إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 6 أبريل 2015

1602 البداية والنهاية ( ابن كثير ) الجزء التاسع


1602

البداية والنهاية ( ابن كثير ) الجزء التاسع

وقالت امرأته فاطمة‏:‏ ما رأيت أحداً أكثر صلاة وصياماً منه، ولا أحداً أشد فَرَقاً من ربه منه، كان يصلي العشاء ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه، ثم ينتبه فلا يزال يبكي حتى تغلبه عيناه، قالت‏:‏ ولقد كان يكون معي في الفراش فيذكر الشيء من أمر الآخرة فينتفض كما ينتفض العصفور في الماء، ويجلس يبكي، فأطرح عليه اللحاف رحمة له، وأنا أقول‏:‏ يا ليت كان بيننا وبين الخلافة بعد المشرقين، فوالله ما رأينا سروراً منذ دخلنا فيها‏.‏

وقال علي بن زيد‏:‏ ما رأيت رجلين كأن النار لم تخلق إلا لهما مثل الحسن وعمر بن عبد العزيز‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ رأيته يبكي حتى بكى دماً، قالوا‏:‏ وكان إذا أوى إلى فراشه قرأ ‏{‏إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 54‏]‏ الآية، ويقرأ ‏{‏أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 97‏]‏ ونحو هذه الآيات، وكان يجتمع كل ليلة إليه أصحابه من الفقهاء فلا يذكرون إلا الموت والآخرة، ثم يبكون حتى كأن بينهم جنازة‏.‏

وقال أبو بكر الصولي‏:‏ كان عمر بن عبد العزيز يتمثل بقول الشاعر‏:‏

فما تزود مما كان يجمعهُ * سوى حنوط غداة البين في خرقِ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/230‏)‏

وغير نفحة أعواد تشبُّ له * وقلَّ ذلك من زاد لمنطلق

بأيما بلد كانت منيته * إن لا يسرّ طائعاً في قصدها يُسقِ

ونظر عمر بن عبد العزيز وهو في جنازة إلى قوم قد تلثموا من الغبار والشمس وانحازوا إلى الظل فبكى وأنشد‏:‏

من كان حين تصيب الشمس جبهته * أو الغبار يخاف الشين والشعثا

ويألف الظل كي تبقى بشاشته * فسوف يسكن يوماً راغماً جدثا

في قعر مظلمة غبراء موحشة * يطيل في قعرها تحت الثرى اللبثا

تجهزي بجهاز تبلغين به * يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا

هذه الأبيات ذكرها الآجري في أدب النقوس بزيادة فيها فقال‏:‏ أخبرنا أبو بكر، أنبأنا أبو حفص عمر بن سعد القراطيسي، حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي الدنيا، حدثني محمد بن صالح القرشي، أخبرني عمر بن الخطاب الأزدي، حدثني ابن لعبد الصمد بن عبد الأعلى بن أبي عمرة قال‏:‏ أراد عمر بن عبد العزيز أن يبعثه رسولاً إلى إليون طاغية الروم يدعوه إلى الإسلام، فقال له عبد الأعلى‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ ائذن لي في بعض بنيَّ يخرج معي - وكان عبد الأعلى له عشرة من الذكور - فقال له‏:‏ انظر من يخرج معك من ولدك‏.‏ فقال‏:‏ عبد الله، فقال له عمر‏:‏ إني رأيت ابنك عبد الله يمشي مشية كرهتها منه ومقتّه عليها، وبلغني أنه يقول الشعر‏.‏ فقال عبد الأعلى‏:‏ أما مشيته تلك فغريزة فيه، وأما الشعر فإنما هو نواحة ينوح بها على نفسه، فقال له‏:‏ مر عبد الله يأتيني وخذ معك غيره، فراح عبد الأعلى بابنه عبد الله إليه، فاستنشده فأنشده ذلك الشعر المتقدم‏:‏

تجهزي بجهاز بتلغين به * يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا

ولا تكدي لمن يبقى وتفتقري * إن الردى وارث الباقي وما ورثا

واخشي حوادث صرف الدهر في مهل * واستيقظي لا تكوني كالذي بحثا

عن مدية كان فيها قطع مدته * فوافتْ الحرث موفوراً كما حرثا

لا تأمني فجع دهرٍ مترفٍ ختلٍ * قد استوى عنده من طاب أو خبثا

يا رب ذي أملٍ فيه على وجلٍ * أضحى به آمناً أمسى وقد حدثا

من كان حين تصيب الشمس جبهته * أو الغبار يخاف الشين والشعثا ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/231‏)‏

ويألف الظل كي تبقى بشاشته * فكيف يسكن يوماً راغماً جدثا

قفراء موحشة غبراء مظلمةٍ * يطيل تحت الثرى من قعرها اللبثا

وقد ذكرها ابن أبي الدنيا فعمر أنشدها عنه، والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

وكان عمر يتمثل بها كثيراً ويبكي‏.‏

وقال الفضل بن عباس الحلبي‏:‏ كان عمر بن عبد العزيز لا يجف فوه من هذا البيت‏:‏

ولا خير في عيش امرئ لم يكن له * من الله في دار القرار نصيب

وزاد غيره معه بيتاً حسناً وهو قوله‏:‏

فإن تُعجبْ الدنيا أناساً فإنها * متاعٌ قليلٌ والزوال قريب

ومن شعره الذي أنشده ابن الجوزي‏:‏

أنا ميت وعز من لا يموت * قد تيقنت أنني سأموت

ليس ملكٌ يزيله الموت ملكاً * إنما الملكُ ملكَ من لا يموت

وقال عبد الله بن المبارك‏:‏ كان عمر بن عبد العزيز يقول‏:‏

تسر بما يفنى وتفرح بالمنى * كما اغتر باللذات في النوم حالم

نهارك يا مغرور سهوٌ وغفلةٌ * وليلك نوم والردى لك لازمٌ

وسعيك فيما سوف تكره غبهُ * كذلك في الدنيا تعيش البهائم

وقال محمد بن كثير‏:‏ قال عمر بن عبد العزيز يلوم نفسه‏:‏

أيقظان أنت اليوم أم أنت نائم * وكيف يطبق النوم حيران هائم

فلو كنت يقظان الغداة لحرّقت * محاجر عينيك الدموع السواجم

أصبحت في النوم الطويل وقد دنت * إليك أمور مفظعات عظائم

وتكدح فيما سوف تكره غبه * كذلك في الدنيا تعيش البهائم ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/232‏)‏

فلا أنت في النوامِ يوماً بسالمٍ * ولا أنت في الأيقاظ يقظان حازم

وروى ابن أبي الدنيا بسنده عن فاطمة بنت عبد الملك قالت‏:‏ انتبه عمر ذات ليلة وهو يقول‏:‏ لقد رأيت الليلة رؤيا عجيبة، فقلت‏:‏ أخبرني بها، فقال‏:‏ حتى نصبح، فلما صلى بالمسلمين دخل فسألته فقال‏:‏ رأيت كأني دفعت إلى أرض خضراء واسعة كأنها بساط أخضر وإذا فيها قصر كأنه الفضة فخرج منه خارج فنادى‏:‏ أين محمد بن عبد الله‏؟‏ أين رسول الله‏؟‏ إذ أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى دخل ذلك القصر، ثم خرج آخر فنادى‏:‏ أين أبو بكر الصديق‏؟‏ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى‏:‏ أين عمر بن الخطاب‏؟‏ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى‏:‏ أين عثمان بن عفان‏؟‏ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى‏:‏ أين علي بن أبي طالب‏؟‏ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى‏:‏ أين عمر بن عبد العزيز‏؟‏ فقمت فدخلت فجلست إلى جانب أبي عمر بن الخطاب، وهو عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر عن يمينه، وبينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل، فقلت‏:‏ لأبي‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ هذا عيسى بن مريم، ثم سمعت هاتفاً يهتف بيني وبينه نور لا أراه، وهو يقول‏:‏ يا عمر بن عبد العزيز تمسك بما أنت عليه، واثبت على ما أنت عليه، ثم كأنه أذن لي في الخروج فخرجت، فالتفت فإذا عثمان بن عفان، وهو خارج من القصر، وهو يقول‏:‏ الحمد لله الذي نصرني ربي، وإذا علي في إثره وهو يقول‏:‏ الحمد لله الذي غفر لي ربي‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق