إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 4 أبريل 2015

1598 البداية والنهاية ( ابن كثير ) الجزء التاسع


1598

البداية والنهاية ( ابن كثير ) الجزء التاسع

وقد اختلف العلماء في مثل هذا الصنيع في الرجل يوصي الوصية في كتاب ويشهد على ما فيه من غير أن يقرأ على الشهود‏.‏ ثم يشهدون على ما فيه فينفذ، فسوغ ذلك جماعات من أهل العلم، قال القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري‏:‏ أجاز ذلك وأمضاه وأنفذ الحكم به جمهور أهل الحجاز، وروى ذلك عن سالم بن عبد الله‏.‏ وهو مذهب مالك ومحمد بن مسلمة المخزومي ومكحول، ونمير بن أوس وزرعة بن إبراهيم، والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز، ومن وافقهم من فقهاء الشام‏.‏

وحكى نحو ذلك خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه وقضاة جنده، وهو قول الليث بن سعد فيمن وافقه من فقهاء أهل مصر والمغرب، وهو قول فقهاء أهل البصرة وقضاتهم‏.‏

وروى عن قتادة وعن سوار ابن عبد الله وعبيد الله بن الحسن ومعاذ بن معاذ العنبري فيمن سلك سبيلهم، وأخذ بهذا عدد كثير من أصحاب الحديث، منهم أبو عبيد وإسحاق بن راهويه‏.‏ قلت‏:‏ وقد اعتنى به البخاري في صحيحه‏.‏

قال المعافى‏:‏ وأبي ذلك جماعة من فقهاء العراق، منهم إبراهيم وحماد والحسن، وهو مذهب الشافعي وأبي ثور، قال‏:‏ وهو قول شيخنا أبي جعفر، وكان بعض أصحاب الشافعي بالعراق يذهب إلى القول الأول، قال الجريري‏:‏ وإلى القول الأول نذهب‏.‏

وتقدم أن عمر بن عبد العزيز لما رجع من جنازة سليمان أتى بمراكب الخلافة ليركبها فامتنع من ذلك وأنشأ يقول‏:‏

فلولا التقى ثم النهى خشية الردى * لعاصيت في حب الصبا كل زاجر

قضى ما قضى فيما مضى ثم لا ترى * له صبوة أخرى الليالي الغوابر

ثم قال‏:‏ ما شاء الله لا قوة إلا بالله‏.‏ قدموا إليَّ بغلتي، ثم أمر ببيع تلك المراكب الخليفية فيمن يزيد، ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/223‏)‏ وكانت من الخيول الجياد المثمنة، فباعها وجعل أثمانها في بيت المال‏.‏

قالوا‏:‏ ولما رجع من الجنازة وقد بايعه الناس واستقرت الخلافة باسمه، انقلب وهو مغتم مهموم، فقال له مولاه‏:‏ مالك هكذا مغتماً مهموماً وليس هذا بوقت هذا‏؟‏ فقال‏:‏ ويحك ومالي لا أغتم وليس أحد من أهل المشارق والمغارب من هذه الأمة إلا وهو يطالبني بحقه أن أؤديه إليه، كتب إليَّ في ذلك أو لم يكتب، طلبه مني أو لم يطلب‏.‏

قالوا‏:‏ ثم إنه خير امرأته فاطمة بين أن تقيم معه على أنه لا فراغ له إليها، وبين أن تلحق بأهلها، فبكت وبكى جواريها لبكائها، فسمعت ضجة في داره، ثم اختارت مقامها معه على كل حال رحمها الله‏.‏

وقال له رجل‏:‏ تفرغ لنا يا أمير المؤمنين، فأنشأ يقول‏:‏

قد جاء شغل شاغل * وعدلت عن طريق السلامة

ذهب الفراغ فلا فرا * غ لنا إلى يوم القيامة

وقال الزبير بن بكار‏:‏ حدثني محمد بن سلام، عن سلام بن سليم، قال‏:‏ لما ولي عمر بن عبد العزيز صعد المنبر وكان أول خطبة خطبها حمد الله وأثنى عليه ثم قال‏:‏ أيها الناس من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فليفارقنا‏:‏ يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا من الخير على ما لا نهتدي إليه، ولا يغتابن عندنا أحداً، ولا يعرض فيما لا يعنيه‏.‏

فانقشع عنه الشعراء والخطباء وثبت معه الفقهاء والزهاد، وقالوا‏:‏ ما يسعنا أن نفارق هذا الرجل حتى يخالف فعله قوله‏.‏

وقال سفيان بن عيينة‏:‏ لما ولي عمر بن عبد العزيز بعث إلى محمد بن كعب ورجاء بن حيوة وسالم بن عبد الله فقال لهم‏:‏ قد ترون ما ابتليت به وما قد نزل بي، فما عندكم‏؟‏

فقال محمد بن كعب‏:‏ اجعل الشيخ أباً، والشاب أخاً، والصغير ولداً، وبر أباك، وصل أخاك، وتعطف على ولدك‏.‏

وقال رجاء‏:‏ ارض للناس ما ترضى لنفسك، وما كرهت أن يؤتى إليك فلا تأته إليهم، واعلم أنك أول خليفة تموت‏.‏

وقال سالم‏:‏ اجعل الأمر واحداً وصم فيه عن شهوات الدنيا، واجعل آخر فطرك فيه الموت‏.‏ فكأن قد‏.‏

فقال عمر‏:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله‏.‏

وقال غيره‏:‏ خطب عمر بن عبد العزيز يوماً الناس فقال - وقد خنقته العبرة -‏:‏ أيها الناس أصلحوا آخرتكم يصلح الله دنياكم، وأصلحوا أسراركم يصلح لكم علانيتكم، والله إن عبداً ليس بينه وبين آدم أب إلا قد مات، إنه لمعرق له في الموت‏.‏

وقال في بعض خطبه‏:‏ كم من عامر موثق عما قليل يخرب، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن‏.‏ فأحسنوا رحمكم الله من الدنيا الرحلة بأحسن ما يحضر بكم من النقلة، بينما ابن آدم في الدنيا ينافس قرير العين فيها يانع، إذ دعاه الله بقدره، ورماه بسهم حتفه، فسلبه أثارة دنياه، وصبر إلى قوم آخرين مصانعه ومغناه، إن الدنيا لا تسر بقدر ما تضر، تسر قليلاً وتحزن طويلاً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/224‏)‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق