147
دولة السلاجقةوبروز مشروع إسلامي لمقاومةالتغلغل الباطني والغزو الصليبي
الفصل الخامس
الحروب الصليبية في العهد السلجوقي
المبحث الأول:الجذور التاريخية للحروب الصليبية واستمرارها إلى يومنا هذا:
ثالثاً : الحركة الصليبية :
إن الحركة الصليبية هي رد الفعل المسيحي تجاه الإسلام، تمتد جذورها إلى بداية ظهوره، وخروج المسلمين من جزيرتهم العربية واصطدامهم بالدولة البيزنطية وأن هذه الحركة تطورت كالكائن الحي على مدى القرون ما تكّاد تخرج من طور إلا لتدخل في طور جديد، وما كانت الفترة الزمنية الممتدة بين سنتي (488ه - 690ه/ 1095 – 1291م) إلا أحد أطوارها فقط وأن بروز هذا الطور بهذا الشكل الذي كاد أن يطغى على باقي أطوارها يعود إلى عوامل عديدة معقدة ومتشابكة يستطيع الباحث أن يتلمسها في الدوافع والأسباب التي أدت إلى إطلاق الموجة الصليبية العاتية من عقالها في هذه الفترة ، وسيأتي بيان هذه العوامل والأسباب بإذن الله تعالى.
وقد تصالح المؤرخين على إطلاق الحروب الصليبية على الحركة الاستعمارية الصليبية التي ولدت في غرب أوروبا وأتخذت شكل هجوم مسلح على بلاد المسلمين في الشام والعراق والأناضول، ومصر وتونس لاستئصال شأفة الإسلام والمسلمين والقضاء عليهم واسترجاع بيت المقدس وقبر المسيح، وجذور هذه الحركة نابع من الأوضاع الدينية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية والسياسية التي سرت في غرب أوروبا في القرن الحادي عشر واتخذت من الدين وقوداً لتحقيق أهدافها لقد كانت تكاليف حقبة الحروب الصليبية باهظة بمعنى الكلمة، واستنزفت من الطرفين الكثير من الإمكانات والقدرات ولعبت دوراً خطيراً في عرقلة مسيرة الحضارة الإسلامية ومع ذلك فإن التحديات التي صنعتها الهجمات الصليبية والقيم التي صاغها المسلمون وهم يتصدون للغزاة تمثل لا ريب رصيداً كبيراً يضاف إلى ما يتضمنه تاريخنا الطويل من تجارب وخبرات ، لقد كانت الحروب الصليبية حلقة من سلسلة طويلة في صراع الإسلام والباطل سبقتها حلقات على الطريق الطويل، وأعقبتها حلقات ... فالغزو الصليبي ليس أمراً جديداً، ولا ظاهرة غريبة أو استثنائية وإنما هو القاعدة وغيره الاستثناء ، ولذلك نقول : أن التحديد الزمني للحركة الصليبية بين سنتي 488ه - 690ه هو تحديد خاطئ كما يقول الأستاذ الدكتور سعيد عاشور : لا يقوم على أساس سليم ولا يعتمد على دراسة الحركة الصليبية دراسة شاملة، وإنما يكتفي بعلاج مبتور يشمل جزءاً من تلك الحركة ولا يعبر عن جذورها وأصولها من ناحية، ولا عن ذيولها وبقاياها من ناحية أخرى .
لقد كانت المقاومة الإسلامية لهذا الغزو تعبيراً فذا عن استمرار تيار العقيدة في نفوس المسلمين، على مستوى القمة حيناً وعلى مستوى القواعد معظم الأحيان، لقد صنعت الحقبة مجاهدين على درجة كبيرة من الفاعلية والقدرة وقد انتشر هؤلاء المجاهدون في كل الجبهات وقاموا بمقاومة الغزاة في كل الفترات، وعلى مدى قرنين من الزمن لم يضعفوا ولم يستكينوا أو يضعوا السلاح كانوا على استعداد في كل لحظة لركوب خيولهم والانطلاق سراعاً إلى الأهداف، والجهاد لا تصنعه النظريات والأماني، والمجاهد لا يتحرك في الفراغ، ولكنها التحديات التاريخية الكبيرة هي التي تصنع الجهاد وتبعث المجاهدين وتنفخ في المقاتل المسلم روح البطولة والتضحية والاستشهاد لقد كانت الحروب الصليبية تحدياً كبيراً، لكن المسلمين عرفوا كيف يستجيبون له ويكونون " مجاهدين " كما أراد لهم الله ورسوله أن يكونوا وليس الجهاد عملاً سريعاً وانتظاراً لقطاف سريع، إنه صبر طويل وممارسة دائمة وتضحية بالغالي والرخيص، وزهد في المغنانم القريبة والمنافع العاجلة، وقدرة على تعليق الرغبة المتعجلة بحلول النتائج وربطها بقدر الله ومشيئته .
إن أجيالاً من المجاهدين قد تنطوي قبل أن تنكشف النتائج، وقبل أن يطالب أحد منهم بقبض الثمن أو رؤية النتيجة الحاسمة، فمصائر الصراع تبقى دائماً بيد الله، قد يكشفها على المدى القريب وقد يطول السرى ويلتوي الطريق. لقد استغرقت الحروب الصليبية مائتين من السنين، لكن هذا المدى الطويل للعدوان لم يدفع رجال المقاومة المجاهدين إلى اليأس والتشاؤم وإلقاء السلاح، ظلوا يقارعونه بالنفس القوي ذاته، وتسلم الأجيال منهم الراية للأجيال حتى أذن الله بزوال العدوان وجلاء آخر غاز صليبي عن أرض الإسلام. هل كان أحد يتصور – في بدايات الحقبة المريرة – أنها ستدوم قرنين ؟ ومن كان يتصور – أيضاً – أن إمارات ثلاثاً ومملكة كبيرة ستطوي الواحدة تلو الأخرى من صفحة الوجود والحق أن طول أمد العدوان وامتداده على مسافة قرنين من الزمن، لم يكن بسبب من نقص القدرات البشرية والاقتصادية لعالم الإسلام أو ضعف في التزام الجماهير العقائدي وروحه الجهادية، وإنما في غياب القيادة الموحدة المؤمنة الملتزمة الواعية عبر مساحات من الصراع الطويل، ويوم كانت تبرز قيادات كهذه كانت تتحقق الإنجازات الكبيرة، وكانت النتائج الحاسمة تختزل حيثيات الزمن والمكان وتحقق من المعطيات ما شهد به الغربيون أنفسهم . إن زمن قيادة رجل كمودود ونور الدين محمود والناصر صلاح الدين لهو الزمن الذي تلقي فيه الصليبيون أقسى الضربات وتمكن المجاهدون خلاله من تحقيق أكبر الإنجازات، ولكن كم من هؤلاء القادة برزوا عبر الحقبة الطويلة ؟ إن قيادة المقاومة لو أتيح لها أن تتواصل كما تواصلت – مثلاً – بين نور الدين وصلاح الدين، لما طال العدوان، ولاختزلت أيام المحنة والاستنزاف .. يقيناً. ومع غياب القيادة المؤمنة في مراحل شتى من الصراع، كانت القيادات السياسية والعسكرية تتطاحن فيما بينها فتستنزف الكثير من قدراتها من جهة، وتدير، ظهرها للغزاة من جهة أخرى وإلى جانب هذا فعدد غير قليل من الأمراء المحسوبين على عالم الإسلام مارسواً أنماطاً من الخيانة وصنوفاً من الغدر من أجل منافعهم ومصالحهم العاجلة لعبت دورها في عرقة حركة المقاومة ووضع العراقيل والحواجز في طريقها وكثيراً ماكان هؤلاء يوجهون طعناتهم القاضية ؟ في أشد المراحل حساسية وخطورة فجلبوا بذلك على حركة المقاومة الكوارث والويلات، ورغم أن قيادات المجاهدين ما كانت تابه للغدر فإنها كانت تحتاج دوماً لزمن إضافي كي تجّدد القدرة على مواصلة الطريق وفضلاً عن هذا وذاك، فإن الخليفة العباسي الذي كان يعاني الضعف وهبوط الفاعلية كان حاجزاً مكانياً وعقدياً وسياسياً أمام قيام الأمراء المجاهدون بدور " الرجل الأول " الذي يدين له العالم الإسلامي من أقصاها إلى أقصاه والذي يستطيع من خلال مركزه القيادي الشامل أن يوظف جل الطاقات والقدرات الإسلامية من أجل المعركة ضد الغزاة لقد كان الخليفة مجرد ظل سياسي وعسكري، ولكن ترّبعه قمة الهرم، وتردّده في العمل في كثير من الأحيان، أعاق مهمة احتواء التحّدي من قبل رجل قيادي كبير يقف القمة شكلاً ومضموناً.
إن الخليفة إما أن يكون قديراً على الفعل التاريخي، والتحرك الشمولي أو أن لا يكون على الإطلاق. لأنه في حالة ضعفه وتهافته وعدم أخذه زمام المبادرة وحضوره الكامل في قلب الحدث، لن ينسحب بشكل نهائي لكي يتيح المجال لظهور القيادة القمة التي تمارس الحضور التاريخي، وسيبقى ظله يحجب بشكل أو آخر، تحقق هذا الهدف الكبير، صحيح أن رجلاً كنور الدين محمود أو الناصر صلاح الدين أدّيا دورهما كاملاً ومارساً حضوراً تاريخياً فذاً كما سيأتي تفصيل ذلك بإذن الله – ولكن ماذا لو أن نور الدين نفسه أو صلاح الدين نفسه كان خليفة المسلمين ؟
لقد انتهت الحروب الصليبية، وطهرت الأرض الإسلامية من آخر جيب للغزاة بعد قرنين من الزمن واستطاعت حركة المقاومة أن تحقق هدفها وتطرد المعتدين عن آخرهم في نهاية المطاف ومعنى هذا أن " الاستعمار" أية كانت الصيغ التي يعتمدها والأردية التي يتزي بها والأهداف التي يسعى لتحقيقها، لن يكون – مهما طال به الأمد – بأكثر من ظاهرة عرضية موقوته لن تقدر على مّد جذورها في الأرض والتحقق بالاستمرارية والدوام، إنه أشبه بالجسم الغريب الذي يزرع في كيان غير متجانس مع مكوناته وعناصره، إن هذا الكيان سيلقطه إذ ليس ثمة ما يحقق التوافق المطلوب الذي يربط بين الطرفين ويوحّد تجربتهما ويختم على مصيرهما. إن الأجسام الغريبة محكوم عليها بالطرد، ولن تكون الأرض التي تسطو عليها وطناً لها في يوم من الأيام. تلك هي حتمية التاريخ والقرآن الكريم يقولها بوضوح : " وتلك الأيام نداولها بين الناس " (آل عمران : آية : 140) فليس ثمة أمة أو جماعة أو دولة أو قوة في الأرض بقادرة على تجاوز حتمية التاريخ .. إنما لكلمات ثلاث ولكنها تلخص التاريخ البشري كله وتمنحه قيمته وحيويته وقدرته على الحركة في الوقت نفسه وسنمضي بإذن الله تعالى قدماً لدراسة الحروب الصليبية من عهد السلاجقة إلى الزنكيين ثم الأيوبيين ثم المماليك لنرى العبرة ونستلهم الدروس، ونستخرج سنن وقوانين الصراع لكي نوظفها لنصرة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق