216
تاريخ الخلفاء الراشدين (4)سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ? شخصيته وعصره دراسة شاملة
الفصل الثالث : بيعة على رضي الله عنه وأهم صفاته وحياته في المجتمع
المبحث الثالث: حياته في المجتمع واهتمامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
أولاً: دعوته للتوحيد ومحاربته للشرك:
إن حياة أمير المؤمنين على بن أبي طالب عامرة بالدعوة إلى توحيد الله تعالى، وتعريف الناس معاني الإيمان، والاعتماد والتوكل على الله والخوف منه سبحانه وتعالى، والتعريف به من خلال أسمائه الحسنى وصافته العلى، ومحاربته للشرك بجميع أشكاله وأنواعه، ومن خلال توجيهه وتعليمه وتربيته للناس على دعوة التوحيد ومحاربة الشرك أمور منها:
ح- كيفية بداية الإيمان في القلب عند أمير المؤمنين على بن أبي طالب، وتعريفه للتقوى:
قال أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه: إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب، فكلما ازداد العبد إيمانًا ازداد القلب بياضًا، وكلما ازداد العبد نفاقًا ازداد القلب سوادًا، حتى إذا استكمل العبد النفاق اسود القلب، وايم الله لو شققتم عن قلب المؤمن لوجدتموه أبيض، ولو شققتم عن قلب المنافق والكافر لوجدتموه أسود( ) .
وقد بين علماء أهل السنة حقيقة الإيمان فقالوا بأن الإيمان هو التصديق بالقلب والنطق بالشهادتين والعمل بالجوارح والأركان، أي هو: اعتقاد وقول وعمل، فهذه الثلاثة كلها مندرجة فيه وتمثل أجزاء من حقيقته، وقد تواترت أقوال العلماء ومن بعدهم على هذه الحقيقة واستدلوا بأدلة كثيرة من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية على صحة هذا القول في حقيقة الإيمان( ), قال تعالى: + إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ? الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ? أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا " [الأنفال: 2-4]. فقد جمعت هذه الآيات- وهي تعرض صفات المؤمنين – بين عمل القلب وعمل الجوارح، واعتبرت هذا كله إيمانًا، وقصرت الإيمان عليه بأداة القصر والحصر (إنما) وعرفت المؤمنين بتلك الصفات مجتمعة، عندما ضمنتها بعبارة +أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا" وأعمال الجوارح في هذه الصفات هي: إقامة الصلاة والإنفاق في سبيل الله( ).
وقال رسول الله ×: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان»( ) . والشاهد في الحديث ما ذكره رسول الله ×، فالشهادة قول, وإماطة الأذى عن الطريق عمل، والحياء خلق وسلوك، وجعل الثلاثة من الإيمان دليل على حقيقته، ومعظم شعب الإيمان هي أعمال( ), وقال الإمام البخاري في صحيحة: هو قول وفعل يزيد وينقص، والحب في الله والبغض في الله من الإيمان. وقال عمر ابن عبد العزيز: إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا، فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن مت فما أنا على صحبتكم بحريص( ), وما قاله أمير المؤمنين في الإيمان لما سئل عنه: «الإيمان على أربع دعائم: على الصبر واليقين والعدل والجهاد، والصبر منها على أربع شعب: على الشوق والشفق والزهد والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار اجتنب المحرمات، ومن زهد في الدنيا استهان بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات، واليقين منها على أربع شعب: على تبصرة الفطنة، وتأول الحكمة، وموعظة العبرة، وسنة الأولين، فمن تبصر في الفطنة تبينت له الحكمة، ومن تبينت له الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكأنما كان في الأولين. والعدل منها على أربع شعب: على غائض الفهم، وغور العلم، وزهرة الحكم، ورساخة الحلم، فمن فهم علم غور العلم، ومن علم غور العلم صدر عن شرائع الحكم، ومن حلم لم يفرط في أمره وعاش بين الناس حميدًا، والجهاد منها على أربع شعب: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والصدق في المواطن وشنئان الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهور المؤمنين، ومن نهى عن المنكر أرغم أنوف المنافقين، ومن صدق في المواطن قضى ما عليه، ومن شنئ الفاسقين وغضب لله غضب الله له وأرضاه يوم القيامة»( ). وقال أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه في تعريفه للتقوى: «ترك الإصرار على المعصية، وترك الاغترار بالطاعة»( ). وقال فيها: « التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل» ( ). ففي اهتمام أمير المؤمنين في حث الناس على التقوى ثمرات وآثار في جانب الفرد والمجتمع، منها: محبة الله له+اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ" [التوبة:4]، معية الله +إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ" [النحل:128]، الانتفاع بالقرآن +ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ" [البقرة:2]، الحفظ من الشيطان ووساوسه +إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ" [الأعراف:201]، انتفاء الخوف والحزن + فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" [الأعراف:35]، قبول العمل +إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ" [المائدة:27]، اليسر بعد العسر، والمخرج بعد الضيق +وَمَن يَّتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا" [الطلاق:2]، +وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا" [الطلاق:4]، الفراسة والحكمة والنور + يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا" [الأنفال:29]، دخول الجنة + وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِينَ" [آل عمران:133]، النجاة من النار + ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا" [مريم:72]، المنزلة العالية يوم القيامة( ) +وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [البقرة:212].
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق