294
تاريخ الخلفاء الراشدين (3) سيرة عثمان بن عفان شخصيته وعصره
الفصل السادس : أسباب فتنة مقتل عثمان ?
المبحث الأول : أهمية دراسة وقائع فتنة مقتل عثمان وما ترتب عليها من أحداثوالحكمة من إخباره بوقوعها
1- أن المؤلفات المعاصرة التي تناولت أحداث الفتنة بين الصحابة والتابعين انقسمت إلى ثلاثة أنواع:
أ- مصنفات تربى أصحابها على موائد الفكر الغربي الحاقد على التاريخ الإسلامي, أو الجاهل بالتاريخ الإسلامي، فلم يروا فيه شيئا جميلا، فراحوا يطعنون في الصحابة والتابعين بطريقة تخدم أهداف أعداء الإسلام وخصومه، الذين قاموا لدراسة أحداث تلك الفتنة وتفاصيلها، وإعطائها تفسيرات تطعن في جموع الصحابة، وتضرب الإسلام في أصوله، وتجعل من هذه الأحداث صراعا سياسيا على مناصب وكراسي، تخلي فيه الصحابة عن إيمانهم وتقواهم وصدقهم مع الله، وانقلبوا إلى طلاب دنيا، وعشاق زعامة، لا يهمهم أن تراق الدماء، وتزهق الأرواح وتسلب الأموال وتستباح الحرمات إذا كان في ذلك ما يحقق لهم ما يريدون من الرياسة والزعامة.
وممن تولى كبر هذه الفرية طه حسين (الفتنة الكبرى) ( )، الذي هو بحق فتنة كبرى على عقول الناشئة من أبناء المسلمين؛ فقد راح طه حسين يشنع على الصحابة ويشكك في نياتهم، ويتهمهم باتهامات مغرضة خدمة لأهداف أعداء الإسلام والمسلمين.( ) وقد تأثر الكثير بمنهجه، ويبدو أن أمثال هؤلاء اعتمدوا على الروايات التاريخية التي أوردها المؤرخون كالطبري وابن عساكر وغيرهما، والتي اختلط فيها الغث بالسمين، والكذب بالصدق، أخذها دون مراعاة لمنهج هؤلاء في مصنفاتهم، وهذا خطأ كبير.( ) وقد تأثرت هذه الكتابات بالفكر الرافضي والكتابات الشيعية الرافضية للتاريخ الإسلامي( )؛ فقد تعمد الروافض الإساءة في كتاباتهم للتاريخ الإسلامي، كما في روايات وأخبار الكلبي( ), وأبى مخنف( ), ونصر بن مزاحم المنقري( ), والتي توجد حتى عند الطبري في تاريخه، لكن الطبري يذكرها مسندة لهؤلاء، فيعرف أهل العلم حالها.( ) وكما في كتابات المسعودي في مروج الذهب واليعقوبي في تاريخه. وقد أشار الأستاذ محب الدين الخطيب في حاشية (العواصم) إلى أن التدوين التاريخي إنما بدأ بعد الدولة الأموية, وكان للأصابع الباطنية والشعوبية المتلفعة برداء التشيع دور في طمس معالم الخير فيه، وتسويد صفحاته الناصعة( ).
ويظهر هذا الكيد لمن تدبر كتاب (العواصم من القواصم) لابن العربي مع الحاشية الممتازة التي وضعها العلامة محب الدين الخطيب، لقد سود شيوخ الروافض آلاف الصفحات بسبِّ أفضل قرن عرفته البشرية، وصرفوا أوقاتهم وجهودهم لتشويه تاريخ المسلمين.( ) وكانت هذه المادة (الرافضية) الكبيرة والتي تجدها في كتب التاريخ التي وضعها الروافض أو شاركوا في بعض أخبارها، وتراها في كتب الحديث عندهم كالكافي، والبحار، وفيما كتبه شيوخهم في القديم؛ كإحقاق الحق، وفي الحديث ككتاب الغدير، هذه المادة السوداء المظلمة الكريهة الشائهة هي المرجع لما كتبه أعداء المسلمين من المستشرقين وغيرهم، وجاء ذلك الجيل المهزوم روحيا، والذي يرى في الغرب قدوته وأمثولته من المستغربين، فتلقف ما كتبته الأقلام الاستشراقية وجعلها مصدره ومنهله، وتبنى أفكارهم ونشر شبهاتهم في ديار المسلمين، وكان لذلك أثره الخطير في أفكار المسلمين وثقافتهم، وكان الرفض هو الأصل في هذا الشر كله. وإن دراسة آراء المستشرقين وصلتها بالتشيع لهي موضوع مهم يستحق الدراسة والتتبع، لقد بدأت استفادة العدو الكافر من شبهات الروافض وأكاذيبهم ومفترياتهم على الإسلام والمسلمين منذ عهد الإمام ابن حزم (ت 456هـ) ( ).
ب- مصنفات لبعض علماء هذه الأمة من المعاصرين، وهي مفيدة إجمالا، ولكن طريقة عرضهم للأحداث وتفسيرهم لمواقف بعض الصحابة والتابعين فيها كثير -أو بعض- من عدم الإنصاف، مثل ما كتبه أبو الأعلى المودودي -رحمه الله- في كتابه (الخلافة والملك)، وما دونه الشيخ محمد أبو زهرة -رحمه الله- في كتابه (تاريخ الأمم الإسلامية) و(الإمام زيد بن علي)، فالكتابان مشحونان بكثير من التحامل على مقام بعض الصحابة والطعن على خلفاء بني أمية، وتنقصهم وتجريدهم من أية خصلة حميدة أو عمل صالح.( ) ويبدو أن أمثال هؤلاء العلماء لم يحققوا في الروايات التاريخية، فتورطوا في الروايات الرافضية الشيعية وبنوا عليها تحليلاتهم واستنتاجاتهم، غفر الله لنا ولهم.
ج- مصنفات حاول أصحابها أن يسلكوا فيها منهج علماء الجرح والتعديل في نقد الروايات التاريخية وعرضها على أصول منهج المحدثين من حيث السند والمتن من أجل تمييز صحيحها من سقيمها, وسليمها من عليلها.
وفي هذه المؤلفات محاولة جيدة وجهد مشكور للوقوف في وجه هذا الزيف، وتفسير الأحداث التفسير الصحيح الذي لا يتعارض مع فضل الصحابة وإيمانهم وجهادهم( ), ومن هذه المؤلفات الجيدة ما كتبه الدكتور يوسف العش في (تاريخ الدولة الأموية)، وما كتبه محب الدين الخطيب تعليقا على كتاب (العواصم من القواصم) لأبي بكر بن العربي، وما كتبه صادق عرجون في كتابه (عثمان بن عفان)، وما سطره الدكتور سليمان بن حمد العودة في كتابه (عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام)، وما كتبه محمد أمحزون في كتابه (تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة)، وما كتبه الدكتور أكرم العمري في كتابه (الخلافة الراشدة)( ), وما كتبه عثمان الخميس في كتابه (حقبة من التاريخ)، وما كتبه الدكتور محمد حسن شراب في كتابه (المدينة النبوية.. فجر الإسلام والعصر الراشدي)، وما قام به محب الدين من تحقيقات نافعة وتعليقات صائبة على كتاب (العواصم من القواصم) و(المنتقى)، وغيرها من الكتب والبحوث والرسائل التي سارت على نفس المنهج؛ فقد ظهر من هذا البيان شدة الحاجة إلى وجود مؤلفات ومصنفات ترد على هذه المزاعم والأخطاء، ولا يتم الرد على هؤلاء المزيفين للتاريخ الإسلامي ومقام الصحابة إلا بمحاولة دراسة تفاصيل تلك الأحداث، وغربلة الأخبار والروايات الواردة بميزان الجرح والتعديل، والتصحيح والتضعيف.( ) وقد جاء عن ابن تيمية قوله: لكن إذا ظهر مبتدع، يقدح فيهم بالباطل,
فلا بد من الذب عنهم، وذكر ما يبطل حجته بعلم وعدل.( ) وقد ذهب الإمام الذهبي -رحمه الله- في هذا مذهبا آخر، فهو يدعو إلى إحراق هذه الكتب التي فيها هذا الكذب والتشويه لمقام الصحابة، قال رحمه الله: كما تقرر الكف عن كثير مما وقع بين الصحابة وقتالهم رضي الله عنهم أجمعين، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف، وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا فينبغي طيه وإخفاؤه بل إعدامه؛ لتصفو القلوب وتتوافر على حب الصحابة والترضي عنهم.( ) وقد أفادنا الذهبي في كلامه فائدة كبيرة، وهو تصريحه بكون أكثر ما ينقل من ذلك في الكتب والدواوين كذبا وزورا وافتراء على مقام الصحابة رضي الله عنهم، إلا أن اقتراح الذهبي بحرق تلك المؤلفات لم يعد ممكنا؛ فقد انتشرت هذه الكتب، وتولت طباعتها كثير من دور النشر، وكثير من ذوي النيات السيئة فلم يبق إلا وضعها موضع الدراسة وبيان ما فيها من عوار وخطأ وكذب؛ حفظا لأجيال المسلمين من انحراف السلوك والعقيدة( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق