228
عصر الخلفاء الراشدين (1) أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره
الفصل الرابع : فتوحات الصديق واستخلافه لعمر رضي الله عنهم ووفاته
المبحث الثانى : فتوحات الصديق بالشام
خامساً: توجيه خالد إلى الشام، ومعركة اجنادين واليرموك:
5-الروم:
أقبلت الروم في خيلائها وفخرها قد سدت اقطار تلك البقعة سهلها ووعرها كأنهم غمامة سوداء يصيحون بأصوات مرتفعة، ورهبانهم يتلون الأنجيل ويحثونهم على القتال( )، ونزلت الروم الواقوصة قريباً من اليرموك وصار الوادي خندقاً عليهم وتعبأ الروم باستخدام اسلوب الكراديس في خطين كل خمسة في دائرة يفصل بينهما وبين الخمسة الأخرى فاصل ثم يأتي الخط الثاني وراء فرجات الخط الأول واتبع الروم في قتالهم الترتيب التالي:
-الرماة في المقدمة واجبهم أن ينشبوا القتال ثم الانسحاب إلى الوراء الاجنحة.
-الخيالة بالجناحين واجبهم حماية الرماة حتى انسحابهم من الخلف.
-الكراديس (المشاة) واجبهم الاقتحام.
قائد المقدمة جرجه.
قائد الجناحين ماهان والدراقص( ).
• المفاوضات قبل القتال:
ولما تقارب الناس تقدم أبو عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان نحو جيش الروم، ومعهما ضرار بن الأزور، والحارث بن هشام، ونادوا إنما نريد أميركم لنجتمع به، فأذن لهم في الدخول على تَذَارِق وإذا هو جالس في خيمة من حرير. فقال الصحابة: لانستحل دخولها، فأمر لهم بفراش بسط من حرير، فقالوا: ولانجلس على هذه، فجلس معهم حيث أحبوا وتفاوضوا على الصلح، ورجع عنهم الصحابة بعدما دعوهم إلى الله عزوجل، فلم يتم ذلك( ).
وذكر الوليد بن مسلم، أن باهان طلب خالداً ليبرز إليه فيما بين الصفين فيجتمعا في مصلحة لهم. فقال باهان: إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم الجَهْد والجوع، فهلموا إلى أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاماً وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها، فقال خالد: إنه لم يخرجنا من بلادنا ماذكرت، غير أنا قوم نشرب الدماء، وأنه بلغنا أنه لادم أطيب من دم الروم، فجئنا لذلك. فقال أصحاب باهان: هذا والله ماكنا نحدث به عن العرب( ).
• إنشاب القتال:
لما تكامل الاستعداد، ولم تنجح المفاوضات تقدم خالد إلى عكرمة بن أبي جهل، والقعقاع بن عمرو -وهما على مجنبتي القلب- أن ينشبا القتال، فبدرا يرتجزان ودعوا إلى البِراز، وتنازل الأبطال، وتجاولوا وحمى الحرب وقامت على ساق.
هذا وخالد مع كردوس من الحماة الشجعان الأبطال بين يدي الصفوف، والأبطال يتصاولون بين يديه، وهو ينظر ويبعث إلى كل قوم من أصحابه بما يعتمدونه من الأفاعيل، ويدبر أمر الحرب أتم التدبير( ).
• إسلام أحد قادة الروم في ميدان المعركة:
وخرج جَرجَه أحد الأمراء الكبار من الصف واستدعى خالد بن الوليد فجاء إليه حتى اختلفت أعناق فرسيهما، فقال جرجة: ياخالد، أخبرني فاصدقني ولاتكذبني، فإن الحر لايكذب، ولاتخادعني فإن الكريم لايخادع المسترسل بالله، هل أنزل الله على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاكه فلا تسلّه على أحد إلا هزمتهم؟ قال: لا، قال: فيم سميت سيف الله؟ قال: إن الله بعث فينا نبيه فدعانا فنفرنا منه ونأينا عنه جميعاً، ثم إن بعضنا صدّقه وتابعه وبعضنا كذّبه وباعده، فكنت فيمن كذّبه وباعده، ثم إن الله أخذ بقلوبنا، ونواصينا فهدانا به وبايعناه، فقال لي: أنت سيف من سيوف الله سله على المشركين( )، ودعا لي بالنصر، فسميت سيف الله بذلك فأنا أشد المسلمين على المشركين، فقال جرجة: ياخالد إلى ماتدعون؟ قال: إلى شهادة أن لاإله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، والاقرار بما جاء به من عند الله عزوجل. قال: فمن لم يجبكم؟ قال: فالجزية ونمنعهم. قال: فان لم يعطها قال: نؤذنه بالحرب، ثم نقاتله. قال: فما منزلة من يجيبكم ويدخل في هذا الأمر اليوم؟ قال: منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا، شريفنا، ووضيعنا، وأولنا، وآخرنا. قال جرجة: فلِمن دخل فيكم اليوم من الأجر مثل مالكم من الأجر والذخر؟ قال: نعم وأفضل. قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه؟ فقال خالد: إنا قبلنا هذا الأمر عنوة وبايعنا نبينا وهو حيّ بين أظهرنا، تأتيه أخبار السماء، ويخبرنا بالكتاب، ويرينا الآيات، وحق لمن رأى مارأينا، وسمع ماسمعنا أن يسلم ويبايع، وإنكم أنتم لم تروا مارأينا، ولم تسمعوا ماسمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونية، كان أفضل منا؟ فقال جَرجَة: بالله لقد صدقتني ولم تخادعني؟ قال: تالله لقد صدقتك وأن الله ولي ماسألت عنه. فعند ذلك قلب جَرجَة الترس ومال مع خالد وقال: علمني الإسلام، فمال به خالد إلى فسطاطه فسنّى عليه قِرْبة من ماء ثم صلى به ركعتين. وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد وهم يرون أنها منه حَمْلة فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية، عليهم عكرمة بن أبي جهل، والحارث بن هشام( ).
• ميسرة الروم تحمل على ميمنة المسلمين:
تقدمت صفوف الروم واقبلت كقطع الليل للقيام بهجوم عام على الجيش الإسلامي وحملت ميسرتهم على ميمنة المسلمين فانكشف قلب الجيش الإسلامي من ناحية الميمنة واستطاع الروم احداث ثغرة في صفوف المسلمين والتسلل إلى مؤخرتهم فصاح معاذ بن جبل: ياعباد الله المسلمين إن هؤلاء شدوا للشد عليكم ولا والله لايردهم إلا صدق اللقاء والصبر في البلاء. ثم نزل عن فرسه وقال من أراد أن يأخذ فرسي ويقاتل عليه فليأخذه وآثر بذلك أن يقاتل راجلاً مع المشاة( )، وثبتت قبائل الأزد ومذحج، وحضرموت وخولان، حتى صدوا أعداء الله ثم ركبهم من الروم أمثال الجبال، فزال المسلمون من الميمنة إلى القلب، وانكشف طائفة من الناس إلى العسكر، وثبت صُوْر من المسلمين عظيم يقاتلون تحت راياتهم، ثم تنادوا فتراجعوا حتى نَهْنَهوا من أمامهم من الروم، وأشغلوهم عن اتباع من انكشف من الناس، واستقبل النساء من انهزم من سَرعان الناس يضربنهم بالخشب والحجارة. فتراجع إلى مواقفهم( ).
فقال عكرمة بن أبي جهل: قاتلت رسول الله في مواطن وأفر منكم اليوم؟ ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه عَمُّه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أُثْبِتوا جميعاً جراحاً، وقتل منهم خلق، منهم ضرار بن الأزور ?( ).
وقد ذكر الواقدي وغيره أنهم لما صرعوا من الجراح استسقوا ماء، فجئ إليهم بشربة ماء فلما قرّبت إلى أحدهم نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فلما دفعت إليه نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعاً ولم يشربها أحد منهم رضي الله عنهم أجمعين.
ويقال إن أول من قتل من المسلمين يومئذ شهيداً رجل جاء إلى أبي عبيدة فقال: إني قد تهيأت لأمري فهل لك حاجة إلى رسول الله ?: قال: نعم، تقرئه عني السلام وتقول: يارسول الله إنا قد وجدنا ماوعدنا ربنا حقا، قال: فتقدم هذا الرجل حتى قتل رحمه الله. وثبت كل قوم على رايتهم حتى صارت الروم تدور كأنها الرحا، فلم تر يوم اليرموك إلا مُخّا ساقطا، ومعصماً نادراً، وكفاً طائرة من ذلك الموطن( ).
• ميمنة الروم تحمل على ميسرة المسلمين:
حملت ميمنة الروم بقيادة قناطر على ميسرة المسلمين حملة شديدة وكانت في ميسرة المسلمين قبائل كنانة، وقيس وخثم، وجذام وقضاعة وعاملة وغسان، فأزيلت عن مواضعها فانكشف قلب المسلمين من ناحية الميسرة، وركب الروم اكتاف من انهزم من المسلمين وتبعوهم حتى دخلوا معسكر المسلمين فاستقبلتهم نساء المسلمين بالحجارة واعمدة الخيام يضربنهم على وجوههم ويقلن لهم: أين عز الإسلام والامهات والازواج أين تفرون وتدعوننا للعلوج؟ فإذا زجرنهم خجل أحدهم من نفسه ورجع إلى القتال وقتلوا من الروم خلقاً كثيراً واستشهد في هذه المرحلة سعيد بن زيد، وحاولت ميسرة الروم مرة أخرى بشن الهجوم على ميمنة المسلمين: فشدوا على عمرو بن العاص وجنده في محاولة اختراق الصفوف لكي يقوموا بعملية التطويق، وقاتل عمرو وجنده عن مواضعهم إلا أن الروم تمكنوا من دخول معسكرهم ونزلت المسلمات من التل وأخذن يضربن وجوه الرجال المراجعين وقالت ابنة عمرو: قبح الله رجلا يفر عن حليلته، وقبح الله رجلا يفر عن كريمته، وقالت اخريات: لستم بعولتنا إن لم تمنعونا، وبذلك ارتدت إلى المسلمين عزائمهم ودخلوا القتال مرة أخرى وحمل المسلمون على الروم من جديد حتى أزاحوهم عن المواضع التي كسبوها( ).
• الحركة الافراجية والقضاء على مشاة الروم:
حمل خالد بمن معه من الخيالة على الميسرة التي حملت على ميمنة المسلمين فأزلوهم إلى القلب، فقتل من الروم في حملته هذه ستة آلاف، ثم قال: والذي نفسي بيده لم يبقى عندهم من الصبر والجَلَد غير مارأيتم، وإني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم، ثم اعترضهم فحمل بمائة فارس معه على نحو من مائة الف فما وصل إليهم حتى انقضّ جميعهم، وحمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد، فانكشفوا وتبعهم المسلمون لايمتنعون منهم( )، وقامت ميمنة المسلمون بأغلاق المنافذ والثغرات في وجوه الروم وحصروا بين وادي اليرموك ونهر الزرقاء ودارت رحى المعركة وابلى المسلمون بها بلاءاً حسناً، واستطاع المسلمون أن يفصلوا فرسان الروم عن مشاتهم فحملوا على الروم وركبوا اكتافهم حتى ارهقوهم وبذلك اراد فرسان الروم مخرجاً لهم للفرار منه وبذلك امر خالد عمرو بن العاص بفسح المجال لهم في طريق الهرب ففعل ذلك وهرب فرسان الروم وبذلك تحرك مشاة الروم دون غطاء من خيالتهم فجاء المشاة إلى الخنادق وهم مقيدين بالسلاسل حتى صاروا كأنهم حائط وقد هدم وجاءهم المسلمون إلى خندقهم في ظلام الليل واخذ معظمهم ينهار بالوادي فإذا منهم شخص قتل سقط معه الجميع الذين كانوا مقيدين معه وقتل منهم المسلمون في هذه المرحلة خلقاً كثيراً قدر عددهم بمئة ألف وعشرون ألفا والناجون منهم قد انسحب منهم إلى فحل والقسم الآخر إلى دمشق داخل بلاد الشام( ).
وثبت يومئذ يزيد بن أبي سفيان، وقاتل قتالاً شديداً، وذلك أن أباه مرّ به فقال له: يابني عليك بتقوى الله والصبر، فإنه ليس رجل بهذا الوادي من المسلمين إلا محقوقاً بالقتال، فكيت بك وبأشباهك الذين ولوا المسلمين؟ أولئك أحق الناس بالصبر والنصيحة، فاتق الله يابني ولايكونن أحد من أصحابك بأرغب في الأجر والصبر في الحرب، ولا أجرأ على عدو الإسلام منك. فقال: أفعل إن شاء الله فقاتل يومئذ قتالاً شديداً وكان من ناحية القلب ?( )، وقال سعيد ابن المسيب عن أبيه قال: هدأت الأصوات يوم اليرموك فسمعنا صوتا يكاد يملأ المعسكر يقول: يانصر الله اقترب، الثبات الثبات يامعشر المسلمين، قال: فنظرنا فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد( )، وأخر الناس صلاتي العشاء حتى استقر الفتح( )، وأكمل خالد ليلته في خيمة تَذَارِق أخي هرقل-وهو أمير الروم كلهم يومئذ-( )، وهرب فيمن هرب وباتت الخيول تجول حول خيمة خالد يقتلون من مَرّ بهم من الروم حتى أصبحوا، وقتل تَذارِق وكان له ثلاثون سرادقاً، وثلاثون رواقاً من ديباج بما فيها من الفرش والحرير، فلما كان الصباح حازوا ماكان هنالك من الغنائم( )، وكان عدد شهداء المسلمين بثلاثة آلاف بينهم من صحابة النبي ? وشيوخ المسلمين وأقطابهم وممن استشهد من هؤلاء عكرمة بن أبي جهل وابنه عمرو وسلمة بن هشام، وعمرو بن سعيد، وأبان بن سعيد وغيرهم( )، وكان عدد قتلى الروم بمائة وعشرون ألفا ثمانون ألف مقيد بالسلاسل واربعين الف مطلق سقطوا جميعهم في الوادي( )، لقد فرح المسلمون بهذا النصر العظيم، وعكّر ذلك الفرح وصول خبر وفاة الصديق حيث حزنوا عليه حزناً شديداً، وعوضهم الله تعالى بالفاروق رضي الله عنهم أجميعن( )، وقد كان البريد قد قدم بموت الصديق والمسلمون مصافو الروم فكتم خالد ذلك عن المسلمين لئلا يقع في صفوفهم وهن أو ضعف، فلما تم النصر وأصبحوا أجلى لهم الأمر، وكان الفاروق قد عين أبا عبيدة بن الجراح بدلا من خالد بن الوليد على جيوش الشام، وتقبل خالد أمر الفاروق برحابة صدر( )، وعزّى المسلمين في خليفة رسول الله وقال لهم: الحمد لله الذي قضى على أبي بكر بالموت، وكان أحب إليّ من عمر، والحمد لله الذي ولى عمر وكان أبغض إلي من أبي بكر وألزمني حبه( )، وتولى أبو عبيدة القيادة العامة لجيوش الشام.
ومما قيل من الأشعر في يوم اليرموك قول القعقاع بن عمرو:
ألم تَرنا على اليرموك فُزنا
كما فُزنا بأيام العراق
وعذراء المدائن قد فتحنا
ومرجَ الصفرِ بالجرد العتاق( )
فتحنا قبلها بُصرى وكانت
محرمة الجناب لدى النعاق( )
قتلنا من أقام لنا وفينا
نهابُهُمُ بأسياف رقاق
قتلنا الروم حتى ما تساوى
على اليرموك معروق الوراق
فضضنا جمعهم لما استجالوا
على الواقوص بالبتر الرقاق( )
غداة تهافتوا فيها فصاروا
إلى أمرٍ يعضّلُ بالذواق( )
وقد أصاب هرقل هما وحزناً، لما أصاب جيشه في اليرموك ولما قدمت على أنطاكية فلول جيشه قال هرقل: ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشراً مثلكم؟ قالوا: بلى فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافاً في كل موطن. قال فما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر، ونزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغضب ونظلم ونأمر بالسخط وننهى عمّا يرضى الله ونفسد في الأرض، فقال: أنت صدقتني( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق