140
دولة السلاجقةوبروز مشروع إسلامي لمقاومةالتغلغل الباطني والغزو الصليبي
الفصل الرابع
المدارس النظامية في عهد السلاجقة
المبحث الخامس:الإمام الغزالي، من كبار علماء المدارس النَّظامية:
ثامناً : كتاب إحياء علوم الدين :
كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، من الكتب التي تباينت فيها الأنظار، فمن مادح له مطلقاً ساكت عن طوامه، من قادح فيه مطلقاً، ساكت عن محاسنه والآئمة الراسخون في العلم توسطو فيه فأعطوه حقه من المدح والقدح، وأنزلوه منزلته التي يستحقها بدون غلو أو جفاء ، قال ابن تيمية في معرض تقويمه لكتابي : إحياء علوم الدين وقوت القلوب لأبي طالب المكي : أمّا كتاب قوت القلوب وكتاب الإحياء تبع له فيما يذكره من أعمال القلوب : مثل الصبر، والشكر، والحب، والتوكل، والتوحيد ونحو ذلك وأبو طالب أعلم بالحديث والأثر وكلام أهل علوم القلوب من الصوفية من أبي حامد الغزالي، وكلامه أسُّد وأجود تحقيقاً، وأبعد عن البدعة، مع أنَّ في قوت القلوب : أحاديث ضعيفة وموضوعة وأشياء كثيرة مردودة. وأمّا ما في الإحياء من الكلام في المهلكات مثل : الكلام على الكبر، والعُجب والرياء والحسد ونحو ذلك، فغالبه منقول من كلام الحارث المحاسبي في الرعاية، ومنه ما هو مردود، ومنه ما هو متنازع فيه والأحياء فيه فوائد كثيرة لكن فيه مواد مذمومة، فإن فيه مواد فاسدة من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد، فإذا ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدوَّا للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين وقد أنكر أئمة الدين على أبي حامد هذا في كتبه وقالوا : مرّضه الشفاء يعني : شفاء ابن سينا في الفلسفة وفيه أحاديث وآثار ضعيفة، بل موضوعة كثيرة، وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وتُرّهاتهم وفيه مع ذلك – من كلام مشايخ الصوفية العارفين المستقيمين في أعمال القلوب الموافق للكتاب والسنًّة ومن غير ذلك من العبادات والأدب ما هو موافق للكتاب والسنَّة، ما هو أكثر ممَّا يرُد منه فلهذا اختلف فيه اجتهاد الناس وتنازعوا فيه .
وقال أيضاً .. والغزالي في كلامه مادة فلسفية كبيرة بسبب كلام ابن سينا في الشفا وغيره، ورسائل إخوان الصفا، وكلام أبي حيان التوحيدي وأما المادة المعتزلية في كلامه فقليلة أو معدومة، كما أن المادة الفلسفية في كلام ابن عقيل قليلة أو معروفة، وكلامه في الإحياء غالبه جيد، لكن فيه مواد فاسدة : مادة فلسفية ، ومادة كلامية ومادة من ترهات الصوفية، ومادة من الأحاديث الموضوعة . وقال الذهبي : وأما الإحياء ففيه من الأحاديث الباطلة جملة وفيه خير كثير، لولا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء ومُنحرفي الصوفية نسأل الله علماً نافعاً، تدري ما العلم النافع ؟ هو ما نزل به القرآن، وفسّره الرسول صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً، ولم يأت نهي عنه، قال عليه السلام : من رغب عن سنتي، فليس مني ، فعليك يا أخي بتدبر كتاب الله، وبإدمان النظر في " الصحيحين "، وسنن النسائي، ورياض النووي وأذكاره، تُفلح وتُنجِح . وقال الذهبي : الغزالي إمام كبير وما من شرط العالم أنه لا يخطئ .
وقال أيضاً : فرحم الله أبا حامد فأين مثله في علومه وفضائله ولكن لا ندعي عصمته من الغلط والخطأ ولا تقليد في الأصول . وقال الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر : وإذا وجد العلماء في كتاب الإحياء مآخذ معدودة، فإنه من صنع بشر غير معصوم من الزلل وكفى كتاب الإحياء فضلاً وسمو منزلة : أن تكون درر فوائده فوق ما يتناول العد، وأن يظفر منه طلاب العلم وعشاق الفضيلة بما لا يظفرون به في كتاب غيره . وقال الدكتور القرضاوي : وكم أتمنى أن يختصر من الكتاب – أعني : - الأحياء – " منتقى " يبقى على روحه وحرارته كما يبقى على فوائده العلمية والتربوية – وهي كثيرة وفيرة – ويحذف التجاوزات والمبالغات، والأحاديث الضعيفة أو الشديدة الضعف على الأقل، وبهذا تقدم للثقافة الإسلامية خدمة جليلة .
وقال العلاّمة أبو الحسن الندوي : ويدلُّ كتاب الإحياء على مكانته العالية بين علماء الأخلاق، وقد بحث عن الأخلاق ودوافعها ومنشئها وأصنافها بحثاً دقيقاً عميقاً، وتكلم في أمراض القلب وأسبابها وعلاجها كلاماً يجمع بين الحكمة والعلم والتجربة والتربية، وإنَّ من يقرأ بحثه المستفيض في بيان سبب كون الجاه محبوباً بالطبع، حتى لا يخلو عنه قلب إلا بشديد المجاهدة، ليخضَعُ ويقر بذكائه ودراسته للطبيعة البشرية، وتحليله العلمي وعقله الكبير ، وقد استحقَّ الغزالي ببحوثه العميقة في الأخلاق، وبتأليفه العظيم " إحياء علوم الدين " أن يوضع في الصف الأول من علماء الأخلاق، وأن يكون موضع دراسة وعناية من الباحثين في علم الأخلاق، وعلم النفس، والمؤرخين لهذا الموضوع ويرى الندوي أن كتاب الإحياء كتاب ترغيب وتهذيب وأن من أشّد أجزاء الكتاب تأثيراً في النفس، ما يشمل على الترغيب والترهيب، ويُصّور الغزالي غرور الدنيا وخلود الآخرة، والحاجة إلى الإيمان والعمل الصالح وتهذيب النفس، ويدافع عنها، ويعتذر كأحسن ما يعتذر صديق محب، ومحام بارع، ثم يجيب عن ذلك ويُقيم عليها الحجة كأحسن ما يفعل ذلك قاض نابغة، وُمشَّرع بصير، ثم يُرقق القول ويَصف العلاج، كأحسن ما يفعل طبيب حاذق، ومُربَّ عطوف، ويجيء بالعجب العُجاب، ويَسحر الألباب، ويُدمع العيون، ويُرقق القلوب، وقد أثَّرت هذه المواعظ الحكيمة الرقيقة في قلوب الألوف، وأحدثت في حياتهم انقلاباً وتحولاً عظيماً، ومن شاء فليقرأ المرابطة السادسة في توبيخ النفس ومعاتبتها .
وقد أصبح كتاب الإحياء بذلك كُلَّه كتاب إصلاح وتربية، وكأنَّ المصنف حاول أن يكون هذا الكتاب – كمرشد ومرب – مغنياً عن غيره، قائماً مقام المكتبة الإسلامية؛ لذلك جعله يحتوى على العقائد، والفقه وتزكية النفس، وتهذيب الأخلاق، والحصول على مرتبة الإحسان . ولكن مما يُلاحظ أن كثيراً ممن يقتصر على مطالعة هذا الكتاب، أو يكثر من قراءته ويشغف به، ينشأ عنده غُلوُّ في الزهد والتقشف، ومخالفة النفس في المباحات، والكراهة للحياة، والإكثار من الرياضات والمجاهدات؛ حتى تتأثر بذلك صِحَّته وعقله، خصوصاً في هذا العصر الذي ضَعُفت فيه القِوى والأجسام، لذلك يَمنعُ بعض المربين الحكماء عن مطالعة هذا الكتاب في بداية الحال، خصوصاً الذين عندهم تأثُّر قويُّ وانفعال سريع، لعل السبب في ذلك أن الغزالي صنَّفه في حالة قد غلب عليه فيها الخوف والهيبة، وكان متأثراً شديد التأثر، فجاء كلامه صورة نفسيَّته وتأثره، وقد جمع فيه أقوالاً كثيرة في الزهد وقهر النفس وعصيانها، لا تخلو من المبالغة والإسراف، والحق، أن السيرة النبوية – ويدخل فيها الحديث الصحيح – على صاحبها الصلاة والتحية – هي المدرسة الوحيدة التي تربي تلاميذها على الاعتدال الكامل والتوازن الصحيح. و " كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر ، ويُمثل ذلك بعض التمثيل قدوة دينية تجمع بين العلم الراسخ، والسيرة المستقيمة، والقلب الحي الفائض قد تشَّرب السيرة وتذوق السنة، وذاق حلاوة الإيمان، وحاز اليقين، ولم يزل ولا يزال الدين يؤخذ من الأحياء ويقوم بالأحياء، ولم يكن الإنسان في دور من الأدوار غنياً عن القدوة والصحبة ، وعلى ما تُعقَّب على الغزالي في الإحياء من إيراد أحاديث ضعيفة بل موضوعة في كثير من الأحيان، وأشياء من كلام الصوفية الممعِنة في الغلو، وهضم النفس وترك المباحات وقد لا يتفق مع أصول الدين، ومع ما ورد فيه من مواد كلام الفلاسفة .. إلى غير ذلك من مآخذ تعقبها العلامة الحافظ ابن الجوزي وشيخ الإسلام ابن تيمية، مع اعترافهما بفضل الكتاب فإن كتاب الإحياء في مقدمة الكتب الإسلامية، التي انتفع بها خلائق لا تحصى في كل عصر وجيل، وأثَّرت في النفوس تأثيراً لا يُعرف إلا عن كتب معدودة، ولا يزال الكتاب الذي يكثر قراؤه والمعجبون به والمتأثرون به في أكثر البلاد، ولا يزال ثرواة زاخرة في الدين، ومصدراً قوياً من مصادر الإصلاح والتربية . وخلاصة القول في كتاب الإحياء هو من صنع البشر، ولا يعيبه وجود مآخذ معدودة عليه ونضيف إلى ذلك : أن كتاب الإحياء موسوعة علمية ضخمة وليس هو من الكتاب الصغير ووجود الأخطاء لا يلغي مكانة الكتاب وأهم ما انتقد على الكتاب في نقاط :
?استشهاده بالأحاديث الضعيفة والموضوعة.
?وجود بعض الأحكام التي بنيت على هذه الأحاديث.
?ذكر كثير من القصص التي تحمل المبالغات في السلوك الصوفي.
?الحديث عن الكشف والمكاشفة التي يتحدث عنها في الإحياء
?بعض المواضع التي ذكر فيها مواد فلسفية.
قال الدكتور القرضاوي : على أن من أخطر ما يؤخذ على الغزالي – بالنسبة إلى التصوف – هو قضية " الكشف " أو " المكاشفة " التي يحصل الصوفي على علومها وأنوارها بعد الرياضة والتصفية الروحية، وبعد الترقي في مدارج السالكين ومنازل السائرين، وقد صرح الغزالي أن " علم المكاشفة" مما لا يجوز أن يودع الكتب ، ومهما يكن من أمر فإن الغزالي كما قال الذهبي : إمام كبير، وما من شرط العالم أنه لا يخطئ .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق