161
دولة السلاجقةوبروز مشروع إسلامي لمقاومةالتغلغل الباطني والغزو الصليبي
الفصل الخامس
الحروب الصليبية في العهد السلجوقي
المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى:
ثانياً : حملة الأمراء :
كانت هذه الحملة أكثر تنظيماً من حلمة العامة : إذ بدت فيها الروح الإقطاعية واضحة، وتولى زعامتها عدد من الأمراء، لكل منهم اتجاهاته وجنده وسياسته الخاصة، مما جعل تلك الحملة في حقيقتها عبارة عن عدة حملات، ربما عملت أحياناً في اتجاهات متعارضة ، ويمكن تقيسم حملة الأمراء إلى أربع مجموعات، اعتمد تنظيمها على التقسيمات الجغرافية، وكذلك الوضع الجنسي، واللغوي للعناصر المشاركة فيها، أما المجموعة الأولى فكان على رأسها جود فرد البويوني وأخيه بلدوين وقد قادا جيش القلاندرز، واللورين، وشمال غرب فرنسا وبالنسبة للمجموعة الثانية : كان على رأسها بوهيمند النورماني وهو ابن روبرت جويسكارد الزعيم النورماني البارز وقد قام بقيادة النورمان الإيطاليين، وكذلك ابن اخته تانكرد، ثم نجد المجموعة الثالثة على رأسها ريموند كونت تولوز ومعه المندوب البابوي أدهيمار، وقد قادا جيوش جنوب فرنسا والبروفنسال، أما المجموعة الرابعة المذكورة عكست الثقل العسكري لصليبية الأمراء، وفي نفس الحين حملت عناصر القوة والضعف في آن واحد، نظراً للتنافس والتناحر الذي توافر لدى القيادات العسكرية وهو الأمر الذي سينعكس بدوره على أحداث تلك الحملة الصليبية.
1-موقف اليهود من الحروب الصليبية ومن الزوايا المهمة التي ينبغي التعرض لها :
أمر اليهود في الغرب الأوروبي عشية قيام الحروب الصليبية، حيث نلاحظ أنهم مثلوا قوة اقتصادية ذات شأن كبير واستقروا في المدن الكبرى لاسيما تلك الواقعة على خطوط التجارة العالمية ومن أمثلتها حوض الراين بألمانيا، ونجد أن التجار اليهود قد حرصوا على إقراض من اتجه للاشتراك في الحملة الصليبية الأولى بفوائد باهظة من خلال انتشار ظاهرة الربا حينذاك، ولا نغفل أن اليهود منُذ بداية المشروع الصليبي توجسوا منه خيفة على مصالحهم التجارية مع تجارة الشرق، ويذكر البعض أن اليهود الألمان في مناطق مثل مينز، وكولونيا جمعوا الأموال، وحاولوا تقديمها لجودفرى البويوني من أجل اثنائه عن عزمه عن المشاركة في أحداث تلك الحملة خوفاً من تهديد مصالح اليهود التجارية في الشرق .
زد على ذلك أن اليهود في الغرب الأوروبي نظرت إليهم الدوائر الكنسية – صاحبة النفوذ الكبير في تشكيل عقلية ذلك العصر – نظرة عداء وارتياب دائمين من خلال مواقفهم العدائية من المسيحية في تاريخها الباكر، ثم أن اليهود عاشوا في المدن التي أقاموا فيها في أحياء خاصة بهم أو ما عرف بالجيتو اليهودي، ومثلوا كيانات منعزلة ومتقوقعة وترفض الاندماج في المجتمعات الأوروبية المحلية الأكبر على نحو أدى إلى توافر نظرة عدائية عميقة تجاههم تزايدت مع تعاقب السنين، مع ملاحظة أن اليهود أنفسهم لم يعملوا من جانبهم على تغيير تلك النظرة العدائية لدى خصومهم والواقع أننا لا نورد كافة تلك الاعتبارات كتبرير للمذابح التي اقترفها الصليبيون ضد اليهود في حوض الراين كما حدث في مدن سياير وكولونيا ويراين وغيرها .
وكان الصليبيون يخيرون اليهود بين الارتداد عن دينهم واعتناق المسيحية أو الموت، وقد ظهر عدد من القادة الذين قادوا هذه المذابح ضد اليهود من أمثال فولكمار، وجوتشوك واميخو، وقد سقط المئات قتلى، على نحو عكس روح التعصب العارمة التي سادت صفوف الصليبيين وعدم قدرة المسيحية على أيدي أبنائها المتعصبين على التجاور مع أهل الأديان الأخرى سواءً على أرض القارة الأوروبية ذاتها أو في بلاد الشام ومصر عندما تصل إليها أقدام الصليبيين، ولا نغفل؛ أن مثل تلك الحوادث دعمت لدى العقل الجمعي اليهودي فكرة الاضطهاد، بل ومعاداة السامية إدراك سلوكياتهم عن ذلك، واستغلوا – فيما بعد – مثل تلك الأحداث من أجل استمرار المكاسب السياسية تكفيراً عن الذنوب التي اقترفت في الماضي .
2-موقف الإمبراطور البيزنطي من حملة الأمراء :
تقدمت الجماعات الأربع المذكورة نحو الشرق، وكانت أولى الجماعات التي وصلت إلى الأراضي البيزنطية تلك التي كانت بقيادة جودفري البويوني وشقيقه بلدوين، ويلاحظ أن الأمبراطور البيزنطي الكسيوس كومنين أرسل رسله إلى جودفري البويوني للالتفاق على ألا تتعرض بلاده غلى للسلب والنهب مثلما كان الأمر مع حملة العامة وفي المقابل قدم للصليبيين المؤن والامدادات إلى أن يصلوا إلى مناطق السلاجقة، غير أن قوات جودفرى لم تلتزم بذلك واستباحت أحد المواقع البيزنطية في صورة مدينة سليمبريا وقد طلب الأمبراطور البيزنطي من جودفرى أن يقسم له يمين الولاء والطاعة واستخدام سلاح قطع المؤن والإمدادات عن قواته إلى أن أرغمه على أن يقسم له يمين الولاء والطاعة واستخدام سلاح قطع المؤن والإمدادات عن قواته إلى أن أرغمه على أن يقسم له ذلك القسم وذلك في أبريل من عام 1097م/491ه وتعهد بأن يرد للامبراطورية البيزنطية ما فقد منها من مناطق، وتم نقل قوات جودفرى بويون بالسفن البيزنطية إلى آسيا الصغرى وأما فيما يتعلق بالمجموعة التي بقيادة بوهيمند ابن روبرت جويسكارد، فقد كانت الأمبراطورية البيزنطية على جانب كبير من الخوف منها، خاصة أن النورمان مثلوا لها أقوى أعدائها وأخطرهم، ولا نغفل أن أطماع النورمان في أملاك الإمبراطورية في جنوب إيطاليا وسقوط بارى آخر أملاك بيزنطة هناك عام 1071م/464ه كل ذلك لم يغب عن أذهان المسؤولين البيزنطيين البتة وهم يتعاملون مع المجموعة المذكورة، وبصفة عامة وافق بوهيمند على أن يقسم قسم الولاء للأمبراطور الكسيوس مع ملاحظة أن البعض الآخر مثل تنكرد ابن أخت بوهيمند لم يقسموا ذلك القسم وبالنسبة التي على رأسها ريموند الرابع كونت تولوز : فنعرف أن تلك القيادة الصليبية لم تقسم يمين الولاء للامبراطور، غير أنها وافقت على القسم باحترام حياته وعدم الإساءة إليه وفيما يتعلق بالمجموعة التي على قيادتها روبرت النورمندي، فقد وافق الأخير على القسم للأمبراطور، وعبرت تلك المجموعة مضيق البسفور إلى آسيا الصغرى شأنها في ذلك شأن المجموعات الأخرى وعلى أية حال : فإن المكسب الأكبر – الظاهري – الذي حققه الكسيوس من تعامله مع تلك المجموعات الصليبية : أنه عقد معهم اتفاقية القسطنطينية عام 1097م/491ه والتي تعهد فيها الطرف الصليبي بأن يعيد لبيزنطة كافة المواقع التي كانت لها من قبل اجتياح السلاجقة لأراضيها، ومن المنطقي تصور أن أنطاكية حاضرة كانت لها من قبل اجتياح السلاجقة لأراضيها، ومن المنطقي تصور أن أنطاكية حاضرة نهر العاصي الكبرى دخلت ضمن ذلك الاتفاق في مقابل تقديم بيزنطة للمؤن والإمدادات للصليبيين ويلاحظ أن الصليبيين لم يلتزموا بتلك الاتفاقية التي تصورت الأمبراطورية البيزنطية أن من الممكن الزامهم بها دون جدوى .
3-سقوط نيقية :
اندفعت الجيوش الصليبية بعد العبور، باتجاه نيقية للاستيلاء عليها نظراً لموقعها الجغرافي، إذ لو بقيت بأيدي السلاجقة لشّكل ذلك خطراً على خطوط مواصلاتهم مع بلاد الشام، وتوحَّدت أهدافهم وأهداف بيزنطية في هذه القضية وعندما وصلت القوات الصليبية عاصمة دولة سلاجقة الروم ، كان قلج أرسلان السلجوقي متغيباً عنها، وفرض الصليبيون الحصار عليها، وتمكنوا من إلحاق الهزيمة بالسلاجقة، وهو الانتصار الأول لهم، وقد اتجهت الحامية السلجوقية للمدينة، إلى الاستسلام، واتصلت بصورة سرية بالبيزنطيين وتم الاتفاق على الاستسلام في مقابل ألا يتعرض أحد بالسلب والنهب، وبالفعل فوجئ الجميع بارتفاع الأعلام البيزنطية ترتفع فوق أسوار نيقية وذلك في يونيو 1097/491ه ، وبذلك سقطت نيقية في أيدي البيزنطيين بعد ستة عشر عاماً من فتح السلاجقة لها، وأضحى بوسع الأمبراطورية التنفس بحرية بعد إجلاء السلاجقة عن هذا المعقل الأمامي الحصين .
توجه قلج أرسلان بعد سقوط عاصمته، نحو قونية، وأتخذها عاصمة جديدة لسلطنته، وقاعدة عسكرية للانطلاق منها والدفاع عن أراضيه، ثم أجرى مفاوضات مع الأمير الدانشمندي من أجل تجميد خلافاتهما، والتعاون، لمواجهة الغزو الصليبي الذي يهدَّدهما سوياً. لقد زاد سقوط نيقية من خوفه على المستقبل، كما أن ضياع أمواله وكنوزه كان أمراً سيئاً ، وأسفرت المفاوضات بين البيتين التركيين، السلجوقي والداشمندي، عن عقد هدنة بينهما، كما اتحدا للتصدي للزحف الصليبي الذي وصل إلى كبادوكية، وتناسياً مؤقتاً، تنافسهما بشأن ملطية، وهكذا اتحد جميع الأتراك في آسيا الصغرى للتصدي للصليبيين في سهول دور يليوم ، ومما يحسب للأمبراطور البيزنطي تنفيذه للاتفاق المُبرم بين الأمبراطور وأهل نيقيه، فقد خرج الأتراك من المدينة مع عائلاتهم وأمتعتهم تحت حراسة مشَّددة إلى القسطنطينية أو إلى المعسكر البيزنطي في بيلكانوم ومن يبهم أخت السلطان وزوجته وأولاده، ولم يلبث الأمبراطور أن أعادهم إلى الزعيم السلجوقي دون فدية .
4-معركة دور يليوم :
أستأنف الصليبيون سيرهم بعد استراحة أسبوع على سقوط نيقية، عبر فريجيا متخذين الطريق الروماني الذي يمر في دور يليوم وفيلوميليوم وقونية وصولاً إلى طرسوس وصحبتهم سرية من القوات البيزنطية بقيادة تاتيكيوس المشهور بخبرته وتجربته ، ثم توقفوا في قرية لويكي حيث عقدوا مجلساً عسكرياً حدَّدوا خلاله خطة الزحف، وتقررَّ تقسيم الجيش إلى قسمين لتسهيل عملية التموين أثناء الزحف، والقضاء على المقاومة السلجوقية في أكبر مساحة ممكنة ، وتقدم الجيش الصليبي بقسميه إلى منطقة السهول التي يسقيها أحد روافد نهر سنغاريوس حيث الأتراك يتربَّصون بهم، ويُعد هذا المكان مناسباً لممارسة فرسانهم تكتيكهم العسكري، فانطلقوا عبر السهل بخيولهم الخفيفة وراحوا يلتفون حول القسم الأول المتقدم دون أن يصطدموا به، وحرص الصليبيون من جانبهم على ألا يفَّرقهم الأتراك أو يفاجئونهم بخوض معركة لم يستعدوا لها، لذلك عسكروا في 27 رجب / 30 حزيران قرب خرائب مدينة دور يليوم ، وظهر الأتراك في صبيحة اليوم التالي وباشروا فوراً بتطويق الصليبيين والضغط عليهم.
وجرى اشتباك بين الطرفين أسفر عن انتصار الصليبيين، ورجحت كفة الأتراك في بداية المعركة التي استمرت عدة ساعات قبل أن يصل القسم الثاني ويشترك في القتال وانسحب قلج أرسلان إلى داخل هضبة الأناضول، وبلغت الخسائر في الأرواح أقل مما توقع أي من الطرفين، وعانى الأتراك في آخر عشر دقائق من المعركة عندما حاصر الصليبيون جناحهم الأيسر، وأصيب بوهيموند بجراح، واستولى الصليبيون على المدينة .
5 -نتائج معركة دوريليوم :
كان لمعركة دوريليوم، تأثير بالغ السوء على أوضاع السلاجقة. إذ بهزيمتهم خسروا بعض ما كسبوه خلال أكثر من عشرين عاماً، إلا أنهم كسبوا احترام الصليبيين وإعجابهم بما تحلوا به من شجاعة وبما اتبعوه من أساليب علمية في فنون الحرب وأدرك قلج أرسلان أن لا جدوى من المحاولة لوقف الزحف الصليبي فلجأ مع أتباعه إلى التلال بعد أن خربوا القرى لحرمان الصليبيين من الاستفادة من خيراتها، ولم يعد قلج أرسلان يجرؤ بعد ذلك على مواجهة الصليبيين منفرداً وجهاً لوجه.
* ظهور قوة جديدة على مسرح الأحداث في الشرق الأدنى هي قوة الصليبيين الغربيين الذين أثبتوا تفوقهم العسكري على القوة التي طالما عجزت أمامها الجيوش البيزنطية، ألا وهي قوة السلاجقة في بلاد الروم.
* شكّل سقوط نيقية وخسارة ودوريليوم طعنة قاتلة لهيبة تلك الأسرة السلجوقية ومكانتها في الأناضول، وكانتا نقطة تحول في الشؤون السلجوقية بسبب أن الخسارة التي تكبدوها،في الأرواح أوفى الممتلكات، كانت فادحة بحيث.
* فتحت هذه المعكرة الطريق للصليبيين إلى بلاد الشام، وكفلت لهم سلامة المرور عبر آسيا الصغرى.
* نجحت بيزنطة في استرداد الجزء الغربي من الأناضول التي خسرته بعد سقوط نيقية بأيدي السلاجقة في عام (474ه/1081م).
* أدّت عملية الاسترداد إلى تغيير مهم في خريطة الأراضي، إذ بينما كانت الحدود السلجوقية البيزنطية تمر في عام 478ه/ 1085م في مدينتي نيقية ونيقوميدية على مسافة قصيرة من بحر مرمرة ومضيق البوسفور، نرى أن هذه الحدود قد تغيَّرت بعد أن تَّم طرد الأتراك من بيثينيا وأيونيا وفيريجيا، ومن ثَّم عادت هذه المقاطعات بيزنطية، وبذلك تكون الأمبراطورية قد ثأرت لنفسها مما حلَّ بها على أيدي السلاجقة منُذ معركة ملاذكرد.
* حرمت الخسارة السلاجقة من امتلاك هرقلة وقيصرية بالإضافة إلى أن مملكة بلدوين التي أسَّسها في الرها، ومملكة غودفري في فلسطين، وضعتا حداً لتوسعهم شرقاً، كما أن وجود قوة نورمانية على شاطئ البحر المتوسط، حرمهم من الاستفادة من الشواطئ الجنوبية الغربية وإذا كان عليهم أن يستمروا فإنهم لا بد أن يعيدوا سيطرتهم على الأناضول ويصبحوا أسياده مجدداً .
* بالإضافة إلى تراجع قوة السلاجقة، فقد سادت علاقتهم بسلاجقة الشرق، لأن قلج أرسلان لم يعترف لهم بالسيادة إلاَّ أنه كان أمامه بصيص أمل، فعرف كيف يستغل استمرار تدفق المهاجرين من الأتراك إلى آسيا الصغرى، بإعداد متزايدة، فجنَّدهم في صفوف جيشه، وخلق منهم جيلاً محارباً قوياً مدرَّباً ومنظَّما . ولا مراء : في أن معركة ضور ليوم احتلت مكاناً بارزاً في تاريخ الحملة الصليبية الأولى فهي أول صدام عسكري كبير بين الصليبيين والسلاجقة وتحقق الانتصار للأولين، على نحو كان فاتحة توسعات صليبية غير مسبوقة، وقد أفاد الصليبيين في ذلك كثرتهم العددية وحسن تنظيمهم ناهيك عن استبسالهم في القتال .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق