42
موسوعة الحروب الصليبية (2)عصر الدولة الزنكية
الفصل الأول:ظهور عماد الدين زنكي على مسرح الأحداث
المبحث الخامس:جهاده ضد الصليبيين:
الحادي عشر:الأيام الأخيرة من حياة عماد الدين زنكي:
1-تهنئة عماد الدين بالشفاء من مرض عرض له:
في عام 540ه انشد ابن منير بالرقة في عماد الدين زنكي قصيدة، يهنّئه بالعافية من مرض عرض له في يده ورجله قال فيها
يا بدرُ لا أَفْلٌ ولا مُحَاقُ ( )
??ولا يَرِم ( ) مشرقك الإشراق
بالدَّين والدُّنيا الذي تشكو هول
??يهتز فرعٌ لم يُقمه ساق
لن تُورِق القُضْب ويجري ماؤها
??فيها إذا التاثت الأعراق
إن الرّعايا ما سلمت في حمىً
??للخطب عن طُرُوقه إطراق
غرست بالعدل لهم خمائلاً
??ترتع في حديقها الحِداقُ
ياهضبة الدين التي عاذبها
??فعاد لا بغت ولا إرهاق
لو لم تَحُطُه راحلاً وقاقلاً
??أصبح لا شام ولا عِراق
عماد الدين مُذْ أقام زيغَهُ
??حيَّ ومات الشَّركُ والنفاق
يا محي العدْل الذي في ظلَّة
??تسربَلَتْ زينتَها الأفاق
يَفديك من لان مِهادٌ جنبه
??لمَّا نبا بجنبك الإقلاقُ
من بِشَبَا سيفك ( )أنبطت( )له
??العذْب وماء عيشه زُعاقُ ( )
تجرَّع السَّمَّ ولو لم تحمه
??بحَّده لعزه الدَّرياق ( )
ملوك أطراف حمى أطرافها
??عزمك هذا اللاّحق السَّبَّاقُ
لو لم ترق ماءَ كرى العين لما
??ساغت بأفواهم الأرياق ( )
شققتَ من دونهم موج الرّدى
??وشقَّ أكبادَهُمُ الشقاق
أقسم لو كلَّفتهم أن يسمعوا
??حديث أيامك ما أطاقوا
لمّا اشتكيت دبَّ في أهوائهم
??توجّسٌ للَّسمع واستِراق
تطاولوا لاعدمت آمالهُهم
??قصراً ولا جانبها الإخفاق
توهَّمُوها غَسَقاً ثم انجلت
??والصَّفُو من مشربهم غَسَّاق ( )
لئن ألمَّ ألمٌ يقدمٍ
??خَدُّ السُّها ( ) لنعلها طراق
أو كان مدَّ يَدَهُ إلى يدٍ
??تحري بها الآجال والأرزاق
فالنَّصْل يُعْلَى صَدَأً وتحته
??حدٌ حسام وسنا رقراق
رمى الصَّليبَ بصليب الرَّأي عن
??زوراء أوْفى ( ) نزعها الإغراق
ونوم مَنْ خلف الخليج سَهَرٌ
??والعيش في فرنجةٍ سياق ( )
ماتوا فلا همسٌ ولا إشارة
??خوف هموس زأره إزهاق
لا سَلَبَتْ منك اللَّيالي ما كست
??ولا عَرَا ( ) جدَّتَك الإخلاق ( )
2-مقتله :541ه :
تجمع المصادر على أن زنكي اغتيل ليلة الخامس من ربيع الآخر عام 541ه خلال حصاره لقلعة جعبر، عندما انقض عليه – وهو نائم – غلام أو عدة غلمان ممن مماليكه المقربين اللذين كانوا يقومون على حراسته أثناء نومه، وإنهم هربوا – بعد قتله – إلى القلعة ونادوا أصحابها بحقيقة الأمر ففتحوا لهم الأبواب، وأنه ما أن انتشر نبأ الاغتيال في معسكره حتى اضطرب وتشتت وسادته الفوضى، فلم ير قادته بداً من فك الحصار والرحيل ( ) قال ابن الأثير : .. ختم الله بالشهادة في أعماله.
لاقى الحِمام ولم أكن مُستَيقناً
??أنَّ الحِمام سُيْتَلَى بحِمامِ
فأضحى وقد خانه الأمل وأدركه الأجل، وتخّلى عنه العبيد والخول، فأي نجم للإسلام أفل، وأي ناصر للإيمان رحل، وأي بحر ندى نضب، وأي بدر مكارم غرب، وأي أسد افترس ولم يُنْجِه قُلَّة ( ) حصن ولا صهوة فرس فكم أجهد نفسه لتمهيد الملك وسياسته وكم أدّبها ( ) في حفظه وحراسته، فأتاه مبيد الأمم، ومقسيها في الحَدَث والقدم، فأصاره بعد القهر للخلائق مقهوراً، وبعد وثير المضاجع في التراب معفراً مقبوراً، رهين جَدَثٍ لا ينفعه إلا ما قَّدم قد طويت صحيفة عمله فهو موثوق في صورة مستسلم ( ). وقد اختلفت المصادر في تفاصيل عملية القتل وهوية القاتل وسبب القتل، فمن حيث تفاصيل عملية القتل يشير العماد الأصفهاني إلى أن عماد الدين زنكي إذا نام ينام حوله سريره عدة من خدامه، يشفقون عليه في حالتي يقظته ومنامه ويذودون عنه ذود الآساد في ملاحمه ويزورونه زور الخيال في أحلامه وهو يحبّهم أعمق الحب..
ولكنه مع الوفاء منهم يجفوفهم وهم أبناء الفحول القروم، من الترك والأرمن والروم، وكان من دأبه أنه إذا نقم على كبير أرداه وأقصاه واستبقى ولده وخصاه ... فهم على أنهم من ذوي الاختصاص ينتهزون فيه فرصة الاقتصاص فنام تلك الليلة وحوله مماليكه، فانتبه وهم قد شرعوا في اللعب، وأخذوا في الطرب فزجرهم وتوعدهم وهم ساكتون، لكن كبيرهم المدعو " يرنقش " أسّر ذلك في نفسه، وراح ينتظر الفرصة للأخذ بثأره وما أن عاد سيده إلى النوم ثانية حتى أسرع إليه، وبرك عليه، وذبحه، واستطاع – أثر ذلك – أن يتسلل من المعسكر إلى أسوار جعبر، دون أن يشك أحد فيه باعتباره كبير حراس زنكي وهناك أخبر أهل القلعة وحراسها بما أقدم عليه، وأراهم الأدلة والعلامات ( )، فأسرعوا بإشاعة الخبر في داخل القلعة وبين صفوف قواته كي يشيعوا الاضطراب فيها ويجبروها على الإنسحاب وقد نجحوا في ذلك ( )، ويتفق كل من ابن القلاسني وسبط ابن الجوزي مع العماد الأصفهاني في هذه الرواية مع اختصار وحذف بعض التفاصيل ( ) وأما ابن العديم فإنه يذكر أن زنكي تهدد يرنقش خلال النهار، فخاف الأخير منه وأسرع باغتياله ليلاً ( ).
وأما من حيث هوية القاتل فيشير كل من ابن القلانسي ورنسيمان وأليسييف إلى أن القاتل كان من أصل إفرنجي أما حسن حبشي فيقول : ولعل القاتل كان باطنياً ( )، ومن حيث سبب القتل فيبدو أن صاحب قلعة جَعْبَر هو الذي حّرض على قتله كي يتخلص من الحصار، وأنه كان على صلة بالقاتل بدليل ما أورده ابن العديم من أن حساناً البعلبكي، صاحب منبج، تقدم إلى أسوار القلعة ونادى على ابن مالك وقال له : يا أمير علي، أيش بقى يخلصك من أتابك ؟ فقال له : يا عاقل، يخلصني الذي خلصَّك من حبس بلك، يعني حين قُتل بلك على منبج وخلص حسان، يضاف إلى ذلك أن يرنقش التجأ إلى القلعة بعد حادثة الاغتيال ( ) والراجح أن يرنقش نفَّذ عملية الاغتيال مدفوعاً بثلاثة عوامل : شخصية ونفسية وسياسية ( ).
أما العامل الشخصي : فيتمثَّل بتهديد عماد الدين زنكي له وخشيته عاقبة هذا التهديد، فأسرع باغتيال سيده دفاعاً عن نفسه ويتجلى تأثير العامل النفسي في انزعاج يرنقش من معاملة عماد الدين زنكي القاسية له وزجره إياه ثم شعوره العميق بما أصابه من ظلم ( ) ولعب إحساسه بمرارة الأهانة دوره، فاندفع لحماية كرامته وذبح سيده، ويصور الأصفهاني حركات يرنقش أثناء الاغتيال بالشكل الذي يبرز أثر الانفعال النفسي فيها : فأسرع إلى زنكي، وبرك عليه وذبحه في نومه ( ) وأما الدافع السياسي للاغتيال فيقوم على وجهين، أولهما اتفاق يرنقش – سراً – مع أصحاب قلعة جعبر لاغتيال عدوهم وإنهاء أزمتهم، بعد أن كاد حصنهم يوشك على الاستسلام، ويدخل ضمن هذا الاحتمال كون يرنقش ذا ميول باطنية، وربما تسلل إلى خدمة زنكي منُذ زمن بعيد، لتحقيق هدفه هذا، كعادة الباطنية في التستر والانتظار الطويل لتنفيذ اغتيالاتهم لكبار الشخصيات السياسية السنية التي كانت تشكل خطراً على دعوتهم، خاصة إذا ما عرفنا العطف الذي كان يبديه أمراء جعبر تجاه الباطنية. أما ثاني الاحتمالات السياسية فكون يرنقش ذا أصل " إفرنجي ".
كما أكدّ ابن القلانسي وابن واصل ورنسمان، ويحتمل أن يكون قد أقدم على فعلته أما باتفاق سري مع الصليبيين أو بدافع شخصي مرتجل يعود إلى حرصه على مصالح قومه التي بدأ زنكي يوجه إليها ضربات حاسمة ولا نستطيع الجزم بأى من هذه الدوافع الثلاث لاغتيال زنكي، ذلك أن المصادر كما رأينا – لم تعط القول الفصل في هذا المجال، ومن الخطأ الاعتقاد بأن يرنقش ذا الأصل الفرنجي اغتال سيده – وهو في قمة انتصاره على الجبهتين الصليبية والإسلامية – بدافع شخصي أو نفسي محض، ولا ريب أن وراء هذا الاغتيال الخطير، في هذه المرحلة الصعبة، دوافع سياسية أبعد مدى وأشد خطورة، ربما تعود إلى الأصل الفرنجي للقاتل، أو إلى ميوله الباطنية، وربما تعود إلى اتفاقه سراً مع أمراء قلعة جعبر لقاء ما مّنوه به، إذا أتم تخليصهم من عماد الدين زنكي الذي غدا قاب قوسين أو أدنى من اجتياح حصنهم واتجه القاتل، بعد أن اغتال زنكي، إلى أسوار قلعة جعبر بسكينه الملطخ بالدم، وصاح في الحرس شيلوني فقد قتلت زنكي فلم يصدقوه، فأراهم السكين، وعلامة أخرى، كان قد أخذها من سيده وعند ذلك أصعدوه إلى القلعة وتحققوا صدق ما كان يقول ( )، وعندما بشر صاحب جعبر بالنبأ لم يصدقه أول الأمر وآوى يرنقش إلى القلعة وأكرمه، وعرف حقيقه الأمر، فسر بذلك واستبشر بما أتاه من الفرج بعد الشدة الشديدة ( ) ، ويشير ابن العديم إلى رد الفعل الذي أحدثه القاتل في أهل القلعة، فعندما ناداهم : إني قتلت زنكي، أجابوه : أذهب إلى لعنة الله، فقد قتلت المسلمين كلهم بقتله ( )، ولم يقبض القاتل ثمناً لخيانته إلا المطاردة والخوف، ذلك أن حكام جعبر قاموا بطرده بعد وقت قصير من التجائه إليهم، ولم يكافؤوه على عمله ربما خوفاً من قيام نور الدين محمود زنكي، أمير حلب بالانتقام منهم لأبيه، وأخير تم القاء القبض على القاتل، وأرسل مخفوراً إلى الموصل حيث قتل هناك ( ) وعندما انتشر خبر اغتيال زنكي في معسكره انقسم إلى قسمين اتجه أحدهما إلى حلب بقيادة نور الدين محمود واتجه القسم الآخر إلى الموصل بقيادة جمال الدين الأصفهاني حيث قام هو وكبار الأمراء بتنصيب سيف الدين غازي أميراً على الموصل ( ) وحملت جثة زنكي إلى الرقة حيث دفنت في مشهد هناك في منطقة قبور شهداء صفين ( ).
3- ما قيل في مقتل عماد الدين زنكي من شعر :
اضطربت الأمور بعد مقتل عماد الدين واختلت المسالك بعد الهيبة المشهورة، والأمنة المشكورة وانطلقت أيدي التركمان والحراميَّة في الإفساد في الأطراف والنواحي وقال أبو يعلى التميمي في صفة هذا الحال أبياتاً :
كذاك عماد الدين زنكي تنافرت
??سعادته عنه وخرَّت دعائمه
وكم بيت مال من نُضارٍ وجوهر
??وأنواع ديباج حوتها مخاتمه
وأضحت بأعلى كلَّ حصن مصونةً
??يحامي عليها جنده وخوادمه
ومن صافنات الخيل كلُّ مُطهَّم
??يروع الأعادي حَليُه وبراجمه
فلو رامتِ الكُتّاب وصف شياتها
??بأقلامها ما أدرك الوصف ناظمه
وكم معقل قدرامه بسيوفه
??وشامخ حصن لم تفته غنائمه
ودانت ولاة الأرض فيها لأمره
??وقد أمَّنتهم كُتْبُه وخواتمه
وأمّن من في كل قطر بهيبة
??يُراع بها أعرابه وأعاجمه
وظالم قوم حين يُذكر عَدْلُه
??فقد زال عنهم ظُلْمُه وخصائمه
وأصبح سلطان البلاد بسيفه
??وليس له فيها نظير يزاحمه
وزاد على الأملاك بأسا وسطوة
??ولم يبق في الأملاك ملك يقاومه
فلما تناهى ملكه وجلاله
??وراعت وُلاةَ الأرضِ منه لوائمه
أتاه قضاء لا تُردُّ سهامه
??فلم تُنْجِه أمواله ومغانمه
وأدركه للحين فيها حِمامهُ
??وحامت عليه بالمنون حوائمه
وأضحى على ظهر الفراش مُجَّدلا
??صريعاً تولىَّ ذبحه فيه خادمه
وقد كان في الجيش اللُّهام ( )مبيته
??ومن حوله أبطاله وصوارمُه
وسُمْرُ العوالي حَوْلَهُ بأكُفَّهم
??تذود الرّدى عنه وقد نام نائمه
ومن دون هذا عُصبةٌ قد ترتَّبت
??بأسهمها بُُرْدى من الطير حائمه
وكم رام في الأيام راحة سَّره
??وهمّتُه تعلو وتقوى شكائمه
وكم مَسْلكٍ أمّن سُبْلَه
??ومسرح حَيَّ أن تراع سوائمه
وكم ثغرِ إسلام حماه بسيفه
??من الروم لما أدركته مراحمه
فمن ذا الذي يأتي بهيبة مثله
??وتنفذ في أقصى البلاد مراسِمُه
فلو رُقيت في كلَّ مصر بذكره
??أراقمه ذلَّتْ هناك أراقِمُه ( )
فمن ذا الذي ينجو من الدَّهر سالماً
??إذا ما أتاه الأمر والله حاتِمُه
ومن رام صفواً في الحياة فما يرى
??له صَفُوَ عَيْشىٍ والحِمَامُ يحاومه
فإيَّاك لا تغبط مليكاً بملكه
??ودعه فإن الدهر لا شك قاصمه
وقل للذي يبني الحصون لحفظه
??رُويدك ما تبني فدهرك هادمه
وفي مثل هذا عبرة ومواعظ
??بها يتناس المرء ما هو عازمه ( )
وقال الحكيم أبو الحكم المغربي قصيدة في رثاء عماد الدين جاء فيها :
عينٌ لا تدخري الدموع وبَكَّي
??واستلهَّي دماً على فقد زنكي
لم يَهَب شخصه الرَّدى بعد أن
??كانت له هيبة على كل تُركي
خيرُ مَلْكٍ ذي هيبة وبهاء
??وعظيم بين الأنام بُزُزكِ
يَهَبُ المال والجياد لمن
??يمَّمَه مادحاً بغير تَلَكَّي
إنَّ داراً تمدُّنا بالرَّزايا
??هي عندي أحقُّ دار بترك
فاسْكُبوا فوق قبره ماء وَرْدٍ
??وانضحُوهُ بزعفران ومسك
أي فتكٍ جرى له في الأعادي
??بعد ما استفتح الرُّها أي فتكِ
كل خطب أتت به نُوَبُ
??الدهر يسيرُ في جنب مصرع زنكي
بعد ما كاد أن تدين له
??الرُّوم ويحوي البلاد من غير ( ) شكَّ
4- فوائد متنوعة من البداية والنهاية في عهد إمارة عماد الدين زنكي :
1- في سنة 523ه قال ابن كثير :
في هذه السنة قتل صاحب دمشق من الباطنية ستة آلاف، وعلَّق رأس كبيرهم على باب القلعة وأراح الله أهل الشام منهم وفيها حاصرت الفرنج مدينة دمشق فخرج إليهم أهلها فقاتلوهم قتالاً شديداً، وبعث أهل دمشق عبد الوهاب الواعظ ومعه جماعة من التجار إلى بغداد يستغيثون بالخليفة، وهموا بكسر منبر الجامع حتى وعدوا بأنهم سيكتبون إلى السلطان ليبعث جيشاً كثيفاً نصرة لأهل الشام فلم يبعث إليهم جيش حتى نصرهم الله من عنده، فهزمهم المسلمون وقتلوا منهم عشرة آلاف، ولم يفلت منهم سوى أربعين نفساً ولله الحمد والمنة وقتل بَيْمنَدُْ الفرنجي صاحب أنطاكية ( ).
2-وفي أحداث عام 524ه :
فيها كانت زلزلة عظيمة بالعراق تهدمت بسببها دور كثيرة ببغداد، ووقع بأرض الموصل مطر عظيم فسقط بعضه ناراً تأجَّجُ، فاحترقت دُور كثيرة من ذلك وتهارب الناس وفيها وجد ببغداد عقارب طيّارة لها شوكتان، فخاف الناس منها خوفاً شديداً وفيها ملك عماد الدين زنكي بلاداً كثيرة من الجزيرة، ومن بلاد الفرنج، وجرت له معهم حروب طويلة، وخطوب جليلة، ونُصر عليهم في تلك المواقف كَّلها، ولله الحمد والمنة، وقتل خلقاً من جيش الروم حين قدموا إلى الشام ومدحه الشعراء على ذلك ( ).
3- وفي عام 524ه توفي إبراهيم بن عثمان، أبو إسحاق الكَلْبُّي من أهل غزّة، جاوز الثمانين، وله شعر جيد ومن شعره في الأتراك قوله :
في فتنة من جيوش التركِ ما تركت
??للرَّعْدِ كَرَّاتُهُمْ صوتاً ولا صِيتا
قوم إذا قُوبلوا كانوا ملائكة
??حُسناً وإن قُوتِلُوا كانوا عفاريتا ( )
وله أيضاً :
إنمَّا هذه الحياةُ متاعٌ
??والسَّفيهُ الغَوِيُّ من يصطفيها
ما مضى فات والمؤمَّلُ غَيْبٌ
??ولك الساعة التي أنت فيها ( )
4- وفي سنة 525ه توفي أحمد بن محمد، أبو نصر الطوسي سمع الحديث وتفقه بالشيخ أبي إسحاق الشيرازي وكان شيخاً لطيفاً عليه نور قال ابن الجوزي أنشدني
فإن نلت خيراً نِلْتهُ بعزيمة
??وإن قصَّرَت عنك الخطوب فعن عُذرِ ( )
قال : أنشدني أيضاً :
لِبستُ ثوب الرّجا والناس قدَ رقدُوا
??وقمتُ أشكو إلى مولاي ما أجد
وقلتُ يا ياعُدَّثي في كلَّ نائبة
??ومن عليه لكشف الضُّرَّ أعتمدُ
وقد مددت يدي والضُّرُّ مُشتملٌ
??إليك يا خير من مُدَّت إليه يُد
فلا تَرُدَّنَّها يا رَبَّ خائبة
??فبحُر جُودِك يرْوِى كل من يَرد( )
5- وفي سنة 527ه اقتتل الفرنج فيما بينهم قتالاً شديداً فمحق الله منهم خلقاً كثيراً وغزاهم فيها أيضاً عماد الدين زنكي فقتل منهم ألف قتيل وغنم أموالاً جزيلة، ويقال لها : غزاة أسوار ( ) وفي نفس السنة توفي محمد بن أحمد بن يحي، أبو عبدالله العثماني الدّيباجي، وكان ببغداد يُعرف بالمقدسي وتفقه ووعظ الناس ببغداد قال ابن الجوزي سمعته ينشد في مجلسه قوله :
دعْ جفوني يَحِقُّ لي أن أَنُوحَا
??لم تَدَعْ لى الذنُوبُ قلباً صحيحاً
أخْلَقَتْ بهجتي أكف المعاصي
??ونَعاني المشيب نعياً فصيحاً
كلما قُلتُ قد بَرا جُرحُ قلبي
??عاد قلبي من الذنوب جَريحاً
إنما الفوز والنعيمُ لعبد
??جاء في الحشر آمناً مُستَرِيحا ( )
6- وفي سن 533ه توفي علي بن أفلح الكاتب وقد خلع عليه المسترشد الخليفة العباسي ولقَّبه جمال الملك وأعطاه أربعة دور وكانت له دار إلى جانبهن فهدمهن كلَّهنَّ واتخذ مكانهن داراً هائلة طولها ستون ذراعاً في عرض أربعين، وأطلق له الخليفة أخشابا وآجُرَّا وذهباً فبناها، وغرم عليه ابن أفلح مالا جزيلاً، وكتب على أبوابها وطرازاتها أشعار حسنة من نظمه ونظم غيره فكان على الطُّرُزِ مكتوب ( ).
ومن المروءة للفتى
??ما عاش دار فاخرة
فاقنع من الدنيا بها
??وأعمل لدار الآخرة
هاتيك وافية بما
??وعدت وهذي ساحرة ( )
وفي موضع آخر مكتوب :
ونادٍ كأنَّ جنَانَ الخلود
??أعادته من حُسْنِها رَوْنَقَا
وأعطته من حادثات الزمان
??أن لا تُلِمَّ به موْتِِقا
فأضحى يتيه على كلَّ ما
??بُني مغْرِباً كان أو مشرقاً
تظلُّ الوفود به عُكَّفاً
??وتُمسى الضيوف به طُرَّقاً
بقيتَ له يا جمال الملوك
??والفضل مهما أردت البقا
وسالمه فيك ريب الزمان
??ووُقيَّت منه الذي يُتَّقَى
فما صدقت هذه الأماني، بل عمّا قريب – بعد نيلها – اتَّهم الخليفة ابن أفلح بأنه يكاتب دُبَيساً، فأمر بتخريب هذه الدار، فلم يبق فيها جدار، وصارت خرابة بعد ما كان قد حَسُن منها المقام والقرار، وهذه حكمة من يقلَّبُ الليل والنهار وتجري بمشيئته الأقدار ( )
7- وفي سنة 535ه توفي محمد بن عبد الباقي بن محمد بن كعب بن مالك الأنصاري وكان مشاركاً في علوم كثيرة وقد أُسر في صغره في أيدي الروم، فأرادوه على أن يتكلم بكلمة الكفر فلم يفعل، وتعلمَّ منهم خط الروم، وكان يقول : من خدم المحابر خدمته المنابر ومن شعره الذي أورده ابن الجوزي عنه وسمعه عنه قوله :
احفّظْ لسانك لا تَبُحْ بثلاثة
??سنَّ ومال ما استطعت ومذهب
فعلى الثلاثة تُبْتَلَى بثلاثة
??بمُكفًّرِ وبحاسد ومُكذَّب
ومن ذلك قوله :
لي مُدَّة لابُدَّ أُبلغها
??فإذا انقضت وتصّرمت مِتُّ
لو عانَدَتني الأسُدُ ضاربةً
??ما ضَّرني مالم يَجي الوقت ( )
ومن ذلك قوله :
بغدادُ دارُ لأهل العلم طيبةٌ
??وللفاليس دار الضَّنْك والضَّيقِ
ظللت حيران أمشي في أزقتها
??كأنني مصحفٌ في بيت زنديق ( )
قال ابن الجوزي : بلغ من العُمر ثلاثاً وتسعين سنة لم تتَغيَّر حواسه ولا عقله وكانت وفاته ثاني رجب من هذه السنة وحضر جنازته الأعيان والناس ودفن قريباً من قبر بشر ( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق