1683
البداية والنهاية ( ابن كثير ) الجزء التاسع
وروى داود بن عمر الضبي، عن ابن المبارك، عن معمر، عن سماك بن المفضل، عن وهب، قال: مثل الذي يدعو بغير عمل مثل الذي يرمي بغير وتر.
وقال ابن المبارك: أخبرني عمر بن عبد الرحمن بن مهرب، قال: سمعت وهباً، يقول: قال حكيم من الحكماء: إني لأستحي من الله عز وجل أن أعبده رجاء ثواب الجنة فقط، فأكون كالأجير السوء، إن أعطى عمل وإن لم يعط لم يعمل، وإني لأستحي من الله أن أعبده مخافة النار فقط، فأكون كالعبد السوء إن رهب عمل وإن ترك لم يعمل، وإني ليستخرج مني حب الله ما لا يستخرج مني غيره.
وقال السري بن يحيى: كتب وهب إلى مكحول: إنك قد أصبت بما ظهر من علم الإسلام عند الناس محبة وشرفاً، فاطلب بما بطن من علم الإنسان عند الله محبة وزلفى، واعلم أن إحدى المحبتين تمنع الأخرى - أو قال: سوف تمنعك الأخرى -.
وقال زافر بن سليمان: عن أبي سنان الشيباني، قال: بلغنا أن وهب بن منبه، قال: قال لقمان لابنه: يا بني اتخذ طاعة الله تجارة تريد بها ربح الدنيا والآخرة، والإيمان سفينتك التي تحمل عليها، والتوكل على الله شراعها، والدنيا بحرك، والأيام موجك، والأعمال الصالحة تجارتك التي ترجو ربحها.
والنافلة هي هديتك التي ترجوا بها كرامتك، والحرص عليها يسيرها ويزجيها.
ورد النفس عن هواها مراسيها، والموت ساحلها، والله ملكها، وإليه مصيرها.
(ج/ص: 9/320)
وأحب التجار إلى الله وأفضلهم وأقربهم منه أكثرهم بضاعة وأصفاهم نية، وأخلصهم هدية.
وأبغضهم إليه أقلهم بضاعة، وأردأهم هدية، وأخبثهم طوية، فكلما حسنت تجارتك ازداد ربحك، وكلما خلصت هديتك تكرم.
وفي رواية عنه، أنه قال: قال لقمان لابنه: يا بني اتخذ طاعة الله بضاعة تأتك الأرباح من كل مكان، واجعل سفينتك تقوى الله، وحشوها التوكل على الله، وشراعها الإيمان بالله، وبحرك العلم النافع والعمل الصالح، لعلك أن تنجو، وما أراك بناج.
وقال عبد الله بن المبارك: عن رباح بن زيد، عن رجل قال: إن للعلم طغياناً كطغيان المال.
وقال الطبراني: حدثنا عبيد بن محمد الصنعاني، حدثنا أبو قدامة همام بن مسلمة، عن عقبة، حدثنا غوث بن جابر، حدثنا عقيل بن منبه، قال: سمعت عمي وهب بن منبه، يقول: الأجر من الله عز وجل معروض، ولكن لا يستوجبه من لا يعمل، ولا يجده من لا يبتغيه، ولا يبصره من لا ينظر إليه.
وطاعة الله قريبة ممن يرغب فيها، بعيدة ممن زهد فيها، ومن يحرص عليها يصل إليها، ومن لا يحبها لا يجدها، لا تسبق من سعى إليها، ولا يدركها من أبطأ عنها.
وطاعة الله تشرف من أكرمها، وتهين من أضاعها، وكتاب الله يدل عليها، والإيمان بالله يحض عليها.
وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا عمر بن عبد الرحمن، سمعت وهب بن منبه، يقول: قال داود عليه السلام: يا رب أي عبادك أحب إليك؟
قال: مؤمن حسن الصورة حسن العمل.
قال: يا رب أي عبادك أبغض إليك؟
قال: كافر حسن الصورة كفر أو شكر، هذان.
وفي رواية: ذكرها أحمد بن حنبل: أي عبادك أبغض إليك؟
قال: عبد استخارني في أمر فخرت له، فلم يرض له.
وقال إبراهيم بن الجنيد: حدثني إبراهيم بن سعيد، عن عبد المنعم بن إدريس، حدثنا عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه، قال: كان سائح يعبد الله تعالى فجاءه إبليس أو شيطان فتمثل بإنسان فجعل يريه أنه يعبد الله تعالى، وجعل يزيد عليه في العبادة، فأحبه ذلك السائح لما رأى من اجتهاده وعبادته، فقال له الشيطان: - والسائح في مصلاه -: لو دخلنا إلى المدينة فخالطنا الناس وصبرنا على أذاهم وأمرنا ونهينا، كان أعظم لأجرنا، فأجابه السائح إلى ذلك، فلما أخرج السائح إحدى رجليه من باب مكانه لينطلق معه هتف به هاتف فقال: إن هذا شيطان أراد أن يفتنك.
فقال السائح: رجل خرجت في معصية الله وطاعة الشيطان لا تدخل معي، فما حولها من موضعها ذلك حتى فارق الدنيا، فأنزل الله تعالى ذكره في بعض كتبه فقال: وذو الرجل.
وقال وهب: أتى رجل من أهل زمانه إلى ملك كان يفتن الناس على أكل لحم الخنزير، فأعظم الناس مكانه، وهالهم أمره، فقال له صاحب شرطة الملك - سراً بينه وبينه -: أيها العالم اذبح جدياً مما يحل لك أكله ثم ادفعه إلي حتى أصنعه لك على حدته، فإذا دعا الملك بلحم الخنزير أمرت به فوضع بن يديك، فتأكل منه حلالاً ويرى الملك والناس أنك إنما أكلت لحم الخنزير.
(ج/ص: 9/321)
فذبح ذلك العالم جدياً ثم دفعه إلى صاحب الشرطة فصنعه له، وأمر الطباخين إذا أمر الملك بأن يقدم إلى هذا العالم لحم الخنزير، أن يضعوا بين يديه لحم هذا الجدي، واجتمع الناس لينظروا أمر هذا العالم فيه أيأكل أم لا؟
وقالوا: إن أكل أكلنا، وإن امتنع امتنعنا.
فجاء الملك فدعا لهم بلحوم الخنازيز فوضعت بين أيديهم، ووضع بين يدي ذلك العالم لحم ذلك الجدي الحلال المذكى، فألهم الله ذلك العالم فألقى في روعه وفكره.
فقال: هب أني أكلت لحم الجدي الذي أعلم حله أنا، فماذا أصنع بمن لا يعلم؟ والناس إنما ينتظرون أكلي ليقتدوا بي، وهم لا يعلمون إلا أني إنما أكلت لحم الخنزير فيأكلون اقتداء بي، فأكون ممن يحمل أوزارهم يوم القيامة، لا أفعل والله وإن قتلت وحرقت بالنار، وأبى أن يأكل.
فجعل صاحب الشرطة يغمز إليه ويومي إليه ويأمره بأكله - أي: إنما هو لحم الجدي - فأبى أن يأكل، ثم أمره الملك أن يأكل فأبى، فألحوا عليه فأبى، فأمر الملك صاحب الشرطة بقتله، فلما ذهبوا به ليقتلوه.
قال له صاحب الشرطة: ما منعك أن تأكل من اللحم الذي ذكيته أنت ودفعته إلي؟ أظننت أني أتيتك بغيره وخنتك فيما ائتمنتني عليه؟ ما كنت لأفعل والله.
فقال له العالم: قد علمت أنه هو، ولكن خفت أن يتأسى الناس بي، وهم إنما ينتظرون أكلي منه، ولا يعلمون إلا أني إنما أكلت لحم الخنزير، وكذلك كل من أراد على أكله فيما يأتي من الزمان، يقول: قد أكله فلان فأكون فتنة لهم. فقتل رحمه الله.
فينبغي للعالم أن يحذر المعايب، ويجتنب المحذورات، فإن زلته وناقصته منظورة يقتدي بها الجاهل.
وقال معاذ بن جبل: اتقوا زيغة الحكيم.
وقال غيره: اتقوا زلة العالم، فإنه إذا زل بزلته عالم كبير.
ولا ينبغي له أن يستهين بالزلة وإن صغرت، ولا يفعل الرخص التي اختلف فيها العلماء، فإن العالم هو عصاة كل أعمى من العوام، بها يصول على الحق ليدحضه، ويقول: رأيت فلاناً العالم، وفلاناً وفلاناً يفعلون ويفعلون.
وليجتنب العوائد النفسية، فإنه قد يفعل أشياء على حكم العادة فيظنها الجاهل جائزة أو سنة أو واجبة.
كما قيل: سل العالم يصدقك، ولا تقتد بفعله الغريب، ولكن سله عنه يصدقك إن كان ذا دينٍ.
وكم أفسد النظر إلى غالب علماء زمانك هذا من خلق، فما الظن بمخالطتهم ومجالستهم ولكن {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً} [الكهف: 17].
وقال محمد بن عبد الملك بن زنجوية: حدثنا عبد الرزاق، عن أبيه، قال: قلت لوهب بن منبه: كنت ترى الرؤيا فتخبرنا بها، فلا نلبث أن نراها كما رأيتها، قال: ذهب ذلك عني منذ وليت القضاء.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق