إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 6 يوليو 2014

177 دولة السلاجقةوبروز مشروع إسلامي لمقاومةالتغلغل الباطني والغزو الصليبي الفصل الخامس الحروب الصليبية في العهد السلجوقي المبحث الرابع:أسباب نجاح الحملة الصليبية الأولى: الحادي عشر:تمرس فرسان الإفرنج على الحرب والإمدادات الأوروبية المستمرة لهم :


177

دولة السلاجقةوبروز مشروع إسلامي لمقاومةالتغلغل الباطني والغزو الصليبي

الفصل الخامس

الحروب الصليبية في العهد السلجوقي

المبحث الرابع:أسباب نجاح الحملة الصليبية الأولى:

الحادي عشر:تمرس فرسان الإفرنج على الحرب والإمدادات الأوروبية المستمرة لهم :

ويجب ألا يغرب على البال تمرس فرسان الإفرنج بالحرب في بلادهم، فالعصر عصر إقطاع وفروسية ونشأ الفارس منُذ الصغر على الفروسية ويذكر المؤرخون المعاصرون أنه كانت لفرسان الإفرنج حملة مشهورة كان المسلمون يفسحون لهم الطريق أو يتظاهرون بالانهزام ليتفرق الفرسان وينفصلوا عن المشاة فيتمكن المسلمون من مهاجمتهم من الجوانب والخلف، واعتمد المسلمون في حربهم معهم على القوس والسهام كثيراً، وماذا تفعل السهام بهذه الكتل الحديدية المتحركة، فالفارس والحصان تغطيهما الدروع ومع الزمن اكتسب المسلمون خبرة في حربهم فكان ذلك سبباً من أسباب انتصارهم عليهم ويجب عند ذكر قوة الصليبيين أن لا ننسى الامدادات الأوروبية لهم من سفن وحجاج وفرسان تأتي إليهم كل عام  .

وبعد هذا، فقد لاحظنا من خلال ما مّر ذكره في أحوال الأمّة قبل الهزائم التاريخية الكبرى عند هجوم الصليبيين على العالم الإسلامي أن الفرقة حفرت بين دوله خنادق بعيدة القاع فأمس بعضها يتربص بالبعض الآخر، ويتمنى له الدمار، فالدولة الفاطمية في الشمال الإفريقي ومصر تغير على الدولة العباسية في العراق والشام والحجاز والدولة الأموية في الأندلس تتمنى البوار للفريفين، كي يؤول إليها الميراث الدسم. والفرقاء المشاكسون محصورون في أحقادهم لا يحُّسون الزحف الصليبي القادم من الغرب، ولا الزحف التتاري القادم من الشرق، أيرضى الإسلام عن هذه الضغائن الخسيسة، أو ينتظر من أصحابها أن يخدموا عقائده وشرائعه  ، ولاحظنا بأن الخلفاء العباسيين في غاية الضعف والهوان، فقد هرب الخليفة العباسي " القائم بأمر الله " بعدما سقطت بغداد في أيدي الفاطميين واعتقله أحد البدو، ولكن الملك السلجوقي " طغرك بك " استنقذه وردّه إلى عاصمة ملكه، فكأفاه الخليفة على حسن صنيعه ولقّبه ملك المشرق والمغرب، وأطلق يده في إدارة الدولة واضطر إلى تزوجيه بأبنته رغم أنفه، ومات الملك السلجوقي فورثه ابن ألب أرسلان ومات الخليفة العباسي وورثه عباسي آخر لقب نفسه " بالمقتدي " وكان شاباً في التاسعة عشر من عمره ولم يكن الشاب الشريف النسب قديراً على الإدارة فتولاها عنه سلجوقي آخر يدعى " ملكشاه " وهو ابن ألب أرسلان الذي توفي بعد حياة عامرة بالجهاد وقد استبَّد " ملكشاه " بالسلطة – بعد وفاة نظام الملك الوزير الصالح – وازدرى الخليفة، وبلغ من احتقاره له أن أمره بترك بغداد، وتضّرع الخليفة إليه أن يمهله شهراً فأبى بعد إلحاح إلاَّ أن يمهله عشرة أيام وحسب، وشاء الله أن يموت " ملكشاه " قبل انقضاء الأجل المضروب وتكتمت زوجته نبأ موته، وذهبت إلى الخليفة المهَّدد طالبة أن يوليَّّ ابنه مكانه، وكان الولد لا يبلغ من العمر خمس سنين، ولكنَّ الخليفة المقتدي ولاّه ومنحه لقب ناصر الدين والدنيا : أرأيت هذا الهزل كله؟ إنّها مساخر يحار المرء كيف تقع باسم الإسلام في عاصمة الإسلام !! ومتى يحدث هذا السخف في دفََّة الحكم ؟ يحدث وملوك أوروبا وبابا الفاتيكان ورجال الكنيسة يصرخون بضرورة الثأر من المسلمين والإجهاز على دين محمد صلى الله عليه وسلم، لكن هذه الصيحات لا يبلغ صداها رجال السياسة العليا في بلادنا، إنَّهم ينادون من مكان بعيد، إنَّهم غرقى في شهواتهم الشخصية، ومطامعهم العرقية، لقد فهموا من الإسلام شيئاً واحداً، وأنَّ الوحي الأعلى نزل ليخص أفراد أسرتهم بمكنة ممتازة، فبعد خمسة قرون أو أقل أو أكثر من شروق الإسلام يرى شاب مسكين من ولد العباس أنّه جدير بقيادة العالم الإسلامي أو يرى نظير له من بني أمية أنَّ المسلمين على شاطئ الأطلسي يجب أن يدينوا له بالطاعة ألم يكن أجداده الأمجاد عُمُداً في بطحاء مكّة قديماً ؟! ولو انتقل الإسلام إلى غرب الأطلسي واعتنقه سكان الأمر يكتين فينبغي أن يدخلوا في سلطانه، إن أي عباسي أو فاطمي عديم الكفاية يغنيه هذا الانتساب ليطلب أمراً لا يعرف له رأسا من ذنب، والغريب أن صاحب الرسالة قال لابنته فاطمة يا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم اعملي لنفسك لا أغني عنك من الله شيئاً ثم جاء بعد ذلك من ينتسب إلى فاطمة بالحق أو الباطل ليتذرع بهذا النسب إلى قيادة المسلمين  !!

الحق أن الأجهزة العليا للدولة الإسلامية لحقها عطب مبكرَّ من جراءِ هذه الدعاوي، وأن غلبة التافهين على مناصب الخلافة العباسية أو الفاطمية أصاب الأُمّة الإسلامية بجرح غائر، ما زال ينزف حتى أفقدها الحياة، ومكَّن منها الأعداء، ثّم كان سبباً في أن ناساً من أهل الطموح والقدرة رأوا العجز الفاضح لأبناء هذه الأسُر، فنحَّوهم عن السلطة، واحتازوها لأنفسهم ولما كان التطلع والإدَّعاء شائعين بين الناس، فقد تهارش على الحكم طامعون كثيرون، واصبح الاستيلاء على مقاليد الحكم مطلباً ميسوراً لكل من يملك سيف المعز وذهبه ويديه أن يستخفي في هذا الجو ذوو المروءة والشرف والعفاف والتقى، فماذا يصنعون ؟ وبأيَّ سلاح يقاتلون ؟ لنطِو هذا التعليق السريع، ولنعد أدراجنا إلى بلاد الشام قبيل الحملة الصليبية الأولى، عندما كان أولاد العباس، والدولة الفاطمية العبيدية، وأولاد أمية في الأندلس يتنافسون على مقاليد الحكم في العالم الإسلامي.

وفي مقدمة جيَّدة كتبها الشيخ علي محمد يوسف، المدَّرس بكلية الشريعة بجامعة قطر، عن ابن الجوزي جاءت هذه العبارات في وصف المسلمين قبيل الهجوم الصليبي : بينما هم في غمرة انقسامهم عن أنفسهم إذ برز عدو يرفع شعار الصليب يريد القضاء عليهم واقتلاع الإسلام من جذوره.

وقد قدمت أُولى الحملات الصليبية سنة 492ه وقال عنها ابن الجوزي : وردت الأخبار بأنَّ الإفرنج ملكوا أنطاكية ثّم جاؤوا معَّرة النعمان فحاصروها، وقتلوا ونهبوا وقيل : إنهم قتلوا ببيت المقدس سبعين ألف نفس وكانوا قد خرجوا في ألف ألف  . ونقف عند عبارة ابن الجوزي، قيل : إنهم قتلوا سبعين ألفاً !! الأمر عنده، وعند سكّان بغداد، وفي مركز الخلافة الإسلامية لا يعد وأن يكون إشاعة، إنَّ دار الخلافة آخر من يعلم، وأنّى لها العلم ورجال الدولة في شغل بصيد المتع ونشدان الملّذات والتقاتل على السلطة كان الحكم مغنماً يستحق المخاطرة أبلغ أُولئك الخلفاء والسلاطين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أثر صرف الخلافة عن ابنه ضناً عليه بمتاعها ومغارمها قائلاً : بحسب آل الخطاب أن يحاسب واحد منهم عن المسلمين، كانت الخلافة أيام الرجل الكبير عبئاً ومغرماً، ثم جاءت أيام الملك العضوض فأصبحت بقرة حلوباً فلما هجم الصليبيون على فلسطين كان التقطع في كيان الأمَّة الكبيرة قد بلغ مداه، ولولا أن مذبحة بيت المقدس طمَّت وعمّت واستحال حصر أنبائها لبقي النائمون نياماً ولم تلبث دولة الخلافة غير قليل حتى دفعت ثمن بلادتها حتى اجتاحها التتار، وجعلوها خبراً كان، ولم تغن عنها الألقاب الخادعة من مسترشد بالله، ومقتف لأمر الله، ومستنجد بالله، وناصر لدين الله. .. إلخ إن الظن لا يغني من الحق شيئاً فكيف بالكذب الصراح ؟ والمسلمون إذا لم يصدقوا الله فلا يلومون إلا أنفسهم  :

-أثر الاستبداد على الدين والحياة : قد يقال : أين جهاد العلماء في مقاومة هذه الفوضى ؟ والجواب يقتضينا شيئاً من التفصيل، فإنَّ أصحاب العقول الكبيرة والهمم البعيدة حاربهم الاستبداد السياسي وفضَّ مجامعهم، فضاقت الدائرة التي يعملون فيها، وتضاءل الأثر الذي يُرتقب منهم والمرء لا يسعه إلاَّ الحزن لمصائر قادة الفكر الديني الذين قتلوا أو أهينوا وحيل بينهم وبين نفع الجماهير، مع غياب هؤلاء انفسح المجال لعارضي الأحاديث الذين يخبطون في السنة الشريفة خبط عشواء ولفقهاء الفروع الذين خدعوا العوام بسلعهم وأوهموهم أنهم يشرحون لباب الدين وشعب الإيمان الكبرى، وهم في الحقيقة يذكرون تفاصيل ثانوية يكثر فيها الأخذ والرد  ولا تمس جوهر العقيدة أو الشريعة. إن الأحاديث الشريفة – بعد تمحيص سندها – تحتاج إلى الفقيه الذي يضعها موضعها في الإطار العام للإسلام الحنيف  .

-معارك في فقه الفروع : أما فقهاء الفروع فقد زادو الطين بلَّة وزحموا أوقات الناس بصور من الأحكام تكتنفها التهاويل المزعجة، مع أنها لا تستحق هذا الجهد ولا هذا الوقت ثم أعلنوا حرباً غير شريفة على من يخالفهم في تلك الأحكام الجزئية روى ابن الجوزي عن الشيخ ابن عقيل، قال : رأيت الناس لا يعصمهم من الظلم إلا العجز !! لا أقول : العوام، بل العلماء. كانت أيدي بعض الحنابلة مبسوطة في أيام ابن يوسف – الحاكم السابق – فكانوا يتسلطون بالبغي على أصحاب الشافعي في الفروع – التي يخالفونهم فيها – حتى لا يمكنَّوهم من الجهر بالقنوت، وهي مسألة اجتهادية – يعنى لا حرج في الاختلاف فيها – فلما جاءت أيام النظام ومات ابن يوسف، وزالت شوكة الحنابلة استطال عليهم أصحاب الشافعي استطالة السلاطين الظَّلمة فاستعدوا علهيم وآذوا عامتهم بالسعايات، والفقهاء بالنبذ والاتهام بالتجسيم.
قال ابن عقيل : فتدبرت أمر الفريقين فإذا هم لم تعمل فيهم آداب العلم، وهل هذه إلا أفعال العسكر ؟ يصولون في دولتهم ويلزمون المساجد في بطالتهم  .

وذكر ابن الجوزي عن أبي نصر القشيري – الواعظ بالنظامية – أنه كان يذم الحنابلة وينسبهم إلى التجسيم، فرموه بالحجارة حتى وصلت إلى حاجب الباب، وتقاتل القوم مرة بسببه حتى وقع بينهم قتلى وجرحى وحرق ونهب إلى أن أرسل الخليفة من أخمد الفتنة يحدث هذا التمزق في الأمة الإسلامية والعالم الصليبي يحترق شوقاً إلى ضرب الإسلام في عقر داره ومحو أعيانه وأثاره وعلام الخلف والتظالم ؟ على قضايا تركها كفعلها، أو فعلها كتركها لا يخدش إيمانا ولا يجرح المروءة وهل في قنوت الفجر إن فعلناه أو تركناه ما يضير ؟

إن الُعرْي عن الأخلاق، وإبطان الكره للآخرين، والعجب بالنفس هو الجريمة التي أرتكبها نفر من فقهاء الفروع، غرّتهم بضاعتهم فقّدموها للناس مقرونة بالغلو، ولم يبالوا بما تتركه من فرقة، وفساد المتدينين من أهل الكتاب صدر عن هذا المنبع زوّقوا الشعارات وخرّبوا القلوب فقال الله فيهم : " وما اختلف فيه إلا الذين أُوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم " ( البقرة ، آية : 213). وكانت عقبى الشقاق وعوج الصفوف واضطراب الحكم وحب الرياسة أن اقتحم الصليبيون والتتار حدود الأمَّة المختلفة وفعلوا بها الأفاعيل  ، ما أشبه الليلة بالبارحة لأني   أرى العلل القديمة تتجمع، ونذر العاصفة المدمَّرة يبدو في الأفق البعيد، بل إنَّ الأعداء شرعوا في الهجوم، والأرض الإسلامية تُنتقص من أطرافها، والخطط توضع لضرب القلب بعد قص الأجنحة !! نجح الصليبيون في تنصير أربعة أخماس الفلبين ثم اتجهَّوا إلى جزر أندونيسيا يحملون الخطة ذاتها، وقد محو المعالم الإسلامية من " سنغافورة " وهم الآن يبعثرون طلائعهم في شرق وجنوب آسيا، والكاثوليكية تسعي وترى ضرورة إزالة الإسلام من إفريقية وبابا الفاتيكان يتنقل بين أقطار شتى ليطمئن إلى نجاح الخطَّة المرسومة ويزيدها ضراوة !! كيف لا يقشعر جلد المؤمن وهو يطالع هذه الأنباء ؟ كيف يطيب له منام أو طعام   ؟ وموازيا للغزو الصليبي التنصيري الجديد، التغلغل الباطني في إفريقيا وآسيا والجاليات المسلمة في أوروبا وكندا وأمريكا وتواصلهم مع الأقليات في البلدان الإسلامية، فالمشاريع الغربية الصليبية والباطنية المفسدة تنخر في هذه الأمة العظيمة، والمسلمون في العالم أجمع ينتظرون من علمائهم ومفكريهم بلورة مشروع إسلامي عقائدي سياسي على أصول الإسلام الصحيح للوقوف أمام هذين الخطرين العظيمين.

وها هي الأمَّة الإسلامية أحسسَّت الخطر المحدق وهبّت لتحيا، وعلائم الصحو تنتشر بسرعة مع اقتراب الفزع واكفهرار الجو وإني لمؤمَّل الخير من وراء هذا الصحو الشامل، بيد أني أحُذر من الأمراض القديمة، من فساد السياسة بالفرقة، وفساد الثقافة بالجهل والهوى ومن الناحية العلمية يجب أن نتعاون في المتفق عليه، ونتسامح في المختلف فيه، ونتساند صفاً واحداً في مواجهة الهجمة الجديدة على ديننا وأرضنا حتى نردها على أعقابها وعلى أهل المسؤولية الإسراع في جمع القوى، وسد الثغرات وحشد كل شيء لاستنقاذ الإسراع في جمع القوى، وسد الثغرات وحشد كل شيء لاستنقاذ وجودنا المهَّدد، إنّ أي امرئ يشغل المسلمين بغير ذلك إمَّا منافق يمالئ العدو ويعينه على هزيمتنا، وإمَّا أحمق يمثل دور الصديق الجاهل، ويخذل أمُتَّه من حيث لا يدري وكلا الشخصين ينبغي الحذر منه وتنبيه الأمَّة إلى شَّره  .

ولا بد من الالتزام بعوامل النهوض والأخذ بأسباب النصر والتي منها، صفاء العقيدة، ووضوح المنهج، وتحكيم شرع الله في الدولة ووجود القيادة الريانية التي تنظر بنور الله، وقدرتها في التعامل مع سنن الله في تربية الأمم، وبناء الدول وسقوطها، ومعرفة علل المجتمعات، وأطوار الأمم، وأسرار التاريخ، ومخططات الأعداء من الصليبيين والملاحدة والفرق الباطنية، والمبتدعة وإعطاء كل عامل حقه الطبيعي في التعامل معه، فقضايا فقه النهوض والمشاريع النهضوية البعيدة المدى متداخلة متشابكة لا يستطيع استعابها إلا من فهم كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وارتبط بالفقه الراشدي المحفوظ عن سلفنا العظيم فعلم معالمه وخصائصه وأسباب وجوده وعوامل زواله، واستفاد من التاريخ الإسلامي وتجارب النهوض، فأيقن بأن هذه الأمة ما فقدت الصدارة قط وهي وفيه لربها  ونبيها صلى الله عليه وسلم وعلم بأن الهزائم العسكرية عرض يزول، أما الهزائم الثقافية فجرح مميت والثقافة الصحيحة تبني الإنسان المسلم، والأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم، والدولة المسلمة، على قواعدها المتينة من كتاب الله وسنة رسوله، وهدى الخلفاء الراشدين ومن سار على نهجهم، وعبقرية البناء الحضاري الصحيح هي التي أبقت صرح الإسلام إلى يومنا هذا بعد توفيق الله وحفظه.

-دروس بالغة وعبر مفيدة : لماذا الحديث عن مآسينا في التاريخ وعن هذه الذكريات الفظيعة الآن ؟ لأنّ التاريخ يعيد نفسه، والهجوم على الأرض الإسلامية يتجدَّد في هذا العصر، فالمطلوب منّا طال الزمان أو قصر أن نرتد عن ديننا وأن نتنازل عن بلادنا وأحوال المسلمين صورة قريبة الملامح من صورتهم قبل الهجوم الصليبي الأوّل، والفجوات الواقعة بين شتَّى الحكومات هي، وكذلك البعد عن تعاليم الدين، وإتخاذ القرآن مهجوراً ونسيان محمد وسيرته وسنته والسؤال الذي يبحث عن إجابة ماذا كان موقف الفقهاء من الحكام الذين جلبوا هذه الهزائم وأحلُّوا قومهم ؟ لا أعنى محاكمة ناس ماتوا، وانتقلوا إلى دار أخرى يلقون فيها جزاءهم، إنما أعني : كيف بلي المسلمون بأولئك الرؤساء ؟ كيف وصلوا إلى مناصبهم ؟ هل ناقش الفقهاء الطرق التي وصلوا بها إلى الحكم ؟ هل كانت هناك أجهزة تشير عليهم وتضبط أعمالهم ؟ وإذا فقدت الدولة هذه الأجهزة فهل اقترح وجودها وضمن بقاؤها ؟ هناك حكَّام ارتدوا بتعاونهم مع الصليبيين، فهل أعلن ارتدادهم ؟ وكيف تمر خيانة عظمى بهذه السهولة ؟ وهناك حكَّام، أضعفوا الجبهة الداخلية بمظالمهم ومآثمهم فكيف تركوا يمهدون لسقوط البلاد بين أيدي أعدائها ؟ إن المسلمين الذين جاء في وصفهم أنّهم جسد واحد، صعقهم شلل رهيب، فكان كل عضو يقطع ويمزق وبقية الجسد لا يدري أولا يحس، كيف حدث هذا ؟ ومن المسؤول ؟ ترى ماذا يشغل فقهاؤنا ومفكرينا إذا كانت حياة الدين كله في مهب العواصف ؟ ما هي القضايا الأهم التي تشد انتباههم ويبدؤون فيها ويعيدون ؟ وإذا كان المسلمون حملة دعوة عالميَّة، فهل درسوا العالم حولهم وعرفوا ما يسوده من ملل ونحل ؟ وهل عرفوا العدو والصَّديق ؟ وإذا قيل لهم – في كتابهم عن المتربصين بهم : " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردونكم عن دينكم إن استطاعوا " (البقرة : 217).

فهل فتحوا عيونهم على مكامن الخطر واتَّخذوا أسباب الحيطة ؟ كيف بوغتوا بالهجوم الصليبي ؟ وبعدما بوغتوا به، كيف تقاعسوا عن ردَّه ؟ ماهي الملذات وأنواع الترف التي فتنتهم عن دينهم ؟ وهل جفَّت منابعها أم بقيت تجعل الحكم مغنما لا مغرماً ؟ وتجعل المناصب العليا مصيدة للحرام لا خدمة للصالح العام، إن فساد نفر من الحكام جرّ على ديننا وأمتنا بلايا عظيمة، إن الخونة الذين مهدوا لسقوط أنطاكية والقدس وغيرهما نسلوا في عصرنا هذا من يمهد لضياع عواصم الإسلام كلها  والسكوت لا يجوز في القارات الخمس تعطي الشعوب الحق في أن تستبقي الحاكم الذي تحب، وتستبعد الحاكم الذي نكره، فما الذي يجعل الأمَّة الإسلامية تشد عن هذه القاعدة في أغلب أقطارها وأرتقت أجهزة الشورى ارتقاءً عظيماً، وتطورت محاسبة الحكام تطوراً جذريا، فكيف تبغى لحاكم في بلادنا عصمة ؟ وكيف يبقى فوق المساءلة ؟ وظفر الفرد في أرجاء الدنيا بضمانات لصون دمه وماله وعرضه، ومثوله أمام قضاء عادل حصين إذا بدر منه خطأ، فلماذا يحرم الفرد عندنا مما توفر لغيره من خلق الله ؟ وعجبت   لمتحَّدثين في الإسلام يسكتون عن هذه القضايا ويستمرئون الثرثرة في قضايا أخرى لا تمس الحاضر ولا المستقبل وإنما تشغل الفراغ وتقتل الوقت وحسب وكل شيء بأذهانهم إلا قضايا الحرية الفكرية والسياسية وحقوق الأفراد والشعوب مع أن هناك من الحاكمين من يرفض علانية الولاء للإسلام، ومن يطوَّح بنصف أصوله العلمية في التراب، ومن يأبى باستهانة تنفيذ شرائعه، ومن يفخر بتحلله من روابط العقيدة، ومن لا يرى بأساً بتحليل الحرام وتحريم الحلال، ومن لا يبالي بقتل الألوف المؤلفة من الناس توطيداً لسلطاته !! كيف يصح الرضا عن هؤلاء ؟ ونريد – والإسلام يتعّرض لمحنة كبرى – أن نحدد المواقف .. إن أعداءنا لم يكتموا من نيَّاتهم شيئاً لأنهمَّ لم يروا أمامهم ما يبعث الكتمان أو الحذر. اليهود يقولون : لا قيمة لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل. والمعنى واضح يقولون : خلقت إسرائيل لتبقى .. بل يهددون بنسف هيئة الأمم، إذا أتّخذت قراراً فصل إسرائيل !! هل بقي غموض حول أوضاعنا بعد تصريحات الفريقين ؟

إن المعركة في حقيقتها – ليست حشد بضعة ملايين من اليهود في فلسطين لسبب أو لآخر .. إن المعركة حول الوجود الإسلامي كله وتساؤل القوم هو : لماذا يبقى الإسلام أكثر مما بقي ؟ واليهود والنصارى معاً يؤمنون بالعهد القديم، ويرون أن إسرائيل حقيقة دينية لا تقاوم، ولا يجوز تركها، فإذا تحَّدد موقف أعداء الإسلام على ما رسموا هم فما هو موقفنا ؟ أنستسلم للفناء، وندع ديننا ورسالتنا للجزارين الجدد أم ماذا   ؟

-معالم المنهج للصحوة الإسلامية : إن العالم الإسلامي لا يبيع دينه، ويؤثر أن يهلك دونه، ولا يغض من موقفه نفر شذاذ من الخونة والجبناء، فقدوا الدين والشرف، ونشدوا العيش على أي حاجة، وبأي ثمن !! ولكن نحسن الوقوف أمام عدو الله وعدوَّنا يجب أن تتوفر لجبهتنا الآتية :

يعود الولاء للإسلام : ويستعلن الانتماء إليه، وفي حرب تعلن علينا باسم الدين لا مجال لإطفائها بالتنكر لديننا   ولا بد أن يكون المنهج الذي كان عليه رسول الله وأصحابه وخلفاؤه الراشدون واضحاً لا لبس فيه حتى نخرج من أوحال البدع ومستنقعات الخرافة والأوهام التي تبث في الأمة باسم الإسلام الحبيب العزيز.

إننا نرى الآن في صراع المسلمين مع خصوم الإسلام في بعض دياره يغيب الإسلام، ويضخم البعد الوطني القطري على حسب الدين والعقيدة، وربما يتبين هذا الطرح بعض المحسوبين على طلاب العالم أو علمائه، وهذا هو الانتحار، وطريق الدمار بل هو قّرة عين الأعداء سواء من الداخل أو الخارج.

-الولاء الشكلي للإسلام مخادعة محقورة ويجب أن تعود الروح لعقائدنا وشعائرنا وشرائعنا، والمسلم الذي يستحي من طرح عقيدته ومنهجة وتاريخه بينما يستعلن الباطنيون الجدد ببدعهم وخرافاتهم ولا يستحي اليهودي من عقيدته وشعائره في أرقى العواصم، فهذه هزيمة تحتاج لعلاج عظيم وإلا إذا استمر هذا الحال ببعض المسلمين فيكون نصر الله بعيداً عنهم حتى يأتي من يستعلي بعقيدته ودينه وأخلاق الإسلام وفرائضه وسننه، .. إلخ فسيتحقق نصر الله.

-يُقصى من ميدان التدين العلماء الذين يحرقون البخور بين أيدي الساسة المنحرفين، ويزينون لهم مجونهم ونكوصهم، والعلماء الذين يشغلون الناس بقضايا نظرية عَفى عليها الزمن، أو خلافات فرعية لا يجوز أن تصدع الشمل أو تمزق الأهل، والعلماء الذين يظلمون الإسلام بسوء الفهم، ويرونه في سياسة الحكم والمال ظهيراً للاستبداد والاستغلال وإضاعة الشعوب إن المسلمين في المشارق والمغارب مهيؤون ليقظة عامة تحمي كيانهم وتستبقي إسلامهم، وهم كارهون أشَّد الكره لأن تكون الأحوال المعاصرة صورة طبق الأصل لما كان عليه المسلمون قبل الهجوم الصليبي في العصور الوسطى  .

إن سنن الله تعالى تقتص من المستضعفين المفَّرطين، كما تقتص من المجرمين المعتدين، إن من عوامل الهدم وإبر التنويم تعمل في هذه الأمة المثخنة من الداخل والخارج حتى يتم الإجهاز الكامل عليها، وقد استطاع الاستعمار الثقافي والفكر الباطني خلق جيل مهزوز الإيمان والفقه، ضعيف الثقة بربه، ومنهجه ودينه وأمته ونفسه، فهو يعطي الدنية في دينه غير مبالي بعواقب الأمور، إننا بحاجة إلى يقظة عامة تتناول أوضاعنا كلها حتى نحسن الدفاع عن وجودنا ورسالتنا في عالم لا تسمع فيه إلا أصوات الجبارين من أصحاب المشاريع الشيطانية أو ومن ثم نتمكن من الهجوم على أعدائنا في الداخل والخارج في عقائدهم، وأفكارهم وثقافتهم وهو يتهم.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق