إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 20 أبريل 2014

319 تاريخ الخلفاء الراشدين (3) سيرة عثمان بن عفان شخصيته وعصره الفصل السادس : أسباب فتنة مقتل عثمان ? المبحث الثاني : أسباب فتنة مقتل عثمان ? الثاني عشر: أثر السبئية في أحداث الفتنة:


319

تاريخ الخلفاء الراشدين (3) سيرة عثمان بن عفان شخصيته وعصره

الفصل السادس : أسباب فتنة مقتل عثمان ?

المبحث الثاني : أسباب فتنة مقتل عثمان ?

الثاني عشر: أثر السبئية في أحداث الفتنة:


1- السبئية حقيقة أم خيال:

أجمع القدماء على وجوده بلا استثناء، وخالف في ذلك قلة من المعاصرين أكثرهم من الشيعة، وحجة من أنكره أنه من إبداع مخيلة سيف بن عمر التميمي؛ وذلك لانتقاد بعض علماء الرجال له في مجال رواية الحديث، إلا أن العلماء يعدونه حجة في الأخبار، علما بأنه وردت روايات كثيرة عند ابن عساكر تذكر عبد الله بن سبأ ليس من بين الرواة سيف بن عمر، وقد حكم الألباني على بعضها بأنها صحيحة من الشيعة سواء في كتب الفرق أو الرجال، أو الحديث عندهم، وليس فيها عمر هذا لا من قريب ولا من بعيد. وقد فصل ذلك الدكتور سليمان العودة في كتابه (عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام).

وشكك بعض الباحثين في عبد الله بن سبأ( ) وقالوا بأنه شخصية وهمية، وأنكروا وجوده بدون حجة أو برهان، والذين أنكروا شخصية ابن سبأ هم طائفة من المستشرقين وفئة من الباحثين العرب، وغالبية الشيعة المعاصرين، ومن العجيب أن هؤلاء المستشرقين وذيولهم من الرافضة والمستغربين في عصرنا أنكروا شخصية عبد الله بن سبأ، وأنه شخصية وهمية لم يكن لها وجود، فأين بلغ هؤلاء من قلة الحياء والجهل، وقد ملأت ترجمته كتب التاريخ والفرق، وتناقلت أفعاله الرواة وطبقت أخباره الآفاق. لقد اتفق المؤرخون والمحدثون وأصحاب كتب الفرق والملل والنحل والطبقات والأدب والأنساب الذين تعرضوا للسبئية على وجود شخصية عبد الله بن سبأ الذي ظهر في كتب أهل السنة، كما ظهر في كتب الشيعة شخصية تاريخية حقيقية، ولهذا فإن أخبار الفتنة ودور ابن سبأ فيها لم تكن قصرا على تاريخ الإمام الطبري، واستنادا إلى روايات سيف بن عمر التميمي فيه، وإنما هي أخبار منتشرة في روايات المتقدمين، وفي ثنايا الكتب التي رصدت أحداث التاريخ الإسلامي، وآراء الفرق والنحل في تلك الفترة، إلا أن ميزة الإمام الطبري على غيره أنه أغزرها مادة وأكثرها تفصيلا لا أكثر، ولهذا فإن التشكيك في هذه الأحداث بلا سند وبلا دليل إنما يعني الهدم لكل تلك الأخبار، والتسفيه بأولئك المخبرين والعلماء، وتزييف الحقائق التاريخية، فمتى كانت المنهجية ضربا من ضروب الاستنتاج العقلي المحض في مقابل النصوص والروايات المتضافرة؟! وهل تكون المنهجية في الضرب صفحا والإعراض عن المصادر الكثيرة المتقدمة والمتأخرة التي أثبتت لابن سبأ شخصية واقعية؟ ( ) وقد جاء ذكر ابن سبأ في كتب أهل السنة كثيرا، منها:

* جاء ذكر السبئية على لسان أعشى همدان( ) المتوفي عام 83هـ، وقد هجا المختار ابن أبي عبيد الثقفي وأنصاره من أهل الكوفة بعدما فر مع أشراف قبائل الكوفة إلى
البصرة بقوله:

شهدت عليكم أنكم سبئية
        وأني بكم يا شرطة الكفر عارف( )

وهناك رواية عن الشعبي المتوفي عام 103هـ (721م) تفيد أن (أول من كذب عبد الله ابن سبأ( )، وتحدث ابن حبيب( ) المتوفي عام 245هـ (860م) عن ابن سبأ حينما اعتبره أحد أبناء الحبشيات.( ) كما روى أبو عاصم خُشيش بن أصرم المتوفي سنة 253هـ خبر إحراق علي ? لجماعة من أصحاب ابن سبأ في كتابه الاستقامة.( ) ويعتبر الجاحظ( ) المتوفي سنة 255هـ من أوائل من أشار إلى عبد الله بن سبأ( )، ولكن روايته ليست أقدم رواية عن ابن سبأ، كما يرى الدكتور جواد علي( ).

وخبر إحراق علي بن أبي طالب ? لطائفة من الزنادقة تكشف عنه الروايات الصحيحة في كتب الصحاح والسنن والمسانيد.( ) ولفظ الزندقة ليس غريبا عن عبد الله بن سبأ وطائفته، يقول ابن تيمية: إن مبدأ الرفض إنما كان من الزنديق عبد الله بن سبأ( ), ويقول الذهبي: عبد الله بن سبأ من غلاة الزنادقة، ضال مضل.( ) ويقول ابن حجر: عبد الله بن سبأ من غلاة الزنادقة.. وله أتباع يقال لهم السبئية, معتقدون الإلهية في علي بن أبي طالب، وقد أحرقهم علي بالنار في خلافته.( ) ويوجد لابن سبأ ذكر في كتب الجرح والتعديل؛ يقول ابن حبان المتوفى 354هـ: وكان الكلبي – محمد بن السائب الإخباري – سبئيا من أصحاب عبد الله بن سبأ، من أولئك الذين يقولون: إن عليا لم يمت، وإنه راجع إلى الدنيا قبل قيام الساعة.. وإن رأوا سحابة قالوا: أمير المؤمنين فيها.( ) كما أن كتب الأنساب هي الأخرى تؤكد نسبة (السبئية) إلى عبد الله بن سبأ، ومنها على سبيل المثال كتاب (الأنساب) للسمعاني ( ) المتوفي عام 562هـ.( ) وعرَّف ابن عساكر المتوفي عام 571هـ ابن سبأ بقوله: عبد الله بن سبأ الذي تنسب إليه السبئية، وهم الغلاة من الرافضة، أصله من اليمن، كان يهوديا وأظهر الإسلام.( ) ولم يكن سيف بن عمر هو المصدر الوحيد لأخبار عبد الله بن سبأ؛ إذ أورد ابن عساكر في تاريخه روايات لم يكن سيف فيها، وهي تثبت ابن سبأ وتؤكد أخباره.( ) ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة 728هـ، أن أصل الرفض من المنافقين الزنادقة، فإنه ابتداع ابن سبأ الزنديق، وأظهر الغلو في علي يدعو الإمامة والنص عليه، وادعى العصمة له.( ) ويشير الشاطبي( ), المتوفى عام 790هـ, إلى أن بدعة السبئية من البدع الاعتقادية المتعلقة بوجود إله مع الله -تعالى الله- وهي بدعة تختلف عن غيرها من المقالات.( ) وفي خطط المقريزي, المتوفى عام 845هـ، أن عبد الله بن سبأ قام في زمن علي محدثا القول بالوصية والرجعة والتناسخ( ).

وأما المصادر الشيعية التي ذكرت ابن سبأ فهي: فقد روى الكشي عن محمد بن قولوية قال: حدثني سعد بن عبد الله قال: حدثني يعقوب بن يزيد، ومحمد بن عيسى، عن علي بن مهزيار، عن فضالة بن أيوب الأزدي، عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله يقول: لعن الله عبد الله بن سبأ، إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين، وكان والله أمير المؤمنين عبدا طائعا، الويل لمن كذب علينا، وإن قوما يقولون فينا ما لا نقول في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم.( ) والرواية من حيث السند صحيحة( ).

وفي كتاب الخصال أورد القمي الخبر نفسه، ولكن موصولا بسند آخر، وأما صاحب (روضات الجنات) فقد ذكر ابن سبأ عنده على لسان الصادق المصدوق الذي لعن ابن سبأ لاتهامه بالكذب والتزوير وإذاعة الأسرار والتأويل.( ) وقد ذكر الدكتور سليمان العودة في كتابه مجموعة من النصوص التي تزخر بها كتب الشيعة ومروياتهم عن عبد الله بن سبأ، فهي أشبه ما تكون وثائق مسجلة تدين من حاول من متأخري الشيعة إنكار عبد الله بن سبأ أو التشكيك في أخباره، بحجة قلة أو ضعف المصادر التي حكت أخباره( ).

إن شخصية ابن سبأ حقيقة تاريخية لا لبس فيها في المصادر السنية والشيعية المتقدمة والمتأخرة على السواء، وهي كذلك أيضا عند غالبية المستشرقين أمثال: يوليوس فلهاوزن( ) وفان فولتن( ), وليفي ديلافيدا( ), وجولد تسيهر( ), ورينولد نكلسن( ), ودوايت رونلدسن( ). على حين يبقى ابن سبأ محل شك أو مجرد خرافة عند فئة قليلة من المستشرقين أمثال كيتاني, وبرنارد لويس( ), وفريد لندر المتأرجح( ).. علما بأننا لا نعتد بهم في أحداث تاريخنا.

ومن استقرأ المصادر، سواء القديمة والمتأخرة عند السنة والشيعة، يتأكد له أن وجود ابن سبأ كان وجودا تؤكده الروايات التاريخية، وتفيض فيه كتب العقائد, وذكرته كتب الحديث، والرجال، والأنساب، والأدب، واللغة، وسار على هذا النهج كثير من المحققين والباحثين المحدثين، ويبدو أن أول من شكك في وجود ابن سبأ بعض المستشرقين، ثم دعم هذا الطرح الغالبية من الشيعة المحدثين؛ بل وأنكر بعضهم وجوده البتة، وبرز من الباحثين العرب المعاصرين من أعجب بآراء المستشرقين ومن تأثر بكتابات الشيعة المحدثين، ولكن هؤلاء جميعا ليس لهم ما يدعمون به شكهم وإنكارهم إلا الشك ذاته والاستناد إلى مجرد الظنون والفرضيات( )، ومن أراد التوسع في معرفة المراجع والمصادر السنية والاستشراقية والشيعية التي ذكرت ابن سبأ فليراجع (تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة) للدكتور محمد أمحزون، و(عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام) للدكتور سليمان بن حمد العودة.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق