145
دولة السلاجقةوبروز مشروع إسلامي لمقاومةالتغلغل الباطني والغزو الصليبي
الفصل الخامس
الحروب الصليبية في العهد السلجوقي
المبحث الأول:الجذور التاريخية للحروب الصليبية واستمرارها إلى يومنا هذا:
أولاً : البيزنطيون :
ترجع بدايات التحرك البيزنطي المضاد للإسلام إلى عصر الرسالة نفسه، فمنُذ العام الخامس للهجرة وعبر معارك دومة الجندل، وذات السلاسل، ومؤته، وتبوك، وانتهاء بحملة أسامة بن زيد رضي الله عن الصحابة أجمعين، كان المعسكر البيزنطي، يتحسّس الخطر الإسلامي الجديد القادم من الجنوب، لاسيما بعد ما تمكنت الدولة الناشئة من فك ارتباط العديد من القبائل العربية شمالي الجزيرة من سادتهم القدماء الروم، وسواء كان البيزنطيون يتحركون ضد القوات الإسلامية بفعلهم ابتداء، أو كردّ فعل لتحرك إسلامي، فإن المحصلة الأخيرة هي أن هذا المعسكر بدأ يدرك، أكثر فأكثر حجم التحدي الجديد، ويعد العدة لوقفه صحيح أن هذه العدة لم تكن – أحياناً – بالحجم المطلوب، ربما بسبب عدم دقة المعلومات التي كانت القيادة البيزنطية تبني عليها مواقفها، إلا أن النتيجة هي أن النار اشتعلت عبر هذا المحور، وازدادت اشتعالاً بعيد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وتدفق القوات الإسلامية في البلاد التي يسيطر عليها البيزنطيون وبعد إخراج البيزنطيين من ممتلكتهم في آسيا وأجزاء من إفريقيا على يدي القيادة الراشدة، التي شهدت المراحل التالية من العصر الراشدي، محاولات النفاق، ردود أفعال عديدة وهجمات مضادة نفذها هذا المعسكر في البّر والبحر، ولكنها آلت في معظمها إلى الخسران، ثم مالبث البيزنطيون أن انحسروا عبر العقود التالية، وبفضل الملاحقة الدؤوبة التي قام بها الأمويون - ابتداء من معاوية رضي الله عنه مؤسس الدولة الأموية وعهد عبد الملك وبنيه خصوصاً الوليد وسليمان – وقد تّم شرح ذلك وتفصيله في كتابي الدولة الأموية عوامل الازدهار – وتداعيات الإنهيار واستمرت الملاحقة النشطة للبيزنطيين بعد الأمويين في الشام ومصر وشمالي إفريقيا وانحسروا بالكلية عن الشمال الإفريقي، ومساحات واسعة من البحر المتوسط، وانزووا هناك في شبه جزيرة الأناضول، فضلاً عن ممتلكاتهم في أوروبا نفسها، وهكذا، وبمرور الوقت، أصبح خطر هجماتهم المضادة محدوداً لأنها تركزت عند خط الثغور في الأناضول والجزيرة الفراتية دون أن تتعداه إلى العمق إلا نادراً بسبب من يقظة القيادات الإسلامية وتحصينها خط الحدود من جهة، وقيامها بهجمات مستمرة ضد الدولة البيزنطية، وتوغلها في العمق باتجاه القسطنطينية نفسها من جهة أخرى، الأمر الذي لم يدع للإمبراطور البيزنطي – في معظم الأحيان – أن يأخذ زمام المبادرة وأن يوسع نطاق هجومه المضاد اللهم إلا عند مطلع القرن الرابع الهجري حيث كانت الدولة العباسية قد ضعفت إلا أنه حل محلها، هناك، ذلك الكيان الإقليمي " الحمداني " الذي تشكل في حلب قريباً من خط الثغور، ووقف بالمرصاد لهذه المحاولة، واستطاع أن يكسر حّدتها وأن يمتصّ الكثير من اندافعها، رغم انها وصلت في إحدى اندفاعاتها إلى حلب نفسها وتوغلت في الجزيرة الفراتية وشمالي الشام، ثم كانت وقعة ملاذكرد التي حقق فيها السلاجقة عام 463ه في قلب الأناضول نجاحاً ساحقاً ضد العمود الفقري للقوات البيزنطية بمثابة نهاية لتحديات الدولة البيزنطية وهجومها المضاد، واستمر على تلك الحال حتى سقوطها بعد عدة قرون على يد العثمانيين . وقد فصلت ذلك في كتابي الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق