1599
البداية والنهاية ( ابن كثير ) الجزء التاسع
وقال إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن مهاجر، قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ! إنه لا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد عليه السلام، وإني لست بقاض ولكني منفذ، وإني لست بمبتدع ولكني متبع، إن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم إلا أن الإمام الظالم هو العاصي، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق عز وجل. وفي رواية أنه قال فيها: وإني لست بخير من أحد منكم، ولكنني لأثقلكم حملاً، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الله، ألا هل أسمعت؟
وقال أحمد بن مروان، ثنا أحمد بن يحيى الحلواني، ثنا محمد بن عبيد، ثنا إسحاق بن سليمان، عن شعيب بن صفوان، حدثني ابن لسعيد بن العاص، قال: كان آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنكم لم تخلقوا عبثاً، ولم تتركوا سدىً، وإن لكم معاداً ينزل الله فيه للحكم فيكم والفصل بينكم، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله تعالى، وحرم جنة عرضها السموات والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمن غداً إلا من حذر اليوم الآخر وخافه، وباع فانياً بباق، ونافداً بما لا نفاد له، وقليلاً بكثير، وخوفاً بأمان، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيكون من بعدكم للباقين، كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين، ثم إنكم في كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله لا يرجع، قد قضى نحبه حتى تغيبوه في صدع من الأرض، في بطن صدع غير موسد ولا ممهد، قد فارق الأحباب، وواجه التراب والحساب، فهو مرتهن بعمله، غني عما ترك، فقير لما قدم، فاتقوا الله قبل القضاء، راقبوه قبل نزول الموت بكم، أما إني أقول هذا، ثم وضع طرف ردائه على وجهه فبكى وأبكى من حوله. وفي رواية: وأيم الله إني لأقول قولي هذا ولا أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما أعلم من نفسي، ولكنها سنن من الله عادلة أمر فيها بطاعته، ونهى فيها عن معصيته، وأستغفر الله، ووضع كمه على وجهه فبكى حتى بل لحيته، فما عاد لمجلسه حتى مات رحمه الله.
وروى أبو بكر بن أبي الدنيا، عن عمر بن عبد العزيز، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم وهو يقول: ((أدن يا عمر، فدنوت حتى خشيت أن أصيبه، فقال: إذا وليت فاعمل نحواً من عمل هذين، فإذا كهلان قد اكتنفاه، فقلت: ومن هذان؟ قال: هذا أبو بكر وهذا عمر)).
وروينا أنه قال لسالم بن عبد الله بن عمر: اكتب لي سيرة عمر حتى أعمل بها، فقال له سالم: إنك لا تستطيع ذلك، قال: ولم؟ قال : إنك إن عملت بها كنت أفضل من عمر، لأنه كان يجد على الخير أعواناً وأنت لا تجد من يعينك على الخير.
وقد روى أنه كان نقش خاتمه لا إله إلا الله وحده لا شريك، له وفي رواية آمنت بالله، وفي رواية الوفاء عزيز.
وقد جمع يوماً رؤوس الناس فخطبهم فقال: إن فدك كانت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضعها حيث أراه الله، ثم وليها أبو بكر وعمر كذلك، قال الأصمعي: وما أدري ما قال في عثمان، قال: ثم إن مروان أقطعها فحصل لي منها نصيب، ووهبني الوليد وسليمان نصيبهما، ولم يكن من مالي شيء أرده أغلى منها، وقد رددتها في بيت المال على ما كانت عليه في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم. (ج/ص: 9/225) قال: فيئس الناس عند ذلك من المظالم، ثم أمر بأموال جماعة من بني أمية فردها إلى بيت المال وسماها أموال المظالم، فاستشفعوا إليه بالناس وتوسلوا إليه بعمته فاطمة بنت مروان فلم ينجع فيه شيء، وقال لهم: لتدعني وإلا ذهبت إلى مكة فنزلت عن هذا الأمر لأحق الناس به، وقال: والله لو أقمت فيكم خمسين عاماً ما أقمت فيكم إلا ما أريد من العدل، وإني لأريد الأمر فما أنفذه إلا مع طمع من الدنيا حتى تسكن قلوبهم.
وقال الإمام أحمد، عن عبد الرزاق، عن أبيه، عن وهب بن منبه، أنه قال: إن كان في هذه الأمة مهدي فهو عمر بن عبد العزيز، ونحو هذا قال قتادة وسعيد بن المسيب وغير واحد. وقال طاووس: هو مهدي وليس به، إنه لم يستكمل العدل كله، إذا كان المهدي ثبت على المسيء من إساءته، وزيد المحسن في إحسانه، سمح بالمال شديد على العمال رحيم بالمساكين.
وقال مالك، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: الخلفاء أبو بكر والعمران، فقيل له: أبو بكر وعمر قد عرفناهما، فمن عمر الآخر؟ قال يوشك إن عشت أن تعرفه، يريد عمر بن عبد العزيز، وفي رواية أخرى عنه أنه قال: هو أشج بني مروان.
وقال عباد السماك وكان يجالس سفيان الثوري: سمعت الثوري يقول: الخلفاء خمسة، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز. وهكذا روي عن أبي بكر بن عياش والشافعي وغير واحد.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق