إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 5 يوليو 2014

143 دولة السلاجقةوبروز مشروع إسلامي لمقاومةالتغلغل الباطني والغزو الصليبي الفصل الرابع المدارس النظامية في عهد السلاجقة المبحث الخامس:الإمام الغزالي، من كبار علماء المدارس النَّظامية: الحادي عشر : شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي :


143

دولة السلاجقةوبروز مشروع إسلامي لمقاومةالتغلغل الباطني والغزو الصليبي

الفصل الرابع

المدارس النظامية في عهد السلاجقة

المبحث الخامس:الإمام الغزالي، من كبار علماء المدارس النَّظامية:

الحادي عشر : شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي :

الإمام القدوة، الحافظ الكبير، أبو إسماعيل، عبد الله بن محمد بن علي الأنصاري مصنَّفُ كتاب " ذم الكلام "، وشيخ خراسان من ذرية صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أبي أيوب الأنصاري، مولده في سنة ستًّ وتسعين وثلاثة مائة  . كان رحمه الله : آية في لسان التذكير والتصوف من سلاطين العلماء سمع ببغداد من أبي محمد الخلاَّل وغيره يروي في مجالس وعظه الأحاديث بالإسناد، وينهي عن تعليقها وكان بارعاً في اللغة، حافظاً للحديث قرأ عليه السَّلفي كتاب ذم الكلام   وكان يدخل على الأمراء والجبابرة فما يبالي، ويرى الغريب من المحُدَّثين، فيبالغ في إكرامه ، وكان شيخ الإسلام أثريا قُحّاً، ينال من المتكلمة  .

اعتزازه بالمذهب الحنبلي : قال محمد بن طاهر : سمعت أبا إسماعيل الأنصاري يقول :
إذا ذكرت التفسير، فإنما أذكره من مائة وسبعة تفاسير وسمعته ينشد على منبره :

أنا حنبلي ما حييت وإن أمُت
   
    فوصيتي للناس أن يتحنبلوا

وقال في قصيدته النونية :
   
أنا حنبلي ما حييتُ وإن أمُت
   
    فوصّيتي ذاكم إلى الإخوان

إذ دينه ديني وديني دينه
   
    ما كنت إمعةً له دينان 


كتابه منازل السائرين والمحن التي تعرض لها : قال الذهبي : ولقد بالغ أبو إسماعيل في ذمّ الكلام على الإتباع فأجاد، ولكنه له نفس عجيب لا يشبه نفس أئمة السلف في كتابه " منازل السائرين "، ففيه أشياء مطربة وفيه أشياء مشكلة، ومن تأمَّله لاح ما أشرت إليه، والسُّنة المحمدية صَِلفَة، ولا ينهض الذوق والوجد إلا على تأسيس الكتاب والسنة وقد كان هذا الرجل سيفاً مسلولاً على المتكلمين، له صولة وهيبة واستيلاء على النفوس ببلده يُعظمونه، ويتغالون فيه، ويبذلون أرواحهم فيما يأمر به. كان عندهم أطوع وأرفع من السلطان بكثير، وكان طوداً راسياً في السنة لا يتزلزل ولا يَلين، لولا ما كّدر كتابه " الفاروق في الصفات " يذكر أحاديث باطلة يجب بيانها وهتكها، والله يغفر له بحسن قصده، وصنف " الأربعين " في التوحيد، و" أربعين " في السنة وقد امتحن مرات وأوذي، ونفي من بلده قال ابن طاهر : سمعته يقول : عُرضت على السيف خمس مرات، لا يقال لي : إرجع عن مذهبك. لكن يقال لي : اسكت عمن خالفك، فأقول : لا أسكت وسمعته يقول : أحفظ اثنى عشر ألف حديث أسُردها سرداً  . وكان شيخ الإسلام أبو إسماعيل بكر الزمان وواسطة عقد المعاني وصورة الإقبال في فنون الفضائل وأنواع المحاسن منها نصرة الدين والسنة، من غير مداهنة ولا مراقبة لسلطان ولا وزير وقد قاسى بذلك قصد الُحساَّد في كل وقت، وسعوا في رُوحه مراراً وعمدوا إلى إهلاكه أطواراً، فوقاه الله شّرهم، وجعل قصدهم أقوى سبب لارتفاع شأنه  . قال الذهبي : قد انتفع به خلق، وجهل آخرون، فإن طائفة من صوفية الفلسفة والاتحاد يخضعون لكلامه في " منازل السائرين " وينتحلونه، ويزعمون أنه موافقهم. كلا، بل هو رجل أثريُّ لهج بإثبات نصوص الصفات منافر للكلام وأهل جداً وفي منازله إشارات إلى المحو والفناء، وإنما مراده بذلك الفناء هو الغيبة عن شُهود السَّوى، ولم يُرد محو السَّوى في الخارج ويا ليته لا صنَّف ذلك، فما أحلى تصوف الصحابة والتابعين ما خضوا في هذه الخطرات والوساوس، بل عبدوا الله، وذلُّوا له وتوكَّلوا عليه وهم من خشيته مشفقون، ولأعدائه مجاهدون، وفي الطاعة مسارعون، وعن اللغو معرضون، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم  .

من مكائد خصومه : لما قدم السلطان ألب أرسلان هَراةَ في بعض زيارته، اجتمع مشايخ البلد وُرؤساؤه، ودخلوا على أبي إسماعيل، وسلمَّوا عليه، وقالوا : ورد السُّلطان ونحن على عزم أن نخرج ونُسلَّمَ عليه، فأحببنا أن نبدأ بالسلام عليك وكانوا قد تواطئوا على أن حملوا معهم صنماً من نُحاس صغيراً وجعلوه في المحراب تحت سجادة الشيخ، وخرجوا، وقام الشيخ إلى خلوته، ودخلوا على السلطان، واستغاثوا من الأنصاري وأنه مُجَسَّمُ، وأنه يترك في محرابه صنماً يزعم أن الله تعالى على صُورته، وإن بعث السلطان الآن يجده، فعظم ذلك على السلطان، وبعث غلاماً وجماعة، فدخلوا وقصدوا المحراب فأخذوا الصنم، فألقى الغلام الصنم، فبعث السلطان من أحضر الأنصارَّي، فأتى فرأى الصنم والعلماء وقد اشتد غضب السلطان، فقال له السلطان : ما هذا ؟ قال صنم يعمل من الصُّفر شبه اللعبة. قال : لست عن ذا أسألك قال : فعمَّ يسألني السلطان ؟ قال : إن هؤلاء يزعمون أنك تعبد هذا، وأنك تقول : إن الله على صورته. فقال شيخ الإسلام بصولة وصوت جهوري سبحانك هذا بهتان عظيم، فوقع في قلب السلطان أنهم كذبوا عليه، فأمر به، فأخرج إلى داره مُكرَّماً وقال لهم : أصدقوني وهَدَّدهُم، فقالوا : نحن في يد هذا في بَليَّة من استيلائه علينا بالعامَّة، فأردنا نقطع شّره عنا، فأمر بهم، ووكَّل بهم وصادرهم، وأخذ منهموأهانهم  .

دعاء الإمام الجويني له : قال أبو الوقت السَّجزي : دخلت نيسابور، وحضرت عند الأستاذ أبي المعالي الجويني، فقال : من أنت ؟ قلت : خادم الشيخ أبي إسماعيل الأنصاري
فقال : رضي الله عنه . قال الذهبي اسمع إلى عقل هذا الإمام، ودع سَبَّ الطغام، إن هم إلا كالأنعام  .
تقديمه لكتاب أبي عيسي الترمذي على البخاري ومسلم : قال أبو إسماعيل الأنصاري : كتاب أبي عيسى الترمذي عندي أفيد من كتاب البخاري ومسلم. قال ابن طاهر قلت :
ولم ؟ قال : لأنهما لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من يكون من أهل المعرفة التامة، وهذا كتاب قد شرح أحاديثه وبيَّنها فيصل إلى فائدته كل فقيه وكل مُحدَّث  .
في مجلس نظام الملك : قال ابن طاهر : حكى لي أصحابنا أن السلطان ألب أرسلان قدم هراة ومعه وزيره نظام الملك فاجتمع إليه أئمة الحنفية وأئمة الشافعية للشكوى من الأنصاري ومطالبته بالمناظرة، فاستدعاه الوزير، فلما حضر، قال : إن هؤلاء قد اجتمعوا لمناظرتك، فإن يكن الحق معك؛ ورجعوا على مذهبك، وإن يكن الحق معهم، رجعت أو تسكت عنهم، فوثب الأنصاري، وقال : أُناظر على ما في كُمَّي. قال : وما في كُمَّكَ ؟ قال : كتاب الله. وأشار إلى كُمَّه اليمين – وسنة رسول الله – وأشار إلى كمه اليسَار – وكان فيه " الصحيحان " فنظر الوزير إليهم مستفهماً، فلم يكن فيهم من ناظره من هذا الطريق  .

مصدر رزقه : كان أبو إسماعيل الأنصاري على حظ تام من معرفة العربية والحديث والتوازيخ والأنساب إماماً كاملاً في التفسير، وحسن السيرة في التصوف، غير مشتغل بكسب، مكتفياً بما يُباسطُ به المريدين والأتباع من أهل مجلسه في العام مّرة أو مرتين على رأس الملأ فيحصل على ألوف من الدنانير وأعداد من الثياب والحُِليَّ، فيأخذها، ويُفرَّقُها على اللَّحَّام والخباز، وينفق منها، ولا يأخذ من السلطان ولا من أركان الدولة شيئاً، وقلَّ ما يُراعيهم ولا يدخل عليهم، ولا يُبالي بهم، فبقي عزيزاً مقبولاً قبولاً أتم من المَلِك، مطاع الأمر نحواً من ستين سنة من غير مزاحمة وكان إذا حضر المجلس لبس الثياب الفاخرة، وركب الدَّواب الثمينة ويقول : إنما أفعل هذا إعزازاً للدين، ورغماً لأعدائه، حتى ينظروا إلى عِزّي وتَجَُمّلى، فيرغبوا في الإسلام ثم إذا انصرف إلى بيته، عاد المُرقَّعة والقعود مع الصوفية في الخانقاه يأكل معهم، ولا يتميز بحال، وعنه أخذ أهلُ هراة التبكير بالفجر، وتسمية الأولاد غالباً بعبد المضاف إلى أسماء الله تعالى  .

سنة وفاته : توفي شيخ الإسلام في ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وأربعة مائة، عن أربع وثمانين سنة وأشهر  . وكان كثير السهر بالليل وروى الحديث وصنف وكانت وفاته بهراة  .

ونلاحظ في فصل المدارس النظامية الدور الكبير الذي قام به نظام الملك في تأسيسها وتحديد أهدافها وبرامجها، وتعيين النوابغ المبدعين من العلماء بها كالجويني وأبي إسحاق الشيرازي والغزالي الذين تفرغوا لتعليم طلاب العلم والكتابة لمناصرة منهج أهل السنة والتصدي للفكر الشيعي الباطني الإسماعيلي، فكانت لجهودهم آثار ملموسة في نصرة الإسلام وإن كانت الدولة السلجوقية قامت بدعم مؤسسات المدارس النظامية لمناصرة الكتاب والسنة، إلا أن مجموعة من علماء أهل السنة لم يكونوا من ضمن مشايخ المدارس النظامية قاموا بتنشيط الدعوة الإسلامية بالوعظ والإرشاد والتعليم والتربية والتصنيف، كالبغوي، وأبي إسماعيل الأنصاري وهم على سبيل المثال لا الحصر، ومن الدروس الكبيرة في هذا الفصل أن البعد العقدي والفكري لا بد منه لأي مشروع سياسي أو عسكري أو حضاري، يراد له النجاح في أوساط المسلمين وأن من عوامل نهوض الحضارة، أن تكون القيادة السياسية مبدعة في التفكير، وفي تحديد الأهداف، صادقة في الانتماء لعقيدة الأمة وتراثها ودينها وتاريخها وقادرة على توظيف الطاقات العلمية وتحويلها من أعمال فردية إلى أعمال جماعية، عاملة على وحدة الصف ومحاربة الانشقاق، كما أن قدرة العلماء على النزول بأفكارهم وعلمهم للجمهور الإسلامي العريض من عوامل نهوض الحضارة.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق