إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 5 يوليو 2014

141 دولة السلاجقةوبروز مشروع إسلامي لمقاومةالتغلغل الباطني والغزو الصليبي الفصل الرابع المدارس النظامية في عهد السلاجقة المبحث الخامس:الإمام الغزالي، من كبار علماء المدارس النَّظامية: تاسعاً : موقف الغزالي من الاحتلال الصليبي :


141

دولة السلاجقةوبروز مشروع إسلامي لمقاومةالتغلغل الباطني والغزو الصليبي

الفصل الرابع

المدارس النظامية في عهد السلاجقة

المبحث الخامس:الإمام الغزالي، من كبار علماء المدارس النَّظامية:

تاسعاً : موقف الغزالي من الاحتلال الصليبي :

مع مجيء السلاجقة بدأ الوعي بالجهاد يدبّ من جديد في نفوس المسلمين ولقد استطاع السلاجقة في الفترة الممتدة من دخولهم بغداد إلى سنة 490ه تاريخ بداية الهجمة الصليبية على الشام، استرجاع شمال الشام كله، من أيدي البيزنطيين، بل دخلوا آسيا الصغرى وتمكنوا من أسر الإمبراطور البيزنطي في معركة ملاذكرد الشهيرة وهو أمر يحدث لأول مّرة في تاريخ الحروب الإسلامية البيزنطية. إلا أنه ابتداء من 490ه ستتخذ هذه الحروب منعرجاً جديداً إذ ستتحول إلى حرب صليبية  ، وقد احتل الصليبيون عدداً من بلاد الإسلام لاسيما بيت المقدس، الذي دخلوه غازين، وأسالوا فيه الدماء أنهاراً، وقتلوا من أهله نحو ستين ألفاً، وتفككت الأمة أمام هذه الغارات الوحشية  ، إلا أننا لم نسمع صوتاً للغزالي، وهو صاحب الكلمة المسموعة، والصيت المدوي، والبيان المؤثر، والحجة البالغة، ماله لا يتحدث عن الجهاد ؟ وماله لا يحرك الجماهير، كما فعل شيخ الإسلام من بعده ابن تيمية ؟ ما سر هذه السلبية، والحق أن هذا موقف محير من أبي حامد – رحمه الله – ومثله لا يجهل ما يجب أن يقال، وما يجب أن يعمل في زمن الإغارة على أهل الإسلام، وقد سجل حكم الجهاد في مثل هذه الحالة، وأنه فرض عين في كتبه الفقهية، وربما يقال إن هذه الأحداث الكبيرة إنما برزت وتفاقمت في العالم الإسلامي في نفس الوقت الذي اتجه فيه الغزالي إلى حياة العزلة والتصوف سنة 488ه وهجر الدنيا بما فيها من صراع البقاء أو صراع الفناء، فكان محور تفكيره حينذاك إنقاذ نفسه من النار ونقلها من المهلكات إلى المنجيات، فقد غز الصليبون أنطاكية لسنة 491ه ثم معرة النعمان في الشهر الأخير من تلك السنة حتى قالوا : إنهم قتلوا فيها مائة ألف، ثم اجتاحوا البلاد كلها يقتلون ويدمرون، واقتحموا القدس سنة 492ه وذبحوا من ذبحوا مما يذكره التاريخ ولا ينساه وكان الغزالي لا يزال في عزلته، إذ لم يفارقها إلا في سنة 499ه ولكنه بعد ترك العزلة والعودة إلى حياة الإفادة والتدريس والدعوة لم يبدأ منه ما يدل على عنايته بهذا الأمر، الذي يتعلق بمصير الأمة، وسيادتها  .

آراء بعض المعاصرين في سكوت الغزالي عن الحروب الصليبية:

1-الدكتور زكي مبارك :

يعتبر الدكتور زكي مبارك أحد أبرز النقاد المعاصرين الذين كتبوا عن الغزالي وله كتاب " الأخلاق عند الغزالي " تعرض فيه لمسائل كثيرة عنه وقد وقف وقفة وجيزة عند الغزالي والحروب الصليبية قال فيها. أتدري لماذا ذكرت لك هذه الكلمة عن الحروب الصليبية ؟ لتعرف أنه بينما كان بطرس الناسك يقضي ليله ونهاره في إعداد الخطب وتحبير الرسائل لحث أهل أوروبا على امتلاك أقطار المسلمين، كان الغزالي ( حجة الإسلام ) غارقاً في خلوته، منكباً على أوراده، لا يعرف ما يجب عليه من الدعوة والجهاد   .

2-الدكتور عمر فروخ :

أما الدكتور عمر فروخ فقد التمس العذر في سكوته عما جرى في القدس قائلاً : كان الصوفية يعتقدون بأن الحروب الصليبية كانت عقاباً للمسلمين على ما سلف لهم من الذنوب والمعاصي، ولعل الغزالي قد شارك سائر الصوفية في هذا الاعتقاد  .

وغير صحيح تعميم القول بأن الصوفية لا يشاركون في الجهاد، بل مشاركة كثير من الصوفية في حركة الجهاد ضد الصليبيين أثبتته الحقائق التاريخية في عهد السلاجقة والزنكيين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين وفي العصر الحديث فعبد القادر الجزائري الذي قادة حركة الجهاد الأولى ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر من كبار المتصوفة والسنوسيون في ليبيا محمد المهدي السنوسي مات مرابطاً في أحد الثغور أثناء قتاله لفرنسا في تشاد وأحمد الشريف السنوسي وعمر المختار من زعماء حركة الجهاد في ليبيا من الصوفية، كما شارك بعض الصوفية في الجهاد حالياً ضد الغزو الأمريكي للعراق، فالقول بأن الصوفية لا تشترك في الجهاد أطلاقه على العموم غير صحيح. وتحقيق المسألة أن من يقوم بالجهاد من الصوفية هم إتباع التصوف السني والذي يقوم على أصول أهل السنة عقيدة ومنهجاً مع الأكثار من العبادة والذكر والزهد وقد لا يخلو الأمر من بعض الأخطاء. أما التصوف المنحرف القائم على الاستغاثة بالموتى والغلو في الأشخاص وترويج البدع والتواكل وبث روح الانهزامية فهم عادة هم مطية للاستعمار والغزاة ونجد للدكتور فروخ رأياً آخر في كتابه التصوف في الإسلام  يقول فيه : ألا يعجب القارئ إذا علم أن حجة الإسلام – أبا حامد – الذي وقف بنفسه وعلمه في خدمة الدين لحفظ الإيمان على العامة، شهد القدس تسقط في أيدي الإفرنج الصليبيين وعاش اثنتي عشرة سنة بعد ذلك ولم يُشر إلى هذا الحادث العظيم  .

3-الدكتور يوسف القرضاوي :

حيث قال : والحق أن هذا الموقف محير من أبي حامد – رضي الله عنه ومثله لا يجهل ما يجب أن يقال إلى أن قال : ..ولعل عذر الإمام الجليل أن شغله الشاغل كان الإصلاح من الداخل أولاً، وأن الفساد الداخلي هو الذي يمهد للغزو الخارجي، كما تدل على ذلك أوائل سورة الإسراء، فإن بني إسرائيل كلما أفسدوا في الأرض، سلط عليهم عدوهم، وكلما أحسنوا وأصلحوا ردت لهم الكرة عليهم، لقد وجه أكبر همه إلى إصلاح الفرد، الذي هو نواة المجتمع وإصلاح الفرد إنما يكون بإصلاح قلبه وفكره، وبذلك يصلح عمله وسلوكه وتصلح حياته كلها، وهذا هو أساس التغيير الاجتماعي وهو ما أرشد إليه القرآن الكريم : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " (الرعد ، آية : 11). ويدخل في ذلك إصلاح الحكام بحسن توجيههم والنصيحة لهم والله أعلم بحقيقة عذره  .

4-الدكتور ماجد عرسان الكيلاني :

حيث قال : .. بالنسبة لموضوع الجهاد يلاحظ أن الغزالي تناول محتواه واسمه ضمن موضوع " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " حيث اعتبره في أكثر من موضع أحد أشكال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأمثلة على ذلك كثيرة قوله : أفلا ينبغي أن يبالي بلوازم الأمر بالمعروف ومنتهاه تجنيد الجنود في رضا الله ودفع معاصيه. ونحن نجوز للآحاد من الغزاة أن يجتمعوا ويقاتلوا من أرادوا من فرق الكفار قمعاً لأهل الكفر، فكذلك قمع أهل الفساد جائز لأن الكافر لا بأس بقتله، والمسلم إن قتل فهو شهيد، فكذلك الفاسق المناضل عن فسقه لا بأس بقتله، المحتسب المحق إن قتل مظلوماً فهو شهيد وكذلك قوله : الشرط الخامس " من شروط المحتسب " : كونه قادراً ولا يخفى أن العاجز ليس عليه حسبه إلا بقلبه إذ كل من أحب الله يكره معاصيه وينكرها. وقال ابن مسعود رضي الله عنه : جاهدوا الكفار بأيديكم فإن لم تستطيعوا إلا أن تكفهروا في وجوههم فافعلوا  . وكذلك قوله : فنقول : وهل لشارب الخمر أن يغزو الكفار ويحتسب عليهم بالمنع من الكفر ؟ فإن قالوا : لا ، خرقوا الإجماع إذ جنود المسلمين لم تزل مشتملة على البر والفاجر وشارب الخمر وظالم الأيتام ولم يمنعوا من الغزو ولا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بعده  ... والذي يبدو من معالجة الغزالي للقضايا الاجتماعية المختلفة أن موقفه من الجهاد اتصف بأمرين اثنين :

الأول : إن مفهوم الجهاد عند الغزالي ليس دفاعاً عن أقوام وأوطان وممتلكات، بل هو وسيلة لحمل رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي هي السبب الحقيقي لإخراج الأمة المسلمة إلى الوجود ومادام المجتمع الذي عاصره الغزالي قد توقف عن حمل هذه الرسالة وفسح للمنكر أن يشيع فيه واستساغت أذواقه هذا المنكر ... وانتهت جماهيره عند الملبس والمأكل والمنكح كما وصفهم المؤرخ أبو شامة، فإن أية دعوة للجهاد العسكري لن تكون ذات فائدة إلا إذا سبقه جهاد نفسي يبدل ما بأنفس القوم ويجعلهم يتذوقون معنى التضحية بالأنفس والأموال في سبيل الله.

الأمر الثاني : إن الغزالي كان واعياً بمفهوم الجهاد الشامل والمراحل التي تطبق فيها مظاهرة. فالجهاد له مظاهر ثلاث هي : الجهاد التربوي والجهاد التنظيمي، والجهاد العسكري. والفهم الصائب لهذه المظاهر الثلاثة وحسن ترتيبها وتوقيتها هو أحد مظاهر الحكمة التي جعلها الله أولى طرق الدعوة إليه حين قال : " أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " (النحل ، آية : 125). فالدعوة إلى الجهاد العسكري وندب العامة له في أمة متوفاة يدور فيها " الأفكار والأشخاص " في فلك " الأشياء " ستكون بمثابة استنفار الأموات الذين في القبور  .

 إلى أن قال : ... لعل هذا الاستعراض يتضمن الجواب عن الاعتراض الذي يتهم الغزالي بالعزلة عن قضايا العالم الإسلامي .. ولعل الميادين الأربعة التالية التي تضمنتها ميادين الإصلاح عند الغزالي دليل واضح على أن الرجل اختار البدء بالجهاد التربوي في أمة ضربها الخور والتثاقل، وشاع فيها التنكر للقيم الإسلامية تمهيداً لإخراج " الحكماء السياسيين والعسكريين " الذين يقودون الجهاد التنظيمي والعسكري الذي يرفع لواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، وهذه الميادين هي : نقد السلاطين الظلمة ومحاربة المادية الجارفة، والدعوة للعدالة الاجتماعية، ومحاربة التيارات الفكرية
المنحرفة  .

كتاب إلجام العوام في آخر عمره : يعتبر كتاب إلجام العوام عن علم الكلام من آخر مصنفات الإمام الغزالي على الإطلاق وفي هذا الكتاب تظهر أمور مهمة في ما وصل إليه الغزالي في مسيرته للبحث عن الحقيقة ومن هذه الأمور.

أنه انتصر في هذا الكتاب لعقيدة السلف منبها على أن الحق هو مذهب السلف، وأن من خالفهم في ذلك هو مبتدع  .

أنه نهى عن التأويل أشد النهي، داعياً إلى إثبات صفات الله، وعدم تأويلها بما يؤدي بها إلى التعطيل قائلاً بأن : علاج وهم التشبيه أسهل من علاج التعطيل. إذ يكفي أن يقال مع هذه الظواهر "
ليس كمثله شيء "   وقال : الدليل على أن مذهب السلف هو الحق : أن تصنيفه بدعة، والبدعة مذمومة وضلالة والخوض من جهة العوام في التأويل والخوض بهم من جهة العلماء بدعة مذمومة. وكان نقيضه – وهو الكف عن ذلك – سنة محمودة  . وذكر بأن : الصحابة والتابعين في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دعوا الخلق إلى البحث والتفتيش والتفسير والتأويل والتعرض لمثل هذه الأمور، بل بالغوا في زجر من خاض فيه وسأل عنه وتكلم به. فلو كان ذلك من الدين – أو من مدارك الدين – لأقبلوا عليه ليلاً ونهاراً ودعوا إليه أولادهم وأهليهم وتشمروا عن ساق الجد في تأسيس أصوله، وشرح قوانينه تشمراً أبلغ من تشمرهم في تمهيد قواعد الفرائض والمواريث وأضاف قائلاً. فنعلم بالقطع من هذه الأصول أن الحق ما قالوه. والصواب ما رأوه لاسيما وقد أثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : خير الناس قرين، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم  . فمن النتائج التي وصل إليها الغزالي في حياته العلمية هي اعتماد مرجعية الصحابة في علمهم وسيرتهم وسلوكهم ويعتبرهم حجة على من بعدهم وأنهم معيار لصحة الاعتقاد والسلوك وهذا صحيح ويعني ضرورة اهتمامنا بمعرفة سيرهم وسلوكهم وعبادتهم وجهادهم وخصوصاً الخلفاء الراشدين الذين حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على التمسك بسنتهم.

?شد النكير على المتكلمين : حيث قال : والدليل على تضرر الخلق به : المشاهدة والعيان والتجربة، وما ثار من الشر منُذ نبغ المتكلمون وفشت صناعة الكلام مع نهي العصر الأول من الصحابة عن مثل ذلك ويدل عليه أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة بأجمعهم ما سلكوا في المحاجّة مسلك المتكلمين في تقسيماتهم وتدقيقاتهم. لا لعجز منهم عن ذلك، فلو علموا أن ذلك نافع لأطنبوا فيه، ولخاضوا في تحرير الأدلة خوضاً يزيد على خوضهم في مسائل الفرائض   وأشار إلى مسألة مهمة وهي : أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا محتاجين إلى محاجة اليهود والنصارى في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فما زادوا على أدلة القرآن شيئاً وما ركبوا ظهر اللجاج في وضع المقاييس العقلية وترتيب المقدمات كل ذلك لعلمهم بأن ذلك مثار الفتن ومنبع التشويش، ومن لا يقنعه أدلة القرآن لا يقمعه إلا السيف والسنان فما بعد بيان الله بيان  .

?توسع في النهي عن البدعة والابتداع في مواضع كثيرة من هذا الكتاب حيث يقول : وكذلك العوام إذا طلبوا بالسؤال عن هذه المعاني يجب زجرهم ومنعهم، وضربهم بالدرة كما كان يفعل عمر رضي الله عنه بكل من سأل عن الآيات المتشابهات، وكما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإنكار على قوم رآهم خاضوا في مسألة القدر وسألوا عنه فقال عليه السلام : فبهذا أمرتهم ؟ وقال : إنما هلك من كان قبلكم بكثرةالسؤال  . ويضيف قائلاً : ولذلك أقول : يحرم على الوعاظ على رؤوس المنابر الجواب عن هذه الأسئلة بالخوض في التأويل والتفصيل بل الواجب عليهم الاقتصار على ما ذكرناه وذكره السلف  .

إقبال الغزالي على القرآن الكريم وصحاح الأحاديث : فقد عرف عنه رحمه الله أنه أقبل في أواخر عمره على الأحاديث الصحاح، فاتخذ لنفسه معلمين يحفظ عليهم الصحيحين، وكان يسمع في آخر حياته صحيح البخاري من أبي سهيل محمد بن عبد الله الحفصي، وسنن أبي داود من القاضي أبي الفتح الحاكمي الطوسي  . وهذا الأمر يلفت النظر إلى ميزة كبيرة في شخصية الغزالي حيث تواضعه في طلب العلم وعدم استكباره في الأخذ على أيدي العلماء وهو في هذه السن والمكانة والعلم ويحكي تلميذه – عبد الغافر الفارسي – آخر مراحل حياته قائلاً : وكانت خاتمة أمره إقباله على حديث المصطفى ومجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين – البخاري ومسلم – اللذين هما حجة الإسلام. ولو عاش لسبق الكل في ذلك الفن بيسير من الأيام يستفرغه في تحصيله، ولا شك أنه سمع الأحاديث في الأيام الماضية، واشتغل آخر عمره بسماعها  . وقد كان ابن تيمية رحمه الله ممن يذكّرون بهذه المرحلة الأخيرة التي تعرض لها الغزالي، ومكرراً ذلك في غالب كتبه مؤكداً على أن الغزالي مال أخيراً إلى أهل الحديث ومات وصحيح البخاري على صدره  ، وذكر ابن كثير ترجمة وجيزة عن الغزالي قال في آخرها : ثم عاد إلى بلده طوس فأقام بها وابتنى رباطاً، واتخذ داراً حسنا وغرس فيها بستانا أنيقاً، وأقبل على تلاوة القرآن، وحفظ الأحاديث الصَّحاح  .

وفاته :

توفي الإمام الغزالي يوم الاثنين الرابع عشر من جمادي الآخرة من هذه السنة، ودفن بطوس رحمه الله تعالى وقد سأله بعض أصحابه وهو في السَّياق فقال : أوصيني فقال له : عليك بالإخلاص، فلم يزل يُكرَّرُها حتى مات، رحمه الله  . قال أخوه أحمد : لما كان يوم الاثنين وقت الصبح توضأ أخي أبو حامد، وصلى، وقال : عليّ بالكفن، فأخذه وقبّله، وتركه على عينيه، وقال : سمعاً وطاعة للدخول على الملك، ثم مّد رجليه، واستقبل القبلة ومات قبل الإسفار  ، ورثاه الأبيوري الشاعر المشهور، بأبيات فائية من جملتها :

مضى وأعظم مفقود فُجعتُ به
   
    من لا نظير له في الناس يخلفه 


فرحمة الله على الغزالي فقد قام بجهد كبير في سبيل التنظير لأهل السنة في العهد السلجوقي والذي ساهم بجهاده الفكري والعلمي في تقوية الخلافة العباسية، ومقاومة الخطر الباطني الصاعد آنذاك، وهو الخطر الرئيسي الذي كان يتهدد الخلافة، وقد ظل الغزالي طوال حياته ومن خلال مؤلفاته يدعو إلى محاربة الباطنية بكل الوسائل الممكنة وقد اقترح على الخليفة في ما اقترحه تعيين قائم بالحق في كل قطر وصقع لمقاومة دعاة المبتدعة  . لقد كان الباطنية تشكل خطراً عظيماً عل الإسلام فهم حسب رأيه : عنصر مقلق للعقيدة من داخلها  ، شأنهم شأن الفلاسفة شنّ عليهم الغزالي حملة عنيفة  ، ولقد قام رحمه بجهود – إصلاحية ضخمة في إحياء فقه القدوم على الله وتقوية الجانب الروحي، وتهذيب النفوس، وتنوير العقول، وإصلاح النوايا ومحاربة الأمراض القلبية وإحياء المعاني الإيمانية، وأخلاقيات التضحية والورع، والصبر، والإنابة والاستعانة بالله تعالى، ولقد ساهمت جهوده في توعية الأمة، وتلقف بعض المصلحين الكبار، كعبد القادر الجيلاني شيء من منهجه التربوي وأقام مدرسة شعبية كبيرة ساهمت في توعية عوام المسلمين، ودعم حركة الجهاد التي قادها نور الدين وصلاح الدين فيما بعد، فالمدارس النظامية، والتي من كبار مدرسيها الإمام الغزالي ساهمت في حركة الإصلاح التي تتابعت حلقاتها حتى انتهت بدحر الغزاة الصليبيين واسترجاع الأرض والمقدسات عبر قرنين من الزمن في صراع رهيب، يبين دور علماء أهل السنة في توعية الأمة ورص الصفوف وكشف الانحراف، وتبيين الحقائق وبذل الغالي والرخيص حتى تكون كلمة الله هي العليا.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق