163
تاريخ الخلفاء الراشدين (4)سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ? شخصيته وعصره دراسة شاملة
الفصل الثالث : بيعة على رضي الله عنه وأهم صفاته وحياته في المجتمع
المبحث الأول : بيعة على رضي الله عنه
رابعًا: انعقاد الإجماع على خلافة على رضي الله عنه:
وقد اعترض بعض الناس على الإجماع على خلافة على رضي الله عنه من وجوه:
1- تخلف عنه من الصحابة جماعة منهم سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة، وابن عمر وأسامة بن زيد وسواهم من نظرائهم( ).
2- إنما بايعوه على أن يقتل قتلة عثمان( ).
3- أن أهل الشام؛ معاوية ومن معه لم يبايعوه بل قاتلوه( )..
وهذه الاعتراضات لا تأثير لها على الإجماع المذكور، ولا توجب معارضته وذلك أنها مردودة من وجوه:
الوجه الأول: أن دعوى أن جماعة من الصحابة تخلفوا عن بيعته دعوة غير صحيحة إذ أن بيعته لم يتخلف أحد عنها، وأما نصرته فتخلف عنها قوم منهم من ذُكر لأنها كانت مسألة اجتهادية، فاجتهد كل واحد وأعمل نظره وأصاب قدره( ), وأما ما قاله ابن خلدون: إن الناس كانوا عند مقتل عثمان مفترقين في الأمصار، فلم يشهدوا بيعة على، والذين شهدوا فمنهم من بايع ومنهم من توقف حتى يجتمع الناس ويتفقوا على إمام كسعد وسعيد وابن عمر..إلخ( ), ما ذكر فهذا مبالغة من ابن خلدون رحمه الله، أما سعد بن أبي وقاص فقد نقل بيعته ابن سعد، وابن حبان، والذهبي( ) وغيرهم، وكذلك البقية قد بايعوا كما ذكرنا الإجماع في ذلك فيمن حضر من الصحابة في المدينة، على أن ابن خلدون نفسه نقل اتفاق أهل العصر الثاني من بعد الصحابة في المدينة على انعقاد بيعة على ولزومها للمسلمين أجمعين، وقد نقلت ما قاله ابن خلدون لأن كثيرًا من الكتاب والباحثين اعتمدوا عليه فيما بعد.
الوجه الثاني: أن عقد الخلافة ونصب إمام واجب لابد منه، ووقف ذلك على حضور جميع الأمة واتفاقهم مستحيل متعذر، فلا يجوز اشتراطه لإفضاء ذلك إلى انتفاء الواجب ووقوع الفساد اللازم من انتفائه( ).
الوجه الثالث: أن الإجماع حصل على بيعة أبي بكر بمبايعة الفاروق وأبي عبيدة ومن حضرهم من الأنصار مع غيبة على وعثمان وغيرهما من الصحابة، وكذلك حصل الإجماع على خلافة على بمبايعة سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأسامة بن زيد وعمار ومن حضرهم من البدريين وغيرهم من الصحابة، ولا يضر هذا الإجماع من غاب عن البيعة أو لم يبايع من غيرهم رضي الله عنهم جميعًا، قال الحسن البصرى: والله ما كانت بيعة على إلا كبيعة أبي بكر وعمر رضي الله عنهم( ).
الوجه الرابع: دعوى أنه إنما بويع على أن يقتل قتلة عثمان: هذا لا يصح في شرط البيعة وإنما يبايعونه على الحكم بالحق، وهو أن يحضر الطالب للدم، ويحضر المطلوب وتقع الدعوى، ويكون الجواب، وتقوم البينة ويقع الحكم( ) بعد ذلك. وأما الروايات التي تزعم أن طلحة والزبير وبعض الصحابة، رضوان الله عليهم، قد اشترطوا في بيعتهم لعلي إقامة الحدود، فهذا الخبر على ضعف سنده فإن في متنه مقالا( ), وفي ذلك يقول ابن العربى: فإن قيل بايعوه على أن يقتل قتلة عثمان، قلنا: هذا لا يصح في شرطه البيعة( ).
الوجه الخامس: أن معاوية – رضي الله عنه – لم يقاتل عليًا على الخلافة ولم ينكر إمامته وإنما كان يقاتل من أجل إقامة الحد الشرعي على الذين اشتركوا في قتل عثمان مع ظنه أنه مصيب في اجتهاده ولكنه كان مخطئا في اجتهاده ذلك، فله أجر الاجتهاد فقط( ). وقد ثبت بالروايات الصحيحة أن خلافه مع على – رضي الله عنه – كان في قتل قتلة عثمان ولم ينازعه في الخلافة، بل كان يقر له بذلك، فعن أبي مسلم الخولانى أنه جاء وأناس معه إلى معاوية وقالوا: أنت تنازع عليًا، هل أنت مثله؟ فقال: لا والله، إني لأعلم أنه أفضل مني، وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قُتل مظلومًا، وأنا ابن عمه والطالب بدمه فأتوه فقولوا له: فليدفع إلىَّ قتلة عثمان وأسلم له، فأتوا عليًا فكلموه فلم يدفعهم إليه( ), ويروي ابن كثير من طرق ابن ديزيل بسنده إلى أبي الدرداء وأبي أمامة – رضي الله عنهما-: أنهما دخلا على معاوية فقالا له: يا معاوية علام تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلامًا، وأقرب منك إلى رسول الله × وأحق بهذا الأمر منك، فقال: أقاتله على دم عثمان، وأنه آوى قتلته، فاذهبا إليه فقولا له: فليقدنا من قتلة عثمان، ثم أنا أول من أبايعه من أهل الشام( ).
والروايات في هذا كثيرة ومشهورة بين العلماء( ), وهى دالة على عدم منازعة معاوية لعلي- رضي الله عنهما- في الخلافة. ولهذا نص المحققون من أهل العلم على هذه المسألة وقرروها( ), ويقول إمام الحرمين الجوينى: إن معاوية وإن قاتل عليًا فإنه لا ينكر إمامته، ولا يدعيها لنفسه، وإنما كان يطلب قتلة عثمان ظنًا منه أنه مصيب وكان مخطئًا( ), ويقول ابن حجر الهيثمى: ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن ما جرى بين على ومعاوية – رضي الله عنهما- من الحروب فلم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة للإجماع على أحقيتها لعلي كما مر، فلم تهج الفتنة بسببها، وإنما هاجت بسبب أن معاوية ومن معه طلبوا من على تسليم قتلة عثمان إليهم، لكون معاوية ابن عمه فامتنع على( ), وسوف نبين موقف على رضي الله عنه من عدم تسليم قتلة عثمان في حينه، وإنما الشاهد هنا هو إثبات عدم مبايعة معاوية ليس اعتراضًا على شخص على. ويقول ابن تيمية: ومعاوية لم يدع الخلافة، ولم يبايع له بها حين قاتل عليًا، ولم يقاتل على أنه خليفة، ولا أنه يستحق الخلافة ويقرون له بذلك، وقد كان معاوية يقر بذلك لمن سأله عنه.. وكل فرقة من المتشيعين( ) مقرة مع ذلك بأنه ليس معاوية كفئًا لعلي بالخلافة، ولا يجوز أن يكون خليفة مع إمكان استخلاف على- رضي الله عنه-، فإن فضل على وسابقته وعلمه ودينه وشجاعته وسائر فضائله كانت عندهم ظاهرة معروفة( ), فثبت بهذا أنه لم ينازع عليًا- رضي الله عنه- أحد في الخلافة، لا من الذين خالفوه، ولا من غيرهم( ), فهذه الأقوال عن هؤلاء العلماء كلها في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في ترتيب الخلافة الراشدة، فلابد من الذود عنها والتبشير وتربية الأجيال عليها، والاعتزاز والافتخار في الانتساب إليها.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق