219
عصر الخلفاء الراشدين (1) أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره
الفصل الرابع : فتوحات الصديق واستخلافه لعمر رضي الله عنهم ووفاته
المبحث الثانى : فتوحات الصديق بالشام
ثالثاً: عقد الصديق الألوية للقادة وتوجيه الجيوش:
عزم الصديق على تسيير الجيوش لبلاد الشام، فدعا الناس إلى الجهاد، وعقد الألوية لأربعة جيوش أرسلها لفتح الشام وهي:
1-جيش يزيد بن أبي سفيان:
وهو أول الجيوش التي تقدمت إلى بلاد الشام وكانت مهمته الوصول إلى دمشق وفتحها ومساعدة الجيوش الأربعة عند الضرورة وكان جيش يزيد أول الأمر ثلاثة آلاف ثم عززه الخليفة بالإمدادات حتى صار معه بحدود السبعة آلاف رجل، وقبل رحيل جيش يزيد أوصاه الخليفة أبو بكر وصية بليغة عالية المستوى تشتمل على حكم باهرة في مجالي الحرب والسلم، وشيّعه ماشياً وأوصاه بما يأتي: إني قد وليتك لأبلوك وأجرِّبك وأخَرجِّك، فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك، وإن أسأت عزلتك، فعليك بتقوى الله فإنه يرى من باطنك مثل الذي من ظاهرك، وإن أولى الناس بالله أشدُّهم توليا له، وأقرب الناس من الله أشدُّهم تقربا بعمله، وقد وليتك عمل خالد( )، فإياك وعبِّية الجاهلية( )، فإن الله يبغضها ويبغض أهلها، وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم، وابدأهم بالخير وعدهم إياه، وإذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضا، وأصلح نفسك يصلح لك الناس، وصلِّ الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها، وإذا قدم عليكم رسل عدوك فأكرمهم، وأقْلل لُبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به، ولاترينَّهم فيروا خَلَكَ( )، ويعملوا علمك، وأنزلهم في ثروة عسكرك( )، وامنع من قبَلَك من محادثتهم وكن أنت المتولي لكلامهم، ولاتجعل سرك لعلانتيك فيخلط أمرك، وإذا استشرت فاصدق الحديث تُصدق المشورة، ولاتخزُن عن المشير خبرك فتُوْتى من قبل نفسك، واسمر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار، وتنكشف عندك الأستار وأكثر حرسك، وبدِّدهم في عسكرك، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك، فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه، وعاقبه في غير إفراط، وأعقب بينهم بالليل، واجعل النَّوبة الأولى أطول من الأخيرة، فإنها أيسرهما لقربهما من النهار، ولاتَخَفْ من عقوبة المستحق، ولاتلجَّنَّ فيها، ولاتسرع إليها، ولاتتخذ لها مدفعا، ولاتغفل عن أهل عسكرك فتفسده، ولاتجسسّ عليهم فتفضحهم، ولاتكشف الناس عن أسرارهم، واكتف بعلانيتهم، ولاتجالس العبَّاثين، وجالس أهل الصدق والوفاء،واصدق اللقاء ولاتجبن فيجبن الناس، واجتنب الغلول فإنه يقرب الفقر، ويدفع النصر، وستجدون أقواماً حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وماحبسوا أنفسهم له قال ابن الاثير وهذه من أحسن الوصايا وأكثرها نفعا لولاة الأمر( ) ومن فوائد هذه الوصية:
• أن الولايات والمناصب ليست حقا ثابتاً لأصحابها وإنما بقاؤهم فيها مرهون بالإحسان والنجاح في العمل، ومن واجب المسئول الأعلى أن يَعْزلهم إذا أساؤوا، وإن هذا الشعور يدفع صاحب العمل إلى مضاعفة الجهد في بذل الطاقة ليصل إلى مستوى أعلى من النجاح في العمل، أما إذا ضمن البقاء فإنه قد يميل إلى الكسل والاشتغال بمتاع الدنيا، فيخل بمسئوليته ويعرَّض من تحت ولايته إلى أنواع من الفساد والفوضى والنزاع.
• إن تقوى الله عزوجل هي أهم عوامل النجاح في العمل، لأن الله تعالى مطلع على ظاهر أعمال الناس وباطنهم، فإذا اتقوه في باطنهم فَحَريٌّ بهم أن يتقوه في ظاهرهم، وبذلك يتجنب الوالي كل مظاهر الفساد والإفساد، التي تكون عادة من الاستجابة للعواطف الجامحة التي لاتلتزم بتقوى الله تعالى.
• التحذير من التعصب للآباء والأجداد والأقوام، فإن التعصب لذلك قد يحمل الإنسان على الإنحراف على الطريق المستقيم، إذا كان ماعليه الآباء والأجداد مخالفاً للاستقامة، إضافة إلى أنه يضعف من الانتماء للرابطة الإسلامية الوحيدة وهي الأخوة في الله تعالى.
• الإيجاز في الموعظة فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضا، فيضيع المقصود، ويغلب على السامع الإعجاب ببلاغة المتكلم إن كان بليغاً عن استيعاب مايقول والاستفادة من مواعظه، وإن لم يكن بليغاً فإن الملل يأخذ بالسامع فلايعي مايقول المتكلم.
• إذا أصلح المسئول نفسه وتفقد عيوبه وجعل من نفسه نموذجاً صالحاً للقدوة الحسنة فإن ذلك يكون سبباً في صلاح من هم تحت رعايته.
• الاهتمام بإقامة الصلاة كاملة مظهراً ومَخْبَراً، مَظْهَراً من ناحية إكمال أقوالها وأفعالها، ومَخْبَراً من ناحية الخشوع فيها وحضور القلب مع الله تعالى، فإن هذه الصلاة الكاملة يقام بها ذكر الله في الأرض، وتهذّب السلوك، وتقوِّي القلوب، وتبعث على ارتياح النفوس، وتعتبر ملاذاً للمسلم عند الشدائد.
• إكرام رسل العدو إذا قدموا، مع الاحتراس منهم، وعدم تمكينهم من معرفة واقع الجيش الإسلامي، فإكرامهم نوع من الدعوة إلى الإسلام فيما إذا عرف العالم مايتحلى به المسلمون من مكارم الأخلاق، ولكن لايصل هذا الإكرام إلى حد إطلاعهم على بطانة أمور المسلمين، بل ينبغي إطلاعهم على قوة جيش المسلمين ليُرهبوا بذلك أقوامهم( ).
• الاحتفاظ بالأسرار، وعدم التهاون بإفشائها، خاصة فيما يتعلق بأمور المسلمين العامة، فإن الحكيم يستطيع التصرف في الأمور وإن تغيرت وجوهها مادام سرُّه حبيساً في ضميره، فإذا أفشاه اختلطت عليه الأمور ولم يستطع التحكم فيها.
• إتقان المشورة أهم من النظر في نتائجها فإن المستشار وإن كان حصيف الرأي ثاقب الفكر فإنه لايستطيع أن يفيد من استشاره حتى ينكشف له أمره بغاية الوضوح، فإذا أخفى المستشير بعض تفاصيل القضية فإنه يكون قد جنى على نفسه، حيث قد يتضرر بهذه المشورة.
• أن على القائد وكل مسئول أن يكون مخالطاً لمن ولي أمرهم على مختلف طبقاتهم ليكون دقيق الخبرة بأمورهم، وفي هذا أكبر العون له على تصور مشكلاتهم والمبادرة بإيجاد الحلول لها، أما المسئول الذي يعيش في عزلة ولايختلط إلا بأفراد من كبار رعيته، فإنه لايصل إليه من المعلومات إلا من كان من طريق هؤلاء، وقد لايكشفون له الأمور بكل تفصيلاتها، وقد يحللون له الأمور على غير وجهها الصحيح.
• الاهتمام بأمر حراسة المسلمين خاصة من مكامن الخطر، واختبار الحراس الأمناء من ذوي النباهة، وعدم وضع الثقة الكاملة بهم، بل لابد من الرقابة عليهم حتى لايُؤتي المسلمون من قبلهم.
• أن يسلك المسئول في عقاب المخالف مسلكاً وسطا، فلايتهاون فيترك عقوبة المستحق، فإن ذلك يجرِّئه على مزيد من المخالفة، ويجرئ غيره على ارتكاب المخالفات، فتسود الفوضى وينفلت الأمر، ولايشتدُّ في العقوبة فينفِّر الرعية، ويدفعهم إلى التسخط والتحزب، بل تكون عقوبته بحكمة واتزان وبعد النظر والتروي بحيث تؤدي غرضها التربوي بدون إثارة ضجة، ولادفع إلى النقد والتسخط( ).
• أن يكون لدى المسئول يقظة وانتباه لكل مايجري في حدود المسئولية المناطة به حتى يشعر أفراد الرعية بأن هناك اهتماماً بأمورهم فيزيد المحسن إحساناً ويقتصر المسئ عن الإساءة، ولكن بدون تجسس عليهم فإن ذلك يعتبر فضيحة لهم، وقد ينقطع بذلك خيط العلاقة الذي يربط المسئول بأفراد رعيته، من المودة والإعجاب والشكر على الجميل، وهذا الخيط مادام قائماً فإنه يمنع أصحاب الجنوح من إرتكاب المخالفات التي تفسد المجتمع وتحدث الفوضى، فإذا انقطع ولم يكن هناك عاصم من تقوى الله تعالى فإن أهم الحواجز التي تحول دون الإنطلاق وراء الشهوات تكون قد تحطمت، ويصعب بعد ذلك علاج الأمور لأنها تحتاج الى قوة رادعة وهذه لها سلبياتها المعروفة.
• أن يحرص المسئول على مجالسة أهل الصدق والوفاء والعقول الراجحة، وإن سمع منهم مايكره أحياناً من النقد والتوجيه، فإن ذلك يعود عليه وعلى من استرعاه الله أمرهم بالنفع، وأن يجالس أصحاب اللهو والأهداف الدنيوية فإن هؤلاء وإن أنس بكلامهم وثنائهم فإنهم يحولون بينه وبين التفكير في الأمور الجادة، فلا يستفيق بعد ذلك إلا والنكبات قد حلت به وبمن ولي أمورهم.
• أن يصدق القائد في لقاء الأعداء وأن لايجبن، فإن جُبنه يسري على جنده فيقع بذلك الفشل والهزيمة، وفي غير الحرب أن يكون المسؤول شجاعاً في مواجهة المواقف، وأن لايضعف فيسري ضعفه على من هم تحت إدارته من العاملين، فيقل بذلك مستوى الأداء ويضعف الإنتاج.
• أن يتجنب القائد الغلول، وهو الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها هذا في مجال الحرب، وفي مجالات السلم أن يتجنب المسؤول أية استفادة دنيوية من علمه لا تحل له شرعاً، مثل أخذ الهدايا التي يقصد لها دفعها الاستفادة من المسؤول في مجانبة الحق، فإن ذلك من الغلول، والغلول كما جاء في هذه الوصية يقرب الى الفقر، ويدفع النصر.
• ومن هذه الفوائد تبين لنا عظمة هذه الوصية التي أوصى بها أبوبكر ? أحد قواده، وهي تبين لنا أنه كان يعيش بفكره مع قضايا المسلمين وأنه كان يتصور ماقد يواجهه قواده فيحاول تزويدهم بما ينفعهم في تلافي الوقوع في المشكلات، وحلها إذا وقعت، وهذه الوصية وأمثالها تسجِّل إضافة جديدة لمواقف أبي بكر المتعددة( ) الأنواع، فإذا تأملت إدارته للحكم وجدت رجلاً بارعاً في أمور السياسة، وإذا رأيت توجيهه للقادة العسكريين تجده رجلاً بارعاً في شؤون الحرب، وكأنه مع القادة في الميادين، وإذا رأيت رحمته وتأليفه للقلوب رأيت رجلاً بارعاً في الدعوة الى الله تعالى، فهو الرجل الرحيم بالمؤمنين، الرافع لشأن أهل البلاء والصدق منهم، الخبير بأهل الكفاءة والقدرة، القوي الحازم على أعداء الله من المنافقين والكافرين( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق