173
دولة السلاجقةوبروز مشروع إسلامي لمقاومةالتغلغل الباطني والغزو الصليبي
الفصل الخامس
الحروب الصليبية في العهد السلجوقي
المبحث الرابع:أسباب نجاح الحملة الصليبية الأولى:
سابعاًً :دور الباطنية الإسماعيلية الرافضة في عرقلة الجهاد ضد الصليبين :
شهدت بلاد الشام ظهور فرقة الإسماعيلية أو الباطنية التي أدت إلى زيادة تفكك القوى الإسلامية في بلاد الشام والجزيرة ويمكن القول أن توصيد الإسماعيلية الباطنية بحلب واتساع نفوذهم في بلاد الشام قد أدى إلى ظهور عامل جديد من عوامل تفكك وحدة المسلمين عامة والسلاجقة خاصة ذلك التفكك الذي تعرضت له بلاد الشام في عصر الحروب الصليبية الأمر الذي أدى بهذه الفرقة إلى مساعدة الصليبيين في الاستيلاء على بعض معاقل المسلمين، أو تهيئة المناخ المناسب لسقوطها بيد الصليبين، كان حدث في أفاميه سنة 500ه/11074م ، وقد لعبت هذه الفرقة دوراً خبيثاً شريراً في عرقلة الجهاد في مرحلة الصراع مع الغزاة، إذ كانت خناجر غادرة تطعن قادة الأمة، من فقهاء ووزراء، وكان تاريخها صفحات سوداء ملطخة بدماء الأبرياء من أهل السنة .
1- تعاونهم مع الصليبيين :
كان أول ظهور للحشاشين في بلاد الشام عام 498ه عندما أرسل الحسن بن الصباح داعيتهم : الحكيم المنجم، الذي تمكن من إفساد ما بين الأخوين دقاق حاكم دمشق، ورضوان صاحب حلب، ثم تحالف مع رضوان، واستماله إلى نحلتهم، وأقام داراً للدعوة الإسماعيليةفي حلب وبعد هلاك رضوان فتك خلفه ألب أرسلان الأخرس بالباطنية وقتل مقدهم " أبا طاهر الصائغ " وقتل أعيانهم وحبس الباقين، وهرب آخرون منهم قاصدين بلاد الإفرنج وتفرقوا في البلاد ، واشتد نفوذهم في حلب ثانية أيام داعيتهم " بهرام " وعظم أمره، وهو في غاية التستر، وأخذ يدعو أوباش الناس، فتبعه الجهال وسفهاء العوام، وانتقل إلى دمشق، ودعا إلى مذهبهم، وأظهر شخصيته، وأعانه على ذلك وزير طغتكبن " أبو طاهر المزدقاني " فعظم شره ..
وخاف من أهل دمشق فطلب من طغتكين حصناً يأوى إليه هو وأتباعه، فأشار عليه المزدقاني بتسليمه قلعة "بانياس" الواقعة غربي دمشق، فاستلمها وتجمع فيها أصحابه ، ويعتبر ابن الأثير أن تسليمهم هذا الحصن كان كارثة على البلاد، إذ عظم خطب بهرام، وصار يدعو أوباش الناس وطغامهم إلى مذهبهم، فحلت المحنة بظهوره، واشتد الحال على الفقهاء والعلماء وأهل الدين، ولاسيما أهل السنة، إلا أنهم لا يقدرون أن ينطقوا بحرف واحد خوفاً من سلطانهم طغتكين – أولا، ومن شر الإسماعيلية ثانياً .
وأفاق طغتكين على شرورهم، لكنه هلك قبل أن يفعل ضدهم شيئاً، وعندما خلفه ابنه تاج الملك بوري – في حكم دمشق، أفرط الوزير المزدقاني في حماية الباطنية، والعطف عليهم ثم تآمر مع الصليبيين، فعرض عليهم أن يسلمهم مدينة دمشق مقابل إعطائه هو والباطنيين مدينة صور بدلاً منها، وأبُرمت الاتفاقية، وحدد أحد أيام الجمعة لتنفيذها، بينما يكون المسلمون في المساجد، فتفتح أبواب دمشق للفرنجة بسهولة، ولكن المؤامرة كشفت قبل موعد تنفيذها، فقتل – بوري – وزيره الخائن، وأحرق جثته وعلق رأسه على باب القلعة، ونادى بقتل الباطنية، فقتل منهم ستة آلاف نفس، واستمر أهل دمشق يذبحون فيهم، فأفنوهم تقطيعاً بالسيوف وذبحاً بالخناجر في منتصف رمضان من عام 523ه . وعند ذلك استنجد داعيتهم إسماعيل العجمي في بانياس بالصليبيين ليحموه وأصحابه، وعرض عليهم مقابل ذلك تسليم بانياس إليهم، وتسلل الباطنية إلى البلدان المجاورة، بعد أن سلموا المدينة لهم .
2- اغتيال القادة المسلمين :
كان الاغتيال من الأسلحة الرهيبة التي استخدمها الباطنيون لتنفيذ أغراضهم والتخلص من خصومهم وظلت حركة الحشاشين الباطنية إسفيناً في قلب المجتمع الإسلامي، ساهمت في تمزيقه ونشر الرعب في أرجائه، مما ساهم في احتلال بلاده ، فقد كانت حركة الحشاشين مصدراً للانحلال السياسي والاجتماعي طيلة عصر الحروب الصليبية .. وأصبحت عصابة سرية فريدة من نوعها ومدربة على أساليب القتل المنظم ... فذهب ضحية إجرام الباطنيين عدد كبير من قادة الجهاد الإسلامي وخيرة رجاله ولم يسلم من بطشهم المخلصون في المجتمع الإسلامي وكان أول ضحايا الاغتيال والغدر الوزير السلجوقي نظام الملك عام 485ه، كما قتلوا عدداً من الوزراء منهم ابو طالب السميرمي وزير السلطان محمود السلجوقي، ذبحوه ومثلوا به نيفاً وثلاثين جراحة، كما قتلوا وزير السلطان سنجر معين الملك أحمد بن الفضل وقتلوا الوزير فخر الملك ولد نظام الملك، قتلوه وهو صائم يوم عاشوراء جاءه صبي " وهو خارج من داره " يصيح : ذهب المسلمون ولم يبق من يكشف مظلمة ولا يأخذ بيد ملهوف، فاستمع إليه رحمة به، فطعنه الباطني بسكين وقتله واغتالوا عدداً من الولاة والأمراء منهم جناح الدولة حسين صاحب حمص، صهر رضوان صاحب حلب قتلوه عندما نزل من القلعة ليصلي الجمعة في المسجد الكبير، هجم عليه ثلاثة من الحشاشين في لباس الدراويش وقتلوه / 495ه وكان وقتها يتهيأ لقتال الصليبيين، وينتقد رضوان، لتهاونه في قتالهم، فتآمر على اغتيال زوج أمه ، وكان رحمه الله أميراً مجاهداً يباشر الحروب بنفسه ، ومن جرائم الحشاشين قتلهم القائد المجاهد الأمير مودود بن النوكتين في ساحة المسجد الأموي عام 507ه وقد هزم الصليبيين في أكثر من موقعة، وكان رحمه الله صائماً رفض أن يفطر ، كما قتلوا والي الموصل، آقسنقر البرسقي عام 520ه هجموا عليه وهو يصلي الجمعة في جامع الموصل، وثب عليه بضعة عشر نفراً من الفدائيين، وطعنوه بخناجرهم، وقتل رحمه الله بعد أن جرح ثلاثة منهم بيده وكان رجلاً عادلاً عابداً متهجداً قاد الجيوش ضد الصليبيين مراراً ، ولم يتورع الباطنيون عن قتل من تمكنوا من الوصول إليه من خلفاء الدولة العباسية : ومن هؤلاء الخليفة المسترشد، وكان رحمه الله عالماً تقياً فاضلاً بليغاً، عارفاً بالفتوى، هجموا عليه في خيمته واغتالوه ومثلوا به قاتلهم الله وكان ذلك عام 529ه ، كما اغتالوا ولده الخليفة الراشد في أصبهان عام 532ه ودفن فيها رحمه الله، قتله الباطنية وكانوا في خدمته، وعندما كان يريد القيلولة، ودفن في ظاهر أصفهان وأما العلماء والفقهاء : فقد اغتالوا عدداً منهم، نذكر على سبيل المثال، أبو القاسم بن إمام الحرمين قتله الباطنية غدراً عام 492ه، والفقيه أحمد بن الحسين البلخي قتله الباطنية غدراً عام 494ه والفقيه عبد اللطيف بن الخجندي قتله الباطنية غدراً عام 523ه والفقيه أبو المحاسن الروياني قتله الباطنية غدراً عام 502ه والقاضي أبو العلاء مساعد النيسابوري قتله الباطنية بجامع أصبهان 499ه والقاضي عبيد الله بن علي الخطبي قتله الباطنية بالجامع وهو يؤدي صلاة الجمعة عام 502ه والقاضي صاعد بن عبد الرحمن أبو العلاء قتله الباطنية يوم عيد الفطر بنيسابور عام 502ه والقاضي أبو سعد محمد بن نصر الهروي هجم عليه قوم من الباطنية في جامع همذان وقتلوه عام 518ه والواعظ أبو جعفر ابن المشاط كان يدرس للناس في الجامع ولما نزل من على كرسيه وثب عليه باطني وقتله عام 498ه والواعظ أبو المظفر الخجندي وكان يدرس للناس في الجامع ولما نزل من على كرسيه وثب عليه باطني وقتله وقد قام محمد حامد الناصر بعمل جدول أسماء القادة والعلماء الذين اغتيلوا بيد الباطنية وعلق بعد ذلك بقوله : يتبين لنا ضخامة الدور البشع لتلك الحركات في القضاء على فاعلية الأمة وحيويتها في الصراع الدائر بين المسلمين والغزاة الصليبين ويتضح لنا من سلسلة الاغتيالات وتوقيتها، ونوع شخصياتها ملاحظات في غاية الأهمية منها :
-أن الذين قتلوا على يد الباطنيين، كانوا يمثلون مراكز القيادة والتوجيه في ميادين السياسية والفكر والجهاد في سبيل الله .
-وأن تصفية هؤلاء كان خدمة متعمدة لخدمة الصليبيين من جهة ولقيادة المذهب الإلحادي الخبيث من جهة أخرى.
-أن كثير من ضحايا الاغتيال قتل وهو صائم، أو في وقت تأدية صلاة الجمعة أو خلال مجلس للوعظ الديني والإفتاء في بيوت الله.أن أكثرهم كان يشهد لهم بالصلاح والتقوى والصيام والتهجد والمحافظة على الصلوات مع جماعة المسلمين والإثخان في جيوش الصليبيين .
3- إشاعة الرعب والخوف في المجتمع الإسلامي :
لم يقتصر دور الباطنيين على اغتيال القادة، ولا على التعاون مع الصليبيين، وإنما كانوا ينشرون الرعب بين الناس بشتى السبل كانوا يقطعون الطريق ويعتدون على سكان القرى المجاورة لهم فيذبحونهم ويستولون على ما لديهم من مال ومتاع، ولم تسلم القوافل المارة بجوار قلاعهم من القتل والنهب، فأصبح الناس لا يأمنون على أنفسهم، ولا على أولادهم وأموالهم وبلغت جرأتهم أنهم كانوا يخطفون الناس من الشوارع والحارات بأغرب الوسائل وكان الرجل إذا تأخر عن بيته عن الوقت المعتاد، تيقّن أهله من قتله، وقعدوا للعزاء به، وحذر الناس، حتى صاروا لا ينفرد أحدهم في مسيرة وقد أخذ الباطنية مؤذناً، عن طريق جار له باطني، فقام أهله للنياحة عليه، فأصعده الباطنية إلى سطح داره، وأروه أهله كيف يلطمون ويبكون، وهو لا يقدر أن يتكلم خوفاً منهم ، واشتد الخوف والرعب من جرائمهم حتى إذا جاء الليل أخفوا جميع ما لديهم من مال ومتاع في أماكن مجهولة غير معروفة خوفاً من هجماتهم وأخذهم إياها، فإذا أصحوا أخرجوها ثانية ، ولم يسلم الحجاج من بطش الباطنيين ففي عام 498ه تجمعت قوافل الحجاج مما وراء النهر وخراسان والهند، فوصلوا خوار الري، وهي قرية من أعمال بيهق من نواحي نيسابور، فباغتهم الباطنية وقت السحر، ووضعوا فيهم السيوف، وقتلوهم، وغنموا أموالهم ودوابهم، ولم يتركوا شيئاً إلا أخذوه ، وفعلوا مثل ذلك عام 552ه في حجاج خراسان فقتلوهم جميعاً، ولم يبق منهم إلا العدد اليسير، وكان فيهم الأئمة والعلماء والزهاد والصلحاء وفي الصباح طلع على القتلى والجرحى أحد الباطنية، وهو ينادي : يا مسلمون! ذهبت الملاحدة، فمن أراد الماء سقيته، فكان كلما رفع رأسه جريح وتكلم بكلمة أجهز عليه ذلك الباطني وقتله، حتى لم يبق الخبيث منهم أحداً ، ونتيجة لهذا الوضع، أصبح الناس غير آمنين، فكأنهم غرباء على بعضهم، فقطعت الأرحام، وتفككت الروابط، وزادت الفرقة بين الناس وازداد الخوف بين الناس، حتى صار كثير من العلماء والكتاب لا يتحدثون عنهم إلا بالتلميح والتورية كي لا تنالهم أيدي الباطنية، من هؤلاء مؤرخ الدولة السلجوقية، العماد الأصفهاني ، في كتابه : تاريخ آل سلجوق ، فما أشبه الليلة بالبارحة، وها هو التاريخ يعيد نفسه فهل من متعظ ؟
4- فتوى ابن تيمية في الحركات الباطنية :
سئل شيخ الإسلام عن الإسماعيلية وما تفرع عنها من حشاشين وقرامطة ومحمرة أو خّرمية، وما شابههم فأجاب رحمه الله :
إن هؤلاء وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين وضررهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من ضرر الكفار المحاربين، مثل كفار التتار والفرنج وغيرهم، فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشييع، وموالاة أهل البيت، وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه، ولا بأمر ولا نهي، ولا ثواب، ولا عقاب، ولا جنة ولا نار، ولا بأحد من المرسلين، قبل محمد صلى الله عليه وسلم .
ثم بين رحمه الله أخطارهم على المسلمين : فقال : إذا كانت لهم مُكنة سفكوا دماء المسلمين، كما قتلوا مرة الحجاج وألقوهم في بئر زمزم، وأخذوا الحجر الأسود، وبقي عندهم مدة وقتلوا من علماء المسلمين ومشايخهم مالا يحصى عدده إلا الله تعالى . ثم بين رحمه الله تواطؤهم مع الصليبيين فقال : ومن المعلوم عندنا أن السواحل الشامية، إنما استولى عليها النصارى من جهتهم، وهم دائماً مع كل عدو للمسلمين فهم مع النصارى على المسلمين، ومن أعظم المصائب عندهم فتح المسلمين للسواحل، وانقهار النصارى، بل ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار .
وأشار رحمه الله إلى مهادنة العبيديين والفاطميين للصليبيين : وتفريطهم في بيت المقدس فقال : فهؤلاء المحادون لله ورسوله، كثروا حينئذ بالسواحل وغيرها، فاستولى النصارى على الساحل، ثم بسببهم، استولوا على القدس الشريف وغيره .
وبين تعاونهم مع المغول فقال : ثم إن التتار مادخلوا بلاد الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ومؤازرتهم فإن منجَّم هولاكو الذي كان وزيرهم وهو " النصير الطوسي" كان وزيراً للحشاشين في آلموت وهو الذي أمر بقتل الخليفة وبولاية هؤلاء .
وبين رحمه الله حكم التعامل معهم فقال : .. وأمّا استخدام هؤلاء في ثغور المسلمين، أو حصونهم، أو جندهم، فإنه من الكبائر، وهو بمنزلة من يستخدم الذئاب لرعي الغنم، فإنهم من أغش الناس للمسلمين، ولولاة أمورهم ولا يجوز استخدامهم للحراسة والبوابة والحفاظ، ويجب قتل علمائهم وصلحائهم لئلا يضلوا غيرهم، ويحرم النوم معهم في بيوتهم ورفقتهم والمشي معهم، وتشييع جنائزهم .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق