216
عصر الخلفاء الراشدين (1) أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره
الفصل الرابع : فتوحات الصديق واستخلافه لعمر رضي الله عنهم ووفاته
المبحث الثانى : فتوحات الصديق بالشام
أولاً: عزم أبي بكر على غزو الروم ومبشرات في الطريق:
كان أبو بكر يفكر في فتح الشام ويجيل النظر، ويقلب الرأي في ذلك، وبينما كان الصديق مشغولاً بذلك الأمر جاءه شرحبيل بن حسنة أحد قواد المسلمين في حروب الردة فقال: ياخليفة رسول الله أتحدث نفسك أنك تبعث إلى الشام جنداً؟ فقال: نعم قد حدثت نفسي بذلك وما اطلعت عليه أحداً، وماسألتني عنه إلا لشيء، قال: أجل، إني رأيت ياخليفة رسول الله فيما يرى النائم كأنك تمشي في الناس فوق خَرْشفة من الجبل- يعني مسلكاً وعراً- حتى صعدت قُنَّةً من القنات العالية فأشرفت على الناس ومعك أصحابك، ثم إنك هبطت من تلك القنات إلى أرض سهلة دمثة -يعني لينة- فيها الزرع والقرى والحصون، فقلت للمسلمين: شنوا الغارة على أعداء الله وأنا ضامن لكم بالفتح والغنيمة وأنا فيهم معي راية، فتوجهت بها إلى أهل قرية، فسألوني الأمان فأمنتهم، ثم جئت فأجدك قد انتهيت إلى حصن عظيم، ففتح الله لك وألقوا إليك السَّلَم، ووضع الله لك مجلساً فجلست عليه، ثم قيل لك: يفتح الله عليك وتُنصر فاشكر ربك، واعمل بطاعته، ثم قرأ {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ?وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا?فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا?}(سورة النصر، آية:1-3) ثم انتبهت فقال له أبو بكر: نامت عينك، خيراً رأيت وخيراً يكون إن شاء الله، ثم قال: بشَّرت بالفتح، ونعيت إلى نفسي، ثم دمعت عينا أبي بكر وقال: أما الخرشفة التي رأيتنا فيها حتى صعدنا إلى القنة العالية فأشرفنا على الناس، فإنا نكابد من أمر هذا الجند والعدو مشقة ويكابدونه، ثم نعلو بعدو يعلو أمرنا، وأما نزولنا من القنّة العالية إلى الأرض السهلة الدمثة والزرع والعيون والقرى والحصون، فإنا ننزل إلى أمر أسهل مما كنا فيه من الخصب والمعاش، وأما قولي للمسلمين: شنُّوا على أعداء الله الغارة فإني ضامن لكم الفتح والغنيمة فإن ذلك دُنُوُّ المسلمين إلى بلاد المشركين وترغيبي إياهم على الجهاد والأجر والغنيمة التي تُقسم لهم، وقبولهم، وأما الراية التي كانت معك فتوجهت بها إلى قرية من قراهم ودخلتها فاستأمنوا فأمَّنتهم، فإنك تكون أحد أمراء المسلمين ويفتح الله على يديك، وأما الحصن الذي فتح الله لي فهو ذلك الوجه الذي يفتح الله لي، وأما العرش الذي رأيتني عليه جالساً، فإن الله يرفعني ويضع المشركين، وقال الله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ}(سورة يوسف، آية:100) وأما الذي أمرني بطاعة الله وقرأ عليَّ السورة فإنه نعى إليَّ نفسي، وذلك أن النبي ? نعى الله إليه نفسه حين نزلت هذه السورة وعلم أن نفسه قد نُعيت إليه، ثم سالت عيناه، وقال: لآمرنّ بالمعروف ولأنهين عن المنكر، ولأجهَدنَّ فيمن ترك أمر الله، ولأجهزِّن الجنود إلى العادلين بالله -يعني المشركين به- في مشارق الأرض ومغاربها حتى يقولوا: الله أحد أحد لاشريك له، أو يؤدُّوا الجزية عن يد وهم صاغرون، هذا أمر الله وسنة رسوله ?، فإذا توفاني الله عزوجل لايجدني الله عاجزاً ولاوانياً ولا في ثواب المجاهدين زاهداً( ). فهذه الرؤيا الصالحة من المبشرات التي حدث بها رسول الله ? حيث قال: لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة( ). فهذه الرؤيا جاءت على قدر لتدفع الصديق إلى العزم على ماهمّ به وإعلان ما أضمره فدعا إلى عقد مجلس شورى بخصوص غزو الشام، فقد أخذ الصديق بالعزيمة والعمل والتوكل على الله واستأنس بالرؤية.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق