البحري، وحاول عضد الدولة التنوخي الهرب مع جماعة من أعوانه، لكنه وقع في الأسر، وقتله الصليبيون، ونهُبت بيروت، وسُبي من كان فيها، وبلغ عدد القتلى عشرين ألفا  ، وخرجت من مصر نجدة فاطمية لمساعدة بيروت قوامها ثلاثمائة فارس، لكن وقعت في كمين نصبه الصليبيون عند نهر الأردن  .

3-سقوط صيداً :

اهتم الفاطميون والسلاجقة الذين تناوبوا على حكم صيداً بتحصينها، فقد قام الوالي الفاطمي سعد الدولة الأفضلي بعمارة برج فيها في (491ه/1098م) وحصنّها أميرها مجد الدولة التنوخي في عام 494ه/1101م مما جعلها تقوى على الصمود في وجه الصليبيين لبعض الوقت  ، وجرت عدة محاولات صليبية للاستيلاء عليها، وفي أوائل عام 504ه/ صيف 1110م وصل إلى عطا سبعون مركباً يحمل عشرة آلاف مقاتل نرويجي بقيادة سيجورد، أحد ملوك النرويج. وما إن علم بلدوين بوصولهم حتى سارع لاستقبالهم، وأظهر اغتباطه بقدومهم وأحاطهم بكل مظاهر الحفاوة والتشريف، وأقنع الملك النرويجي بمشاركته في الاستيلاء على صيدا، كما استدعى برتراند، حاكم طرابلس، فجاء بقواته وانضم إليهما، وبدأ الحلفاء في فرض حصار بري وبحري على صيدا في 13ربيع الآخر/19 تشرين الأول وقطعوا طرق الإمدادات إليها، ومع ذلك قام أسطول فاطمي أبحر من ثغر صور بمهاجمة السفن النرويجية، كاد أن يبيدها كلها، لولا أن وصل في الوقت المناسب أسطول بندقي يقوده دوق البندقية أورديلافو فالييري، فاشترك مع الأسطول النرويجي في حصار، المدينة، ومهاجمتها من جهة البحر، وعجزت السفن الفاطمية أن تمد أهل صيدا بما يحتاجون إليه من سلاح وعتاد ومقاتلة ومؤن ، ولما ضاق الحال بأهل صيدا من شدة الحصار الصليبي المفروض حول المدينة براً وبحراً، وفشلت جميع محاولاتهم لإنقاذ المدينة من الوقوع في براثن الصليبيين ويئسوا من وصول أي نجدة إليهم، لم يجدوا بداً من التسليم بالتفاوض مع الملك بلدوين، فخرج قاضي صيدا ومعه جماعة من شيوخها إلى الملك بلدوين للتفاوض معه من أجل الأمان، فأمنهم بلدوين على أنفسهم وأموالهم وعساكرهم، وترك لهم حرية الاختيار أما البقاء بصيدا آمنين وأما المسير إلى أي مكان يرغبونه دون أن يمنعهم أحد، وحلف لهم على ذلك  ، ثم سلمت المدينة للصليبيين في 20 جمادي الأولى 504ه/4 ديسمبر 1110م وخرج الأهالي في جماعات غفيرة إلى دمشق وبقي فيها من أراد البقاء  . وقد قام الدكتور محمد مؤنس عوض بدراسة عن الحملة الصليبية النرويجية التي قادها الملك سيجورد ودوره في دعم الحركة الصليبية وظهر بالنتائج الآتية :

-توافرت عدت دوافع مجتمعة دفعت بالنرويج في عهد سيجورد وأخويه أيستين وأولاف للمشاركة في المشروع الصليبي من خلال الحملة الصليبية النرويجية التي قادها الملك النرويجي سيجورد، وكانت المملكة الصليبية في أشد الحاجة إلى الدعم البشري، والبحري لمواصلة إسقاط المدن الاستراتيجية الهامة على الساحل.
-أفادت المصادر التاريخية النرويجية في تسليط الضوء على رحلة الملك النرويجي وكذلك تعاونه مع الصليبيين كما قدمت المصادر التاريخية الصليبية الأخرى تفاصيل هامة عن الدعم العسكري النرويجي للمملكة الصليبية.
-أثبتت فعاليات تلك الحملة الصليبية النرويجية أن الحركة الصليبية ظاهرة أوروبية عامة أشتركت فيها كافة الشعوب الأوروبية بصورة أو بأخرى، ولم يحل الموقع الجغرافي النائي دون مشاركة النرويجيين في إحداثها وعلى ذلك لم يكن الأمر قاصراً على فرنسا، وإنجلترا، وألمانيا، وإيطاليا، بل أن النرويج كانت لها بصمتها هي الأخرى، مع ملاحظة أن الدور النرويجي لم يكن  بنفس الحجم الكبير الذي كان للدور الفرنسي والإنجليزي وكذلك فعاليات المدن التجارية الإيطالية.
-أثبتت فعاليات الحملة الصليبية النرويجية أن الوجود الصليبي في بلاد الشام لم يكن يستطيع الاعتماد على إمكاناته الذاتية في مواجهة المحيط الإسلامي العام هناك، خاصة خلال المرحلة المبكرة من تاريخ الصليبيين في المنطقة. وجاءت أحداث تلك الحملة لتكون حلقة في سلسلة طويلة من النجدات، والحملات الأوروبية القادمة من الغرب الأوروبي، ومن الضروري بمكان ملاحظة أن تلك الحملة النرويجية هي جزء لا يتجزأ من المشروع الصليبي العام الذي لم يتوقف طول تلك المرحلة وهذا يؤدي بنا إلى تصور دارسة تاريخ الحروب الصليبية في بلاد الشام على اعتبار عدد الحملات الرئيسية المعروفة والتي استهدفت الشام ومصر وتونس من الممكن أن يجعلنا نغفل أهمية حملات صليبية أخرى فرعية مثل الحملة الصليبية النرويجية وغيرها من الحملات الأخرى التي لم تحظ بذت الاهتمام الذي وجه للحملات الرئيسية وبالتالي فمن الإنصاف القول بأن رؤية المشروع الصليبي كمشروع واحد عام من الممكن أن تجنبنا الرؤية المجزأة والتي قد لا تقدر أهمية الحملات الفرعية التي ساهمت بدورها هي الأخرى في تكوين جسد المشروع الصليبي ككل وقد كان دعم الملك النرويجي سيجورد للحركة الفرنجية الصليبية خلال المرحلة من 1107 -1110م /501 – 504ه .

تقول الكاتبة كارين ارمسترونغ : ... إن الحملات الصليبية لم تكن مجرد حركة هامشية في العصور الوسطى، بل كانت حركة محورية بالنسبة للهوية الغربية التي كانت قيد التبلور في ذلك الحين وهي ما فتئت مستمرة إلى يومنا هذا، ناهيك عن أنها أظهرت الدين في أشنع صوره  .. خلال عام 1983م أمضيت بعض الوقت في إسرائيل لإجراء أبحاث وإعداد سلسلة تلفزيونية عن المسيحية المبكرة للقناة البريطانية الرابعة، وأثناء وجودي هناك، وجدت نفسي المرة تلو المرة وجهاً لوجه مع الحملات الصليبية. وأنت في إنكلترا قد تمر بضعة شهور من غير أن تتبادر إلى ذهنك الحملات الصليبية حتى ولو مرة واحدة، لكن ذلك مستحيل ببساطة وأنت موجود في إسرائيل، ففيها تطالعك باستمرار كنائس وقلاع ومدن بأكملها بناها الصليبيون. ولأول مرة، أصبحت الروح الصليبية حقيقة تاريخية ملموسة بالنسبة لي، فقلت لنفسي : هذه ليست أساطير غامضة، فإني ما يقرب من ألف عام، حين كانت أوروبا لا تزال ترتع في الهمجية وأبعد ما تكون عن التمدن، شّق آلاف المسيحيين طريقهم بجهد جهيد نحو الشرق الأوسط، وأنشأوا دولاً وممالك هناك، وكانت تلك أولى مستعمراتنا ومجرد حدوث ذلك ليبدو للمرء أمراً غير عادي البتة. ولعل ما سحرني بنوع خاص، قلاع الصليبيين وحصونهم الضخمة، واكتشافي أنها بنيت على امتداد حدود دويلاتهم، فثمة سلسلة من القلاع الصليبية في إسرائيل، ولبنان، وسوريا والأردن ولا عجب إذن أن يكون الإسرائيليون والفلسطينيون كلاهما على معرفة جيدة بالحملات الصليبية بأدق تفاصيلها فالاسرائيليون لا يخفون أن مشاريع الاستيطان الضخمة التي ينفذونها على التلال المحيطة بمدينة القدس إنما تشبه الحصون الصليبية شبها بيَّناً : فالناس الذين يقطنون تلك المجمعات السكنية يرون أنفسهم حُماة لأورشليم اليهودية من العرب. فلكي يهاجم القدس، سيجد الجيش العربي الغازي أنه مضطر إلى شق طريقه عبر تلك المستوطنات المدينة الكثيفة السكان في خط النار، كما اكتشفت أن الدراسات الصليبية مزدهرة في الجامعة العبرية بالقدس وهذا مالم يُفاجئني أبداً. فأطلال وأوابد القلاع الصليبية قمينة بتذكير المرء بأن ثمة دولة غربية أخرى قد زرعت نفسها في عالم إسلامي معاد لها وأنها كانت قلقة، على ما يبدو بشأن أمنها القومي، تماماً كقلق دولة إسرائيل اليوم، ولم يكن قد خطر لي في السابق قط أن أقرن المشروع الصليبي الغربي والملتبس جداً في القرون الوسطى، بالنزاع القائم حالياً في الشرق الأوسط لكن سرعان ما بدا الأمر غاية في السهولة حين كنت في إسرائيل  .


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق