1661
البداية والنهاية ( ابن كثير ) الجزء التاسع
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان
فدخل عدي على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين الشعراء ببابك وسهامهم مسمومة وأقوالهم نافذة، فقال: ويحك يا عدي مالي وللشعراء، فقال: يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يسمع الشعر ويجزي عليه، وقد أنشده العباس بن مرداس مدحه فأعطاه حلة، فقال له عمر: أتروي منها شيئاً؟ قال: نعم ! فأنشده:
رأيتك يا خير البرية كلها * نشرت كتاباً جاء بالحق معلما
(ج/ص: 9/291)
شرعت لنا دين الهدى بعد جورنا * عن الحق لما أصبح الحق مظلما
ونورت بالبرهان أمراً مدلساً * وأطفأت بالقرآن ناراً تضرما
فمن مبلغ عني النبي محمداً * وكل امرئ يجزى بما كان قدما
أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه * وكان قديماً ركنه قد تهدما
تعالى علواً فوق عرش إلهنا * وكان مكان الله أعلا وأعظما
فقال عمر: من بالباب منهم؟
فقال: عمر بن أبي ربيعة.
فقال: أليس هو الذي يقول:
ثم نبهتها فهبت كعاباً * طفلة ما تبين رجع الكلام
ساعة ثم إنها بعد قالت * ويلنا قد عجلت يا ابن الكرام
أعلى غير موعد جئت تسري * تتخطى إلى رؤوس النيام
ما تجشمت ما تريد من الأمر * ولاحيت طارقاً لخصام
فلو كان عدو الله إذ فجر كتم وستر على نفسه، لا يدخل والله أبداً، فمن بالباب سواه؟
قال: همام بن غالب - يعني: الفرزدق -
فقال عمر: أو ليس هو الذي يقول في شعره:
هما دلياني من ثمانين قامة * كما أنقض باز أقتم الريش كاسرة
فلما استوت رجلاي بالأرض قالتا * أحي يرجى أم قتيل نحاذره
لا يطأ والله بساطي وهو كاذب، فمن سواه بالباب؟
قال: الأخطل.
قال: أو ليس هو الذي يقول:
ولست بصائم رمضان طوعاً * ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بزاجر عيساً بكور * إلى بطحاء مكة للنجاح
ولست بزائر بيتاً بعيداً * بمكة أبتغي فيه صلاحي
ولست بقائم كالعير أدعو * قبيل الصبح حي على الفلاح
ولكني سأشربها شمولاً * وأسجد عند منبلج الصباح
والله لا يدخل عليَّ وهو كافر أبداً، فهل بالباب سوى من ذكرت؟
قال: نعم، الأحوص.
قال: أليس هو الذي يقول:
الله بيني وبين سيدها * يفر مني بها وأتبعه
فما هو دون من ذكرت، فمن ههنا غيره؟
قال: جميل بن معمر.
قال: الذي يقول:
ألا ليتنا نحيا جميعاً وإن نمت * يوافق في الموتى خريجي خريجها
فما أنا في طول الحياة براغب * إذا قيل قد سوَّى عليها صفيحها
(ج/ص: 9/292)
فلو كان عدو الله تمنى لقاءها في الدنيا ليعمل بذلك صالحاً ويتوب، والله لا يدخل علي أبداً، فهل بالباب أحد سوى ذلك؟
قلت: جرير.
قال: أما إنه الذي يقول:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا * حين الزيارة فأرجعي بسلام
فإن كان لابد فأذن لجرير، فأذن له فدخل على عمر وهو يقول:
إن الذي بعث النبي محمداً * جعل الخلافة للإمام العادل
وسع الخلائق عدله ووفاؤه * حتى ارعوى وأقام ميل المائل
إني لأرجو منك خيراً عاجلاً * والنفس مولعة بحب العاجل
فقال له: ويحك يا جرير، اتق الله فيما تقول.
ثم إن جرير استأذن عمر في الإنشاد فلم يأذن له ولم ينهه فأنشده قصيدة طويلة يمدحه بها.
فقال له: ويحك يا جرير لا أرى لك فيها ههنا حقاً.
فقال: إني مسكين وابن سبيل.
قال: إنا ولينا هذا الأمر ونحن لا نملك إلا ثلاثمائة درهم، أخذت أم عبد الله مائة وابنها مائة وقد بقيت مائة فأمر له بها.
فخرج على الشعراء فقالوا: ما وراءك يا جرير؟
فقال: ما يسوءكم، خرجت من عند أمير المؤمنين وهو يعطي الفقراء ويمنع الشعراء وإني عنه لراض، ثم أنشأ يقول:
رأيت رقى الشيطان لا تستفزه * وقد كان شيطاني من الجن راقيا
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق