663
السيرة النبوية:عرض وقائع وتحليل أحداث ج 2
الفصل الثالث عشر: الفتح المبين (صلح الحديبية)
المبحث الثالث : دروس وعبر وفوائــــــــد
كانت غزوة الحديبية غنية بالدروس العقائدية، والفقهية، والأصولية والتربوية.. إلخ، وسوف أذكر منها بعض الدروس على سبيل المثال لا الحصر:
أولاً: أحكام تتعلق بالعقيدة:
1- حكم القيام على رأس الكبير وهو جالس:
في قيام المغيرة بن شعبة على رأس النبي صلى الله عليه وسلم بالسيف، ولم يكن من عادته أن يقام على رأسه وهو قاعد, وهذه سنة يقتدى بها عند قدوم رسل العدو من إظهار العز والفخر والتعظيم للإمام وطاعته ووقايته بالنفوس, وهذه هي العادة الجارية عند قدوم رسل المؤمنين على الكافرين وقدوم رسل الكافرين على المؤمنين, وليس هذا من النوع الذي ذمه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «من أحب أن يتمثل له الرجل قيامًا فليتبوأ مقعده من النار»( ).
كما أن الفخر والخيلاء في الحرب ليسا من هذا النوع المذموم في غيره( ), ويشبه هذا ما فعله أبو دجانة في غزوة أحد، فكل ما يدل على التكبر أو التجبر في المشي ممنوع شرعًا، ولكنه جائز في حالة الحرب بخصوصها, بدليل قوله صلى الله عليه وسلم عن مشية أبي دجانة: «إنها مشية يكرهها الله إلا في هذا الموضع»( ).
2- استحباب الفأل وأنه مغاير للطيرة:
لما جاء سهيل بن عمرو لمفاوضة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله: «سهل أمركم»( ) ففي الحديث استحباب التفاؤل، وأنه ليس من الطيرة المكروهة( ).
وقد جاءت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تبين معنى الفأل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا طيرة وخيرها( ) الفأل» قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: «الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم»( ) والفرق بين الفأل والطيرة: أن الفأل من طريق حسن الظن بالله، والطيرة لا تكون إلا في السوء فلذلك كرهت( ).
وقد ذكرت الطيرة عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أحسنها الفأل ولا ترد مسلمًا, فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت, ولا يدفع بالسيئات إلا أنت, ولا حول ولا قوة إلا بك»( ).
3- بيان كفر من اعتقد أن للكوكب تأثيرًا في إيجاد المطر:
قال خالد الجهني ? صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية -على إثر سماء( ) كانت من الليلة- فلما انصرف أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر, فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء( ) كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب»( ).
وقد حمل العلماء الكفر المذكور في الحديث على أحد نوعيه الاعتقادي أو كفر النعمة بحسب حال القائل.
فمن قال: مطرنا بنوء كذا معتقدًا أن للكوكب فاعليه وتأثيرًا في إيجاد المطر فهو كافر كفرًا مخرجًا من الملة، قال الشافعي: من قال مطرنا بنوء كذا وكذا على ما كان أهل الجاهلية يعنون من إضافة المطر إلى أنه بنوء كذا فذلك كفر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن النوء وقت, والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا، ومن قال مطرنا بنوء كذا على معنى مطرنا في وقت كذا فلا يكون كفرًا وغيره من الكلام أحب إليَّ منه( ).
فالشافعي يقصد هنا الكفر الاعتقادي( ).
4- هل يجوز التبرك بفضلات الصالحين وآثارهم:
ففي حديث عروة بن مسعود وهو يصف أصحاب رسول الله حوله قال: فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده.. وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه( ).
وقد علق الشاطبي على هذا الحديث وأحاديث أخرى تماثله فقال: فالظاهر في مثل هذا النوع أن يكون مشروعًا في حق من ثبت ولايته واتباعه لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتبرك بفضل وضوئه, ويتدلك بنخامته ويستشفى بآثاره كلها، ويرجى نحو مما كان في آثار المتبوع الأصل( ) صلى الله عليه وسلم إلا أنه عارضنا في ذلك أصل مقطوع به في متنه مشكل في تنزيله, وهو أن الصحابة رضي الله عنهم بعد موته عليه السلام لم يقع من أحد منهم في شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه، إذ لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته أفضل من أبي بكر الصديق ? فهو كان خليفته، ولم يفعل به شيء من ذلك, ولا عمر ? وهو كان أفضل الأمة بعده، ثم كذلك عثمان ثم علي ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح معروف أن متبركًا تبرك على أحد تلك الوجوه أو نحوها, بل اقتصروا على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيها النبي صلى الله عليه وسلم, فهو إذن إجماع منهم على ترك تلك الأشياء( ).
وقد أخرج ابن وهب في جامعه من حديث يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: حدثني رجل( ) من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أو تنخم ابتدر من حوله من المسلمين وضوءه ونخامته فشربوه ومسحوا به جلودهم، فلما رآهم يصنعون ذلك سألهم: «لم تفعلون هذا؟» قالوا: نلتمس الطهور والبركة بذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان منكم يحب أن يحبه الله ورسوله فليصدق الحديث, وليؤد الأمانة، ولا يؤذ جاره»( ).
وهذا الحديث أفاد أن الأولى ترك التبرك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعل سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك يوم الحديبية ليرى عروة بن مسعود رسول قريش مدى تعلق الصحابة رضوان الله عليهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وحبهم له, لا سيما وقد قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لأرى أشوابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك( ). هذه بعض المسائل العقائدية.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق