158
دولة السلاجقةوبروز مشروع إسلامي لمقاومةالتغلغل الباطني والغزو الصليبي
الفصل الخامس
الحروب الصليبية في العهد السلجوقي
المبحث الثاني:أهم أسباب ودوافع الصليبيين:
سابعاً:شخصية البابا أوربان الثاني ومشروعه الشامل للغزو الصليبي:
-قدرة البابا أوربان الثاني على تقديم مشروع عام :
استطاع أوربان الثاني أن يوحَّد شعوب الغرب في مشروع عام على الرغم من أن لغات هذه الشعوب وعاداتها المحلية، واهتمامات أبنائها كانت تختلف اختلافاً بيناً.
ولكن الفكرة الصليبية التي جمعت جماهير الغرب الأوروبي لم تكن لتنجح لو لم تكن متوافقة مع حركة المجتمع، هذا التوافق بين الفكر والواقع، بين التبرير الأخلاقي للحرب، وحركة المجتمع هو الذي خلق الإيديولوجية التي تحركت الجماهير الأوروبية في إطارها، فعلى المستوى الشعبي كان تفكير الناس في أوروبا الغربية في القرن الحادي عشر يتوازى مع السياسة البابوية وفكرة الحرب المقدسة إلى حدما، إذ أن أوروبا كانت قد بدأت حركة إحياء دينية مع مشرق شمس القرن الحادي عشر. ومع اقتراب الألف الأولى بعد المسيح من اكتمالها سرت موجة بالإحساس بالذنب والرغبة في التوبة في غرب أوروبا، فقد تعمق لدى الإنسان الغربي الشعور بالخطيئة والإحساس بالذنب، والحقيقة أن من يقرأ مصادر تاريخ القرن الحادي عشر في غرب أوروبا لا يمكن أن يغفل إصرار الناس في ذلك الزمان على أن يضمنوا لأنفسهم غفران خطاياهم وكان هذا نتاجاً للمشاعر الألفية والأخروية التي ملكت على الناس وجدانهم وعقولهم مع توقعاتهم لمجئ الدينونة، وانتشر الوعاظ الجوالون في كل أنحاء الغرب الأوروبي يحثون الناس على الزهد والتوبة والتشبه بحياة الفقر التي عاشها الحواريون وفي غمرة هذا التدين العاطفي الذي حكم تصرفات المجتمعات الغربية سادت مشاعر الكراهية والتعصب ضد أتباع الديانات الأخرى، بل، وضد من يعتنقون مذهباً غير المذهب الكاثوليكي. وثمة دليل قوى على هذا في طيات الملحمة الصليبية المعروفة باسم " أنشودة أنطاكية" التي تعكس، بشكل أمين، روح الانتقام التي سرت في المجتمع الكاثوليكي ضد "الوثنيين المخذولين" – على حد زعمهم – كما أن القصيدة لا تعتبر أن الأمة المعادية للمسيح هم المسلمون فقط، وإنما يصدق هذا الوصف أيضاً على كافة من لا يعترفون بعقيدة الكنيسة الكاثوليكية، وهي بهذا تجسد التفكير الشعبي في أوروبا القرن الحادي عشر، هذا التفكير الشعبي كان هو الآخر واحداً من ملامح الإيديولوجية العامة التي أفرزت الحركة الصليبية، لقد تمثل نجاح أوربان الثاني في أن خطبته التي دعا فيها إلى الحملة الصليبية كانت بمثابة بؤرة تجمعت فيها كل الأفكار التي مثلت الإطار الإيديولوجي لحركة المجتمع الغربي آنذاك على الرغم من الاختلافات اللغوية والعادات والتقاليد وهكذا لم تكن استجابة جماهير المستمعين إلى البابا في كليرمون مجرد رد فعل لبلاغة كلماته، وإنما كانت هذه الاستجابة تعبيراً عن فرحة أولئك المستمعين بالمشروع الذي مسى أوتار الآمال التي كانت تداعب كلامتهم تقريباً، وجاءت الحرب المقدسة ستاراً مدهشاً يمكن للجميع أن يتحركوا من خلاله لضمان تحقيق أحلامهم الدنيوية وخلاصهم الأخروي ويوسعنا أن نورد عشرات التعبيرات الواردة في المصادر التاريخية والحوليات المعاصرة تصف الصليبيين بأنهم "فرسان المسيح" و"رجال المسيح" أولئك الذين يكونون جيش المسيح و " الشعب المقدس" و " شعب الرب " وهي كلها تعبيرات تشير بأن فكرة الحرب الصليبية كانت قد رسخت في الأذان بحيث كان الناس على اقتناع كامل بأنهم حين يشاركون في هذه الحملة لا يفعلون ذلك استجابة لأوامر أي مخلوق، ولا حتى البابا نفسه، وإنما هم يطيعون الرب .
الاجتماع الاستشاري للبابا بعد خطابه :
كان البابا أوربان الثاني يجتمع مع رجال الدين النصراني ويستشيرهم في حشد الطاقات الرسمية والشعبية لغزو المسلمين، فقد اجتمع مع أساقفته وبعد هذا الاجتماع الاستشاري خرجوا بالقرارات الآتية :
كل من ارتكب جرماً يعاقب عليه، يصبح في حل من العقوبة إذا اشترك في هذه الحرب المقدسة.
كل مال من عقار أو متاع يتركه المحارب الذاهب إلى الأرض المقدسة يكون تحت حماية الكنيسة أثناء غيابه .. وترده كاملاً حين يعود المحارب إلى وطنه.
ينبغي لكل مشترك في الحملة أن يحمل علامة الصليب.
على كل من اتخذ الصليب أن يفي بالوعد بالمسير إلى بين المقدس فإذا رجع عن عزمه طرد من الكنيسة.
كل بلد يخلص من أيدي الكفار " المسلمين " يجب أن يرد للكنيسة.
ينبغي أن يكون كل فرد جاهزاً لمغادرة وطنه في عيد العذراء.
ينبغي أن تلتقي الجيوش في القسطنطينية. ولقد قام البابا هذا فأرسل أساقفته بهذه القرارات لتبليغها لملوك العالم المسيحي وأمرائه في الغرب .
حملة الدعاية الصليبية :
افتتح خطاب البابا أوربان الثاني مرحلة على جانب كبير من الأهمية في صورة الدعاية الصليبية وهي دعاية قامت على أساس الانتقال الشخصي للعديد من المواقع، ومخاطبة قطاعات مختلفة من البشر، وقد كان لها دورها الفعال من أجل إنجاح ذلك المشروع، ومن الممكن ملاحظة أن الحملة الصليبية الأولى – على نحو خاص – تم الإعداد الدعائي لها بمنتهى البراعة والاتقان منُذ الخطاب المذكور وفي هذا الصدد تم حشد جيش من الدعاة من أجل مخاطبة كافة قطاعات المجتمع الأوروبي كل على قدر تصوره، وقد قام البابا أوربان الثاني بعد عقد مجمع كليرمنت بالانتقال إلى مدن تور، وبوردو، ونمييز ومكث تسعة أشهر داعياً لمشروعه الجديد ، كذلك فإنه قام بإرسال العديد من الخطابات، من أجل الدعوة لمشروعه الصليبي، ومن ذلك الرسائل التي أرسلها كافة المؤمنين بالمسيحية – في القلاندروز، وكذلك إلى بولونا وقالوا مبروز وكذلك إلى كونتات سردانيا وروسيللون، وبيسالون وامبورياس، ويلاحظ أن الخطابات المذكورة لا يمكن فصلها عن دور البابا في مجمع كليرمنت فهي تكملة ومواصلة حقيقية لدوره الدعائي للحروب الصليبية .
العقلية التنظيمية لأوربان الثاني :
ويلاحظ أن الخطابات التي أرسلها البابا من أجل مشروعه الصليبي، تقدم لنا عدداً من التفصيلات التي لم ترد في خطاب كليرمونت ومن بينها تقريره بدور المندوب البابوي أدهيمار أسقف لي بوى، ويذكر ضرورة طاعة أوامره كأنها صادرة من البابا شخصياً، كذلك قرر أنه لا يسمح للرهبان أو القساوسة بالاتجاه إلى الشرق إلا بعد الحصول على إذن من أساقفتهم، وكذلك مقدمي الأديرة تجنباً للتمرد والفوضى وينبغي أن ندرك : أن تلك المصادر الوثائقية التي بأيدينا تكشف لنا عن العقلية التنظيمية الدقيقة لأوربان الثاني، ولذلك نراه أمتلك رؤية شاملة للمشروع الصليبي – في تلك المرحلة المبكرة على الأقل – وقد حرص الحرص أجمعه على نصيحة من سيشاركون في الرحلة إلى الشرق بضرورة الطاعة العمياء لأوامره، وكذلك أوامر رؤسائهم المباشرين، كما نستشعر أن البابا ألح على فكرة وحدة العالم المسيحي، وكأن ما حدث في الشرق للمسيحيين – في زعم الدعاية الأوروبية المغرضة – هو أمر يدخل في صلب اهتمامات قاطن الغرب الأوروبي، وأن مساعدة الفرنجة وغيرهم للمسيحيين الشرقيين هو جزء رئيسي من واجباتهم كمسيحيين ، على أية حال، فإن الثمرة الطبيعية للدور التنظيمي والتخطيطي والدعائي الذي قام به البابا وكبار رجال الكنيسة الذين معه قيام الحرب الصليبية ومما ساعدهم على ذلك اختيار التوقيت المناسب للحرب.
بطرس الناسك :
تأثر بطرس الناسك بخطاب البابا أوروبان الثاني وكان له تأثير شديد على كل من يركب حماراً – ينتقل به من بلد إلى آخر، وكان يسير حافي القدمين ويرتدي ملابس رثة، ويتحدث المؤرخ روبرت الراهب عنه فيقول : إن بطرس هذا هو رائد الحرب الصليبية، وأنه كان يفوق في ورعه القسيسين والأساقفة، وكان ممتنعاً عن تناول الخبز واللحم بل جعل غذاءه السمك، وكان لا يسمح لنفسه إلا بقليل من النبيذ وبعض الطعام الغليظ .
وعلى الرغم من مظهر بطرس الناسك وحالته الرثة إلا أنه كانت له قوة غريبة تثير حماس الرجال والنساء وتجذب الجماهير إليه، فاستطاع أن يجذب وراءه حوالي خمسة عشرة ألف شخص من الفقراء الذين كانوا يتبعونه من بلد إلى آخر بحماس شديد على الرغم من أن غالبيتهم كانوا لا يدرون شيئاً عن استعمال السلاح أو الفروسية، بل لم يشتركوا في أي حرب من قبل إلا أن تأثرهم بكلمات بطرس الناسك الحماسية ومظهره جعلهم يندفعون في حماس جارف وراءه دون التفكير في أي احتمالات أخرى، فلقد كانت خطبه نارية ممزوجة بالبكاء والعويل وصب اللعنات على الكافرين، وبوعد الرب للذين يزحفون لانقاذ قبر المسيح بالمغفرة، وتؤثر فصاحته التمثيلية الخيالية في قلوب الجموع .
ومما نحب الإشارة إليه أن الوعاظ الذين قاموا بدور مماثل لبطرس الناسك في التبشير بالحروب الصليبية والدعاية لها إنما كانوا يعدون بالمئات والآلاف وقد تأثر الناس بهؤلاء الوعاظ ويصف المؤرخ بودري بوصفه معاصراً لأحداث هذه الفترة الزمنية أن بعض العامة من المسيحيين كانوا يرسمون على صدورهم علامة الصليب بواسطة الحديد المحمي على النار ليتباهوا بإظهار حماسهم وليوهموا الآخرين بأن هذه العلامات إنما جاءتهم عن طريق معجزة وهكذا انطلق الجميع يتجهزون للذهاب للأراضي المقدسة بالشام بعد تلك الكلمات التي سمعوها، وكان معظمهم يبيعون ما يملكون ليجهزوا أنفسهم للرحيل طمعاً في محو ذنوبهم ورضاء الله عنهم وكان الآباء سعداء برؤية أولادهم يرحلون، كما كانت الزوجات في غاية الفرح لدى رؤيتهن لأزواجهن وهم يتأهبون للرحيل، فحماس الجميع كان منقطع النظير، واقتناعهم بهذا العمل كان شديداً ، وعلى قدر الفرحة الكبيرة التي شعر بها أولئك الذين غادروا بلادهم للالتحاق بالحملة الصليبية الأولى كان الأسى والحزن يخيم على أولئك الذين لم يخرجوا في تلك الحملة .
غفلة المسلمين عما يدبر لهم :
كانت الدولة الإسلامية في العهد الأموي مثلاً لها جهاز استخبارات اخترقت البلاط البيزنطي وقد بينت ذلك في كتابي عن الدولة الأموية وأما بالنسبة في عهد الدولة العباسية فإننا لم نعثر في المصادر الإسلامية على أية خطبة حماسية لأي من الخليفتين العباسي أو الفاطمي كرد فعل على خطبة البابا أوربان الثاني أو على الأقل نشعر من أن المسلمين علموا بما جرى في مؤتمر كليرمونت. ولعل السب في ذلك يرجع إلى إنشغال كل من الدولتين العباسية والفاطمية بالتنازع فيما بينهما ومحاولة كل منهما التغلب على الأخرى لتكون لها السيادة، فظلوا في سبات عميق حتى وصلت الحملة الصليبية الأولى بالفعل إلى بلاد الشام ، ولعل ما يؤكد هذا ما جاء في كتابات ابن القلانسي من أن أخبار الصليبيين لم تصل للمسلمين في بلاد الشام إلا في سنة 490ه/1097م، فيقول في ذلك وتواصلت الأخبار بهذه النوبة المستبشعة في حق الإسلام فعظم القلف وزاد الخوف والفرق ، ومع ذلك فإن رد الفعل الإسلامي الوحيد الذي ظهر قبيل وصول الحملة الصليبية الأولى في بلاد الشام، كان من جهة السلاجقة في آسيا الصغرى عندما استطاعوا القضاء بكل سهولة على القسم الأول من القوات الصليبية المعروفة باسم " حملة العامة " فضلاً عما قاموا به من عمليات دفاعية عن ممتلكاتهم في آسيا الصغرى ، كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق