45
موسوعة الحروب الصليبية (2)عصر الدولة الزنكية
الفصل الثاني :عهد نور الدين زنكي وسياسته الداخلية :
المبحث الأول :اسمه ونسبه وأسرته وتوليه الحكم:
ثانياً : ترتيب أوضاع البيت الزنكي :
كان من الطبيعي أن تنشأ بين البيتين الزنكيين في كل من الموصل وحلب علاقات وثيقة، بفعل الروابط الأسرية من جهة، واشتراك آل زنكي بعامة بهدف واحد، وهو الجهاد ضد الصليبيين في بلاد الشام، وكانت حلب تشكل، بالنسبة للموصل، خط الدفاع الأول وصَّمام الأمان ضد أي خطر تتعرض له، فنشأت نتيجة لذلك علاقات جيدة بين سيف الدين غازي الأول، صاحب الموصل، وأخيه نور الدين محمود، صاحب حلب، ثم بين الأمراء الذين توالوا على حكم الموصل بعد غازي الأول، إلا أن هذه العلاقات الودية القائمة على التعاون والدفاع المشترك، شهدت في بعض الأوقات فتوراً عاماً، كان لا يلبث أن يتلاش لتعود المحبة والألفة ( )، فبعد استقراره في الموصل والجزيرة وبعض مناطق بلاد الشام كحمص والرحبة والرقة، كان على سيف الدين غازي الأول أن ينَّسق مع أخيه نور الدين محمود في حلب، ويتعاون معه لاستكمال سياسية والدهما القاضية بالتصدي للصليبيين، مُدركاً في الوقت نفسه أهمية هذا التعاون، خشية أن يستغل أعداء الأسرة فرصة انقسام الإمارة الزنكية لمهاجمتها، بالإضافة إلى الظهور، بمظهر القوة أمامهم، لذلك، رأى ضرورة الاجتماع بأخيه بين وقت وآخر لتسوية ما قد ينشأ بينهما من أزمات داخلية بسبب توزيع الإرث الزنكي، ويبدو أن العلاقات بين الأخوين تعرضت لأزمة عابرة عقب وفاة والدهما بدليل أن سيف الدين غازي الأول أرسل إلى أخيه، نور الدين محمود يدعوه للحضور إليه إلا أن صاحب حلب تأخر في تلبية الدعوة معَّللا تصرفه بانهماكه في محاربة الصليبيين ( )، وقد كانت هناك مجموعة من الأسباب ساهمت في الفتور في العلاقة بين الأخوين وهي :
أ- رأى سيف الدين غازي الأول أنه كان يجب على أخيه الوقوف إلى جانبه عندما تعرض الحكم الزنكي في الموصل لخضة سياسية أثارها الملك ألب أرسلان السلجوقي بهدف الاستيلاء على السلطة، وذلك حتى تستقر الأوضاع لهما في البلاد، ثم يستأذنه في العودة إلى بلاد الشام.
ب- عّد سيف الدين غازي الأول تصرف أخيه نور الدين محمود بعد مقتل والدهما أمام قلعة جَعْبَر خروجاً على التقاليد الأسرية عند القبائل التركية التي تقضي بأن تكون السيادة للابن الأكبر ( ) .
ج - رأى سيف الدين غازي الأول في تصرف أخيه انفصالاً واضحاً عن الدولة الزنكية، لأن استئثار نور الدين محمود بأملاك الأسرة في حلب يعني تكوين حكم انفصالي عن دولة الأتابكة في الموصل ( ) دفعت هذه العوامل سيف الدين غازي الأول إلى الإلحاح على أخيه نورالدين محمود للاجتماع به وتسوية الأمور بينهما، وقد تصرف صاحب الموصل بحكمة لإزالة أسباب التوتر، كما أنه لم يعارضه عندما استولى على الرها التي كانت تدخل في منطقة نفوذه بعد محاولة جوسلين الثاني استرداها من أيدي المسلمين في أواخر عام 541ه/ ربيع الثاني 1147م والواقع أنه أرسل قوة عسكرية لمساندة أخيه لإنقاذ الرها المهّددة، لكنها وصلت بعد أن نجح نور الدين محمود في استعادتها ( )، وأخيراً حصل اللقاء بين الأخوين في الخابور. وفي هذا الاجتماع، اعتذر نور الدين محمود لأخيه عن تأخره في الحضور، وأظهر له الطاعة والاحترام من جهته ( ) ، ولشدة حذر نور الدين إشترط أن يكون الاجتماع ومع كل منهما خمسمائة فارس فقبل سيف الدين، وخرج نور الدين ومعه خمسمائة فارس، فرأى أخاه سيف الدين وليس معه إلا خمس فوارس فتأكد من حسن نيته واقتربا وتعانقا وباكيا وقال له سيف الدين من لي غيرك يا نور الدين ولمن أدخر الخير أن أسأت إلى أخي، فبعدها كان نور الدين يخرج إلى معسكر سيف الدين للخدمة وصفت الأمور بينه وبين أخيه ( )، وسكن روعه وعاد إلى حلب ( )، حيث جمع عساكره وتجهَّز، ثم عاد للاستقرار في كنف أخيه ووضع نفسه تحت تصرفه، إلا أن سيف الدين غازي الأول أمره بالعودة إلى بلاده وقال له : لا غرض لي في مقامك عندي وإنما غرضي أن تعلم الملوك والفرنج اتفاقنا، فمن يريد السوء بنا يكف عنا، فلم يرجع نور الدين ولزمه حتى قضيا ما كانا فيه، وعاد كل واحد منهما إلى بلده ( ).
1-وفاة سيف الدين غازي الأول :
استطاع الدين ونور الدين أن يحلو المشاكل التي بينهم وتعاونوا على البر والتقوى وكان من مظاهر التعاون بين الأخوين اشتراك عساكر الموصل جنبا إلى مع عساكر الشام في الجهاد ضد الصليبيين، وذلك في الدفاع عن دمشق ضد الصليبيين الذين حاصرت قواتهم المدينة في المحملة الصليبية الثانية عام 543ه/1148م ونجاحهم في حمل الصليبيين على الرحيل عن دمشق، ومن مظاهر التعاون أيضاً، اشتراك عساكر الموصل مع عساكر نور الدين في فتح حصن العُريمة وطرد الصليبيين منه، كما كان من مظاهر التعاون بين الأخوين اشتراك عساكر الموصل مع قوات حلب في هريمة الصليبيين في إنّب، وفي فتح أفاميه سنة 544ه/1149م ( )، إلا أن العهد لم يطل بسيف الدين غازي حيث توفي بالموصل في جمادي الآخرة من سنة 544ه / 1149م بعد أن حكم الموصل ثلاث سنين وشهراً وعشرين يوماً ودفن بالمدرسة التي بناها بالموصل ( )، وكان رحمه الله جميل الصورة، وكان عمره نحوا من أربع وأربعين سنة وخلّف ذكراً رباه عمه نورالدين محمود وزوَّجه ابنة أخيه قطب الدين مودود بن زنكي، فتوفي ولد سيف الدين شاباً، وانقرض عقبه ( ) ، وكان سيف الدين غازي جواداً كريماً شجاعاً وهو والذي بنى المدرسة الأتابكية بالموصل وقفها على الفريقين الحنفية والشافعية، بنى رباطاً للصوفية وكان مقصداً للشعراء، فقصده شهاب الدين الحيص وامتدحه بقصيدة قال فيها :
أتابكُ إن سميت في المهد غازيا
??فسابقة معدودة في البشائر
وَفَيتَ بها والديَّن قد مال روْقه
??وصدّقتها والكفر بادي الشعائر
وقد أجازه سيف الدين بألف دينار أميري سوى الإقامة والتعهد مدة مقامه، وسوى الخلع والثياب ( ).
وعزَّى أبو الحسين أحمد بن منير نور الدين بأخيه سيف الدين بقصيدة منها :
وكان نظيرك غارَ الزمان
??من أن يرى لك فيه نظيراً
فدتك نفوسٌ بك استوطنت
??من الأمن نوراً وقد كُنَّ بوراً
بقيت مُعزَّاً من الهالكين
??تُوقَّى الرَّدَى وتوفَّى الأجورا
وما نقص الّدهرُ أعدادكم
??إذا شفَّ قطراً وأبقى بحوراً
ولو أنصف المجد موتاكم
??لَخَطَّ لهم في السَّماء القبوراً
حياتك أحيت رميم الحياة
??وأَمْطَتْ من الجود ظهراً ظهيراً ( )
وأما القيسراني فقد قال قصيدة في تعزية نور الدين
ما أطرق الجُّو حتى أشرق الأُفُق
??إن أُغمد السيف فالصَّمصام يأتلق
دون الأسى منك نور الدين في حلب
??مُملَّكُ ينجلي عن وجهه الغَسَقُ
كنت الشقيق الشفيق الغيب حين نوى
??أراق ماء الكَرَى من جفنك الأرَقُ
تلقى الأسى في لباس الصبر في جُنَنٍ ( )
??حصينةً تحتها الأحشاء تحترق
ومدة الأجل المحتوم إن خفيت
??فإن أيامنا من دونها طُرُقُ
وإنما نحن في مضمار حليتها
??خيل إلى غاية الأعمال تستبق
إلى أن قال
ما دام شمُسكَ فينا غير آفلةٍ
??فالدَّين منتظم والملك متُِسَّقٌ( )
2-تولى قطب الدين مودود زنكي إمارة الموصل :
اتفق الوزير جمال الدين الأصفهاني وزين الدين علي كُجك أمير الجيش على أن يخلف قطب الدين أخاه على الموصل، فأحضراه، وحلفا له الأمراء والعساكر في الموصل، وتسلّم جميع ما لأخيه سيف الدين غازي من البلاد التابعة للموصل ( ) وقد تعرضت العلاقات بين الموصل والشام في بداية حكم قطب الدين مودود لأزمة خطيرة كادت تؤدي إلى إندلاع الحرب بين الأخوين لولا أن قطب الدين تدارك الأمر ووضع حَّداً لنزاعه مع أخيه نور الدين، وتعود أسباب هذه الأزمة إلى أن بعض الأمراء في الموصل وأعمالها وعلى رأسهم المقدم عبد الملك والد شمس الدين محمد صاحب سنجار، راسلوا نور الدين ليتسلم البلاد بعد وفاة سيف الدين باعتباره أكبر سناً من أخيه قطب الدين ( ) ، ويضيف ابن الأثير سبباً آخر دفع هؤلاء الأمراء إلى استدعاء نور الدين هو : كراهيتهم وحسدهم للوزير جمال الدين ولأمير الجيش زين الدين على كجك للمكانة التي كانا يتمتعان بها في الموصل ( ). وقد لقيت هذه البادرة قبولاً طيباً عند نور الدين، وطمع في ضم بلاد الجزيرة والموصل تحت ملكه ليتحقق له توحيد الجبهة الإسلامية في ظل قيادة موحدة وباعتباره الوريث الشرعي لملك أخيه سيف الدين فجّد نور الدين في السير وقطع الفرات متجهاً إلى سنجار فاستولى عليها ( )، وكان رد الفعل عنيفاً في الموصل بعد دخول نور الدين سنجار، إذ انزعج قطب الدين وأمراؤه المخلصون وعّدوا ذلك اعتداء مباشراً عليهم على اعتبار أن سنجار تابعة لهم فتجهز قطب الدين وخرج بعساكره نحو سنجار، فنزل بتل يَعُفر ( ) وأرسل جمال الدين الوزير، وزين الدين كجك أمير الجيش إلى نور الدين كتاباً ينكران عليه إقدامه على الأخذ سنجار واعتدائه على أملاك أخيه قطب الدين مودود، وهدداه بقصده إن هو لم يرحل عن البلد، ولكن نور الدين لم يلتفت لتهديدهما ورد عليهما بقوله : إنني أنا الأكبر وإني أحق أن أدبر أمر أخي له منكم وما جئت إلا لمَّا تتابعت إليّ كتب الأمراء يذكرون كراهيتهم لولا يتكما عليهم، فخفت أن يحملهم الغيظ والأنفة على إخراج الأمر من أيدينا وأما تهديدكم إياي بالحرب والقتال، فأنا لا أقاتلكم إلا بجندكم ( )، أدرك الوزير جمال الدين محمد، وزين الدين على ما ينطوي عليه هذا الرد من أخطار، فأشارا على قطب الدين مودود بمصالحة أخيه والتنازل عن بعض المواقع في الشام والتي كانت تتبع الموصل مثل حمص، والرحبة والرَّقة ( )، مقابل انسحاب نور الدين من سنجار والعودة إلى حلب، فوافقهما قطب الدين، وتّم الاتفاق بين الأخوين وانسحب نور الدين من سنجار محملاً بالكنوز التي كانت بخزائن سنجار في أيام أبيه ( )، وقد بلغت العلاقات بين الأخوين درجة من التحسن جعلت نور الدين يقدم في عام 554ه (1159م) على اختيار قطب الدين ليخلفه في حكم بلاده عندما أحسّ بضعفه ومرضه، وقد أنفذ نور الدين إلى أخيه قطب الدين وفداً يخبره بالموقف وباتفاق الأمراء على توليته العهد بعده، وطلب إليه الحضور بعساكره إلى الشام، فلما خرج قطب الدين مودود على رأس جيشه من الموصل، وصلته الأخبار بتحسن صحة أخيه نور الدين وقيامه من مرضه، فأقام قطب الدين حيث هو، وأرسل وزيره جمال الدين محمد لمقابلة نور الدين محمود والوقوف على تطورات الموقف هناك فوصل الوزير دمشق في صفر سنة (554ه/1159م) واجتمع بنور الدين وأبلغه استعداد قطب الدين، ووضع إمكانياته في خدمته فشكره نور الدين على ذلك، وعبّر له عن شكره لمشاعر أخيه قطب الدين مودود ( ) . وعلى العموم كانت صلة نور الدين بإخوانه وثيقة يقول ابن الأثير في حقهم : إن الله سبحانه جمع فيهم من مكارم الأفعال، ومحاسنها، وحسن السيرة وعمارة البلاد، والرفق بالرعيّة إلى غير ذلك من الأسباب التي يحتاج الملك إليها، يقول : أظن أنَّ القائل أرادهم يقوله :
هَيْنون لَيْنون أيساار بنويسرٍ
??سُوّاسُ مكرمةٍ أبناءُ أيسار
لا ينطقون على العوراء إن نطقوا
??ولا يمارون إن ماروا بإكبار ( )
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق